أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

مدينة صافيتا القديمة

ما بين تسجيل التراث وحمايته ... ومشاريع العولمة والاستثمار   

   

 مدخل

  

في محاضرته القيّمة , والتي ألقاها في المركز الثقافي العربي بصافيتا بتاريخ 29 آب 2009, قدم لنا الباحث بسام القحط تاريخا وتوثيقا ومعلومات جديدة , تتضمن صورا نادرة لقلعة صافيتا ومحيطها منذ العام 1868م وحتى اليوم .

  

امتدت الفترة الزمنية التي غطاها البحث منذ الفترة الفينيقية في الألف الأول قبل الميلاد , مرورا بالفترة الرومانية _ البيزنطية , والفترة العربية _ الإسلامية , وصولا إلى ذروة الدور والأهمية التاريخية والتراثية الإنسانية للقلعة ومحيطها في الفترة الصليبية مطلع الألفية الثانية , والى يومنا هذا .

   

نحن نرى إذا ثلاثة آلاف سنة ونيف من التاريخ الإنساني والحضاري , تراثا معماريا ذو قيمة عليا , واستمرارية لتراكم فن وعمارة شعوب تعاقبت على جغرافية لم تفقد يوما أهميتها كتلال إستراتيجية مشرفة على سواحل البحر الأبيض المتوسط , بحر الحضارات العظيمة , وكعيون مؤتمنه ترصد وتحمي العمق الجغرافي لها . 

   

خلال هذه الثلاثة آلاف سنة من التاريخ الحي في الذاكرة , نادرا ما عبثت الأيدي الجاهلة بهذه العمارة وهذا الفن , بل كانت الطبيعة هي الخصم الوحيد والخطير على استمرارية هذا التراث الراقي .

   

تاريخ قلعة صافيتا ومحيطها , وككل تاريخ جغرافي عبر العالم , سيكون دائما بأيدي أقلية جاهلة أو عابثة أو متطرفة أو شخصانية أو تتاجر به من اجل المال.

  

ولكنها ستكون أبدا تراثا إنسانيا متماثلا عبر العالم , تحميه أكثرية أكاديمية علمية خبيرة , تبحث عن أدق التفاصيل وتدون الحقائق الجلية وتضع البراهين الحاسمة وتحفظ للإنسانية أجمل صنائع يديها , وأكثر فترات تاريخها غنى .

   

في عصر العولمة , هناك سهولة كبيرة في تبادل المعلومة والوصول إلى المصادر والخبراء , ويمكن دائما تصحيح وإعادة صياغة المعلومة بشكل أفضل وأكثر واقعية ومصداقية . 

   

وهذا هو الجانب الايجابي للعولمة المعلوماتية والاتصالات.

   

وفي عصر العولمة , تستباح المقدسات الإنسانية كلها , ويتاجر "العولميون" في كل مكان بكل شيء , واخطر ما يتاجرون به الآثار والتراث التاريخي والأبنية العظيمة والجميلة والتي لا يمكن إذا فقدناها أن تتكرر .

   

وهذا هو الجانب السلبي والمتوحش للعولمة المالية الفاسدة

   

هناك الكثير من التاريخ الإنساني الذي تختزنه قلعة صافيتا ومحيطها , وسيكون هناك دائما باحثين مخلصين ليكتبوا تاريخها كله في سياق تاريخ جغرافيا أوسع , وأكثر اتساعا , ولم تكن يوما أضيق من حدود "البحر الصافي" الذي تطل منه وعليه .

   

وهناك الكثير من "العولميين" الفاسدين الذي يريدون أن يتاجروا بهذه القلعة ورمزيتها وتراثها ومحيطها (بيئتها الحاضنة الطبيعية) , ورئتها التي تتنفس منها .

   

هناك وعبر العالم الكثير من الصادقين والأوفياء والإنسانيين الذين سيستطيعون دائما تصحيح وتصويب أي عبث في تاريخ القلعة ومحيطها .

    

ولكن المدينة وعقلائها ومفكريها وأبنائها الأوفياء لها , والجهات الحكومية المؤتمنة على القلعة ومحيطها , هم وحدهم من يستطيع حماية رمز مدينتهم الإنساني , ومحيطه الحاضن له , من عبث العولمة و العولميين .

    

_ القلعة ومحيطها بالأرقام 

 

   
مخطط القلعة بول دو شامب
 
 

                                                   وفق صورة المخطط المرفق أعلاه .

  

باعتبار مقياس الرسم يشير إلى أن كل { 6 مم = 5 م } .

   

_ المساحة التقريبية للقلعة ومحيطها , القلعة والأسوار الباقية وامتدادها هي حوالي : [175م × 100م] = { 1,75 _ 2 كم مربع } .

   

_ طول البرج : [ 31 _ 32 م ] .

  

_ عرض البرج : [ 18 _ 18,5 م ] .

   

_ عندما نمدد حائط "مستطيل مبنى البرج" الشمالي (من الغرب باتجاه الشرق) , نجد أنه يصل إلى منتصف بوابة المدخل الرئيسي الشرقي وتبعد زاوية البرج الشمالية الشرقية عنه حوالي : [46 ­_ 47م ] , خط نظر .

  

_ عندما نمدد حائط "مستطيل مبنى البرج" الغربي (من الجنوب باتجاه الشمال) , نجد أنه يصل إلى منتصف بوابة المبنى المفترض انه قبو محصن , وغير واضح المعالم حاليا , وتبعد الزاوية الشمالية الغربية عنه حوالي : [30 _ 31م] , خط نظر .

  

وهذا المدخل والمبنى بحاجة إلى تحديد دقيق وكشف معالمه على الأرض .

  

وهو موازي لحائط البرج الشمالي وتبلغ أبعاده [55م ­_ 9م] , ويبتعد عن جدار البرج الشمالي مسافة [16 _ 17م] , ويستند امتداد ضلعه الشرقي إلى جدار البرج الشمالي بنقطة تبعد عن الزاوية الشمالية الشرقية للبرج مسافة [7,5 _ 8م] .

  

وهي نقطة تصلح للرصد بغية التحديد الدقيق لهذا المبنى الرئيسي والأكبر والاهم إلى جوار البرج في محيط القلعة . 

  

وبطريقة مشابهة يمكن تحديد كل المعالم والمباني والأسوار الملحوظة في المخطط أعلاه .

  

عن طريق ربط كل مبنى بإحدى زوايا البرج كنقطة استناد .

  

وعلينا أن نراعي إمكانية أن تكون هناك علاقة حتمية بين جدران البرج وأضلاعه والجهات الرئيسية الأربعة .

  

ونحتاج إلى تعمق في دراسة الآثار المماثلة عبر حوض البحر الأبيض المتوسط لتحديد مدى التطابق أو مقدار الزاوية التي اعتمدها الصليبيون بين جدران أبراجهم والجهات الرئيسية الأربعة .

  

بالإضافة إلى ضرورة دراسة حقول الطاقة الأرضية التي كان يتخذها الصليبيون قاعدة لبناء مبانيهم الضخمة .

  

علما أن هناك نظريات ذات عمق علمي تشير إلى إمكانية استخدام هذه الطاقة كمساعدة في البناء ماديا , أو على الأقل من ضمن اللاهوتية الدينية .  

  

يمكننا الملاحظة بسهولة أن بناء البرج يقع في (مركز حقل طاقة) إهليلجي تحكمت بشكله طبيعة الأرض , ويدور من الشرق إلى الجنوب إلى الغرب إلى الشمال.

  

وجهة الدوران هذه تحدد خطوط طاقة مبنى البرج بالنسبة إلى لمحيطه وفق نظرية البناء المعتمدة قديما . 

  

كما لو أن البرج هو الشمس وحقل الطاقة من حوله يأخذ شكل مدار الأرض حول الشمس . 

  

ووفق هذه الخطوط الإهليليجة للطاقة يمكننا ومن خلال الصور الجوية القديمة ملاحظة توضع الأبنية حول البرج إهليلجيا بصورة جلية عبر تتالي أربع خطوط على الأقل , وبشكل هندسي جميل وغاية في الإتقان .

  

بالعودة إلى أرشيف الصور للبرج والمدينة القديمة منذ العام 1868م , وهي الصورة التي رسمها الدكتور جورج بوست احد مؤسسي الجامعة الأمريكية في بيروت , وصولا إلى المنظر العام لصافيتا الحالية من أي جهة كانت , نلاحظ بوضوح حجم التشويه الكبير والطمس المتعمد لمعالم البرج والأبنية القديمة والأسوار وأبراجها أو كما تسميها مديرية الآثار السورية {المدينة القديمة والشريحة الانتقالية} .

  

الأخطر من كل ما تم خلال المائة وسبعون سنة الماضية من تشويه للمنظر التاريخي "البيئة البصرية" والتراثية , وبما لا يقارن , ما يمكن أن يتقدم به "العولميون" من مقترحات تبدو في ظاهرها تنشيطا للسياحة التاريخية أو الثقافية , عبر مجموعة من المشاريع الخدماتية والترفيهية .

  

فالخطر الحقيقي لهكذا طروحات ماكرة , ظاهرها هو التغطي بعنوان جيد لتسويق مشروع سيء .

  

المطلوب هو الحفاظ على الواقع الحالي وفتح المدينة القديمة أمام البعثات الاستكشافية و التوثيقية الأكاديمية الموثوقة , وتحت رقابة الدوائر الأثرية المختصة , وليس طمس ما بقي من معالم تختزن الكثير من الحقائق تحت أبنية جديدة خدماتية سلبية كافية لتدمير ما بقي حيا من تراث هذه المدينة الاستثنائية . 

  

إذا في هذا الموقع التاريخي الذي لا تتجاوز مساحته الكيلومترين المربعين {المدينة القديمة داخل الأسوار} لا يجوز أن يسمح بإضافة أي تشويه حديث يزيد الوضع المزري سوءا ويقضي على ما تبقى من فسح داخل الأسوار هي ما تبقى من العيون التي تمكن الزائر من أن يتمتع بمنظر البرج الذي تسمح به هذه الفُسح .

  

ولكي لا يحصل مع البرج ما حصل مع الأسوار الضخمة التي تعتبر من أطول الأسوار الأثرية الباقية في القطر {طولها الأصلي واحد كم} وقد تبقى منها بعد كل تلك المجازر أكثر من [ 220 م ] , وهذه ويا للأسف لا يمكن رؤيتها اليوم بأي طريقة ممكنة بسبب حجبها كليا خلف أبنية معظمها بيتونية .

   

إضافة إلى أن الجزء الشمالي من السور الخارجي قد أزيل القسم الأكبر منه بحيث لم يعد ممكنا تحديد حدود هذا الجزء من السور إلا بواسطة المخططات الهندسية للمعماريين الفرنسيين الذين قدموا إلى قلعة صافيتا أواخر القرن التاسع عشر {غيوم ري} , وخاصة الذين قاموا بترميم البرج خلال الربع الأول من القرن العشرين { المعماري والآثاري بول دو شامب} .

   

وما ينطبق على هذه الأسوار من ناحية حمايتها , ينطبق تماما على المساحات الواقعة أمامها وخلفها , أي ضمن ما يسمى بالمسار بين الشريحة الانتقالية والسور الخارجي , وأيضا الشريحة التراثية المسجلة في الجهة المقابلة من سوق صافيتا القديم .  

    

_ توثيق وتسجيل المدينة تاريخيا 

   

نتساءل هنا عن الخطوات التي قامت بها الحكومة السورية ممثلة بالمديرية العامة للآثار والمتاحف خصوصا بعد تفعيل دور مديرية الآثار في الخمسينيات من القرن العشرين وذلك من اجل حماية هذا التراث الوطني البالغ الأهمية . 

   

الحقيقة وبما يتعلق بمدينة صافيتا القديمة فان المديرية العامة للآثار والمتاحف قامت منذ العام 1959م بالخطوات الهامة التالية :

   

_ أول قرار كان عام 1959م وقضى بتسجيل مبنى البرج الكبير والأسوار والبقايا الأثرية للقلعة .  

   

_ ثاني قرار كان عام 2000م وقضى بتسجيل كامل المدينة القديمة .

   

_ ثالث قرار كان عام 2008م وقضى بتسجيل سوق صافيتا القديم وحي التل . 

   

كانت هذه القرارات المتوالية مثل البلسم على الجرح بالنسبة إلى المدينة القديمة ومحيطها حيث تمكنت المديرية العامة للآثار والمتاحف ممثلة بدائرة آثار طرطوس من حماية ما تبقى من مدينة صافيتا القديمة ليس فقط البرج والأسوار بل أيضا مدينة صافيتا بتلالها الأثرية الثلاثة والتي تعتبر من أجمل مدن واعرق مدن حوض البحر الأبيض المتوسط . 

   

 مستقبل القلعة ومحيطها والمدينة القديمة 

   

وهو الموضوع المُلح دائما , وخصوصا أن إشكاليات عديدة تُثار , وقد اختلط فيها الحابل بالنابل , والغث بالسمين , والأصلاء بالدخلاء , والاختصاصيين بالأدعياء , والأمناء بالعولميين . 

   

كيفية الحفاظ على تراث إنساني ورمز تاريخي وهوية حضارات عظيمة متراكمة , هو تحدي عالمي كبير , ووطني دائم , وهمّ متصل بحكمة مدينة صافيتا ورجالاتها الأمناء على هذا الرمز لمدينة , وبيئة , ووطن , وإنسانية . 

   

لنتحدث بصراحة وثقة ومن القلب :

   

ترددت كثيرا قبل أن أكتب انفعالي اليوم في نهاية نصي التوثيقي ... صافيتا ... فالأفكار دائما ما تكون وهماً يساورنا للحظات يدغدغ مشاعرنا تحثنا على إمساك عنق القلم ، لنخط ما نشعر به في تلك اللحظة بتجرد ، ونتيجة لهذا التجرد ، هناك استحالة في فهم واقعنا الذي نعيش فيه بمعزل تام عن الظروف الخارجية المحيطة.

   

عندما يتكرر المشهد تعلم أن بالأمر خلل أو شيء لابدّ من رؤيته جيدا , ولكن عندما يتكرر المشهد ولا ترِ أمر مريب فهذا مريب بحد ذاته

   


أصدقائي جماعة الثدييات .... نعم هكذا قد سننادي بعضنا بعد حين في هذه المدينة التي لم تعد صغيرة لأنه لا يوجد شيء يجمعنا إلا أننا ثدييات ! ربما تكون تلك صدفة ؟ ولست أتوقع أنها كذلك لأنهم حملوا الصدفة أسبابا غبية كثيرة ! حتى أنهم قالوا أن الوجود  حدث صدفة ! وعندما تسألهم كيف علموا ربما سيقولون: صدفة!!

   

سندخل التاريخ من أحقر أبوابه لا لأننا حزنا المجد...ولكن لأننا كلما تمخضنا أنجبنا ذلا جديدا.

  

" ما أن يوجد الإنسان في العالم ... حتى يجد نفسه بين هاويتين : حياته و موته .... وبينهما طبيعته البيولوجية أو الغريزية وهنا يقع الإنسان في التيه و الضلال ويسعى جاهدا يتعرف على ذاته على أساس انه حامل لأعباء تاريخ و لغة و أسير إيديولوجيات...  والأهم من هذا كله حمله للهوية , إلى أن ينجو بنفسه و يسكن إلى ما يريحه ويروح عنه .... وينظر بعد ذلك إلى الوجود بهدوء وقناعات ومذاهب أو مواقف متمردة أو خانعة...  هذا  إلا أنه يخضع لمقتضيات إلحاح و اطمئنان ويستمر في عادات حياته إلى أن يتلاشى و يزول نهائيا من جراء الموت  "

   

لكل منا هويته والتي حين يبرزها يعرف فيها عن اسمه تاريخ ميلاده وانتسابه إلى أم و أب و كنية ... وقبل كل شيء تدل على انتسابه لبلده وانتمائه لها، وسينسحب ذلك على هوية المجتمع وحدوده الجغرافية وثقافته القائمة وكذلك مصادر تلك الثقافة التي ساهم في تكوينها تاريخه و موقعه الجغرافي باعتبار التصاق التاريخ و الجغرافيا التصاقا مباشرا بالإنسان وعلاقته بمحيطه سواء القريب أو البعيد . ويمكن القول أيضا بأن روح الهوية يكمن في إخلاصها المباشر للبيئة و التاريخ وتحصيل حاصل الجغرافيا , إن هوية المجتمع تدل على " ثقافته " وإن هذه الثقافة تدل على نوعية المجتمع .

     

وهنا السؤال الذي يطرح نفسه: 

  

هل عاشت هويتنا كأبناء هذه المدينة عمرا طويلا بما يكفي لنتوقع نهاية رحلتها واستبدال الحجارة " السوداء والبيضاء والكلسية القديمة والقرميد الرائع " بالبيتون المسلح ... ؟! 

   

هل نحن مرة أخرى أمام تقليعة جديدة من نبوءات النهاية والموت التي اجتاحت العالم نرفع فيها شعار الحداثة ونواري في التراب تراث مدينة " برج صافيتا " كما كانوا يطلقون عليها في السابق ... ؟!

  

لماذا نتمسك كل إشراقة شمس بعصر يعلن في كل يوم نهاية تجربته الحداثية بينما يعيد في نفس الوقت إعادة إنتاجها ؟!

  

ليس سهلا على مفردات العمر ، أن تحتفظ لنفسها بكامل مهابتها ، إن هي عرفت حرفها وحبر تواصلها ، بالصدأ الأعرج أو الأسود ، أو المزدخر على طريقة ذوي العقد المتأصلة ، والكبيرة ...... آخر الأحزان وأشجار الزيتون كمثل عتبة ريح , أو جفن غيمة أو شهقة برق ، غص بها حلق العاصفة .... وهل يمكن لريح أن تهدأ وتسافر عبر جغرافيا هبوبها من غير عتبة ، تجعلها حدّ بداية ورجوع ؟! والغيمة و شهقة البرق من أين لهما بحرف بهاء وامتشاق سيوف المطر إذا ضيعتا غصص حلق العصف ؟ !

   

يتراءى لنا أن ممرات الليل تفضي إلى دمعات صبح مسبقة البكاء ؟! ليس الدمع هينا أو مطواعا حتى يكون مسبقا ... أنه وعر وحالك ، السفر إليه وعبره مشقة واتكاء على جدار القلق ... حين نخون آخر إرث تبقى لنا ، تهجرنا الغيمة وعتبة الرياح .... و ينام شارع الحب خائبا .... طعين الهمة ... وأحجار القلعة تترك منسية هناك عند عطاف القدر .... حين نخون آخر إرث أو أول إرث ... أصغرهم أو أكبرهم ، نعلن خسارتنا لحاجات أنفسنا النفيسة ، الباهظة ...حين نقتل الحضارة و التاريخ كرما لمنفعة بالية ، لن ترجع إلى عافية اخضرارها غابات أمانينا ... التي وددنا أن نسقيها سقيا مواظبا ...كأن أحلامنا المعاصرة زيادة عن الحاجة استغنت عن مجمل حياتها الأكيدة ، واستبدلت المتين في حياتها بالهش ، فغدونا من غير أحلام ذات فاعلية وبقاء من غير إرث حضاري يثبت هويتنا و انتمائنا  ...وكم صعب علينا هذا ....  سنبدأ مرة بعد مرة التخلي عن قاماتنا و وجودنا وسعادتنا لان الحزن مدانا الذي يتسع لكل هذه الأسماء النبيلة جدا : القامة ... الوجد ... السعادة .... الحب ... الوفاء  ... وغيرها و غيرها ....

    

" أن تتحدث عن غروب الشمس لا يعني أنّك ضد شروقها بالضرورة " .... أدونيس

   

وأنا هنا لست أقف حاجزا ضد الحداثة , قطعا ... وإنما تطبيقها في مكان خارج حدود 2 كيلو متر مربع من هذه المدينة الجميلة ... لست ضد الحداثة لا بل أنا من أشد المطالبين بتكريسها ولكن خارج هذه المساحة الصغيرة التي أعطت ورغم انف الجميع للمدينة هويتها و للمجتمع هويته و انتمائه و ثقافته " مدينة برج صافيتا " هكذا أطلق عليها الأقدمون والأمثلة هنا لا تحصى .

  

بعد قرون على نشوء مدينة برج صافيتا يبدو أن هناك كثيرون من حملة رايات الحداثة و العولمة المشوهة يعملون على حرف أو طمس التاريخ التراثي الأثري و الإنساني لهذه المدينة وتحويلها إلى علب من الكبريت تخنق أهلها بذرائع مختلفة .

  

ليس بهذه الطريقة تؤكل الكتف ... أبدا .

   

وإذا وجد من يقول أن " الهوية التراثية لمدينة برج صافيتا " على أنها مناقضة للحداثة و العولمة أو تتعارض معها فإنه لا يصيب الواقع وإن مؤقتا أو حتى نظريا وعمليا ، إنما هوى يسعى وعن سبق الإصرار و الترصد إخراج الهوية من حدودها و السير بها إلى أفق أرحب من وجهة نظر خاصة ارتكز فيها على منفعته الشخصية المادية مهمشا إرثا حضاريا كان وما يزال أساسا في نهضة هذا المدينة التي لم تعد أبدا صغيرة.

  

هناك فرق بين مساحات ترابية حول البرج وداخل التفاصيل التراثية الغنية تتجول فيها العقول المثقفة لترى وتستمع وتفكر وتنتمي إنسانيا أعمق .

  

وبين مراكز ترفيهية وخدمية يجلس فيها مترف أو متعب أو طفيلي أو مجرد عابر سبيل وفي كل الأحيان غير مهتم إلا بالفيء والاسترخاء .

  

نحن لا نريد لهذه المدينة القديمة وحجارتها وترابها تراثها كله إلا أن تعود إلى أصالتها وبساطتها وعظمتها وتعاليها على الزمن .

  

من مركز حضاري وسياسي وحربي تمتد سطوتها وبهاءها وجلالها من النهر الكبير الجنوبي إلى قلعة الخوابي شمالا وقلعة الحصن شرقا شاغلة مساحة الساحل السوري الجنوبي كله .

   

نجد أنفسنا اليوم نخوض معركة مع المجهول العولمي المتوحش والقادم لنبقي من ذلك كله 2 كيلومتر مربع نقيا وحيا . 

الياس جرجوس - بوهيميا
(68)    هل أعجبتك المقالة (64)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي