أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حكاية "نجيب الريس" في فيلم تسجيلي يروي حكاية سوريا بعد الاستقلال

يروي فيلم "نجيب الريس -رحلة في الزمن الصعب" التسجيلي للمخرج السوري "ألفوز طنجور" حكاية سوريا ما بعد الاستقلال في محاولة لفهم التاريخ السوري قبل عهد حافظ الأسد ووصولًا إلى الخسارات الفادحة التي تعانيها سوريا اليوم من خلال حكاية صحفي ملأ الدنيا وشغل الناس في زمنه وكان ثائراً ومتمرداً ووطنياً بامتياز.

بعد تجربة فيلمه "ذاكرة باللون الخاكي" عمل المخرج ألفوز طنجور مع المنتج "لؤي حفار" وكانت هناك فكرة مشتركة أن يصنعا مجموعة أفلام وثائقية تضيء على تاريخ سوريا الحديث منذ ما بعد الاستقلال وحتى الوقت الحاضر لأن التاريخ واحد ومتصل ومن يعرف التاريخ لا يتمكن من النظر إلى المستقبل -كما يقول لـ"زمان الوصل"- مضيفاً أن "نجيب الريس" ليس واحداً من أعلام الصحافة السورية في النصف الأول من القرن العشرين فحسب، بل هو أحد الشخصيات السياسية المهمة في سوريا، حيث كان برلمانياً وناشطاً سياسياً فاعلاً وثائراً متمرداً أدى تمرده على الاحتلال الفرنسي إلى نفيه مع عدد من الوطنيين وإيداعه في سجن القلعة بجزيرة "أرواد" ليردد فيها قصيدته الشهيرة التي يقول مطلعها:
يا ظلام السجن خيّم... إننا نهوى الظلاما.
ليس بعد الليل إلا... فجرَ مجدٍ يتسامى.

واستدرك محدثنا أن الهدف الحقيقي من إنجاز فيلمه الذي كتب مادته التوثيقية الصحفي"علي الكردي" لم يكن الإضاءة على شخصية "الريس" أو تناول حياته فحسب، بل أن يحكي حكاية الوطن السوري من خلال حكاية هذا الصحفي المثير للجدل وأين تتقاطع الحكايتان وإلى أي مدى يمكن الإضاءة على ذلك الزمان الذي عاشه.


وأشار المخرج "طنجور" إلى أن ما شجعه على إنجاز هذا الفيلم هو كتاب الصحفية السورية "سعاد جروس" (سوريا في زمن نجيب الريس) الذي لم يكن مجرد كتاب توثيقي، بل تفوح من صفحاته رائحة الحارات القديمة وموسيقى المكان وإيقاع الحياة والناس، وكان التحدي بالنسبة له -كما يقول- هو كيف يمكن أن ينقل ذلك في فيلم تسجيلي ويبتعد عما هو مألوف في الأفلام الوثائقية من تسجيل أحاديث لشخصيات فحسب، ولذلك حرص أن يحتوي الفيلم على عواطف وأحاسيس وموسيقا وإيقاع وحركة ومتعة بصرية تجذب المتلقي، وبنفس الوقت تأخذ بيده للغوص في التاريخ المعاصر وتدفعه باتجاه قراءته. ولفت مخرج الفيلم إلى أن الهدف من فيلمه أيضاً الإضاءة على أسباب قطع صيرورة التطور الطبيعي للمجتمع السوري خاصة بعد الاستقلال، وما جرى على يد العسكر من اغتيالات وانقلابات وخلافات مع أنظمة الحكم.

وأشار "طنجور" الذي يقيم في النمسا إلى أن مشروع الفيلم الذي أنتجته وعرضته قناة "الجزيرة" لم يكن سهلاً كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل كان صعباً في كل مفاصله بدءاً من الناحية اللوجستية والجغرافية والوصول إلى الصحفي الراحل "رياض الريس" والصحفية "سعاد جروس" والباحثيْن "سلام الكواكبي" و"نشوان الأتاسي" المقيمين في فرنسا.

ونوّه صانع الفيلم إلى أن قرار الصحفية "سعاد جروس" في الحضور داخل الفيلم كان قراراً جريئاً لأنها داخل سوريا، واستغرق إنجاز الفيلم -حسب قوله- حوالي سنتين وحتى الوصول إلى الأرشيف الخاص بـ"نجيب الريس" لم يكن بالأمر الهيّن، وخاصة أن هذا الأرشيف كان لدى جهات متفرقة في فرنسا واستراليا وليست واحدة، ولكن تم الوصول إلى الأشياء المناسبة لقول هذه الحكاية في المحصلة.


ولفت محدثنا إلى أنه لم يرد تقديم بورتريه تقليدي لـ"نجيب الريس" 1898ـ 1952، وللحقبة التي عاشها لأنه ابن اليوم ولذلك شعر بأن الفيلم يجب أن يكون مرآة للواقع الذي يعيشه الناس مع الحرص على إلقاء الضوء على التقاطعات والمشتركات بين الماضي والحاضر، ومالذي أدى إلى النتائج المأساوية التي وصل إليها الوطن السوري، واستدرك أن الأسباب التي كانت في الزمن الماضي هي نفسها اليوم بأشكال مختلفة.

وحول دلالات اختياره لعنوان الفيلم "رحلة في الزمن الصعب" أشار المخرج الأربعيني إلى أن عنوان الفيلم وإيحاءاته جاءت من كتاب الصحفية "سعاد جروس" (سوريا زمن نجيب الريس) الذي يتضمن الكثير من التفاصيل واحداها له علاقة بالزمن الصعب فأحس أن هذا العنوان يصلح لأن يكون مدخلاً مناسباً، لأن صعوبة الزمن الذي نعيشه اليوم لا تقل صعوبة عن الزمن الذي عاشه "نجيب الريس" إن لم يكن أصعب وأكثر مرارة، ورغم أن زمن "الريس" كان صعباً، ولكنه كان يحوي حراكاً سياسياً وطنياً وخاصة في فترة الأربعينات والخمسينات وكان هناك أحلام وتشكيل لمؤسسات وطنية وحريات وأحزاب وصراع شريف بين هذه الأحزاب ونشاطات ثقافية، وبعد ذلك مع بدء سيطرة البعث حُكمت سوريا بالحديد والنار سُدت كل نوافذ الحياة والنور واندثرت كل الأصوات التي كانت تحمل مشاريع ثقافية هامة.

وأبان "طنجور" أن مشروعه في مجال الأفلام التسجيلية هو مشروع مدروس وخاص ويركز دائماً على الموضوع السوري لأنه ابن البلد ويهمه -كما قال- أن يعرض حكايته وناسه وسماه ورائحة ياسمينه وترابه، ولديه رغبة دائمة بالإضاءة على مفاصل تتعلق برموز وشخصيات سورية وتقديمها بطريقة مغايرة لأسلوب البورتريه وإنما من خلال حكاية البلد ككل.

فارس الرفاعي - زمان الوصل
(39)    هل أعجبتك المقالة (44)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي