أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

خطر الاندثار... ماهر شرف الدين*

من سوريا - جيتي

"يوغوسلافيا هو اسم لدولةٍ تواجدت غرب البلقان في جنوب شرق أوروبا في القرن العشرين (1918 - 2006)".
عن "ويكيبيديا"

الاقتباس أعلاه، وهو تعريفٌ لدولةٍ كانت موجودة ثمَّ اندثرت وصارت من الماضي، ينفع بالتذكير ببديهية مهمَّة للغاية -غالباً ما تغيب عن أذهان الناس- ألا وهي إمكانية اندثار الدول.

في النموذج اليوغسلافي نجد دولةً عاشت أقلّ بقليلٍ من قرنٍ من الزمان، وكانت نهايتُها حروباً عرقية وجرائمَ إبادةٍ على أساس ديني، ثمَّ تقسيماً إلى دولٍ، فاندثاراً للدولة الأمّ إلى الأبد.

عناصر كثيرة من اندثار الدولة في النموذج اليوغسلافي متوافرة في الحالة السورية، ولا شيء في وسعه أن يمنع تكرار النتيجة ذاتها سوى حصول تسوية سياسية كبرى؛ تبتدئ بترحيل الأسد وحاشيته، مع الشروع بإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتنتهي بالاتفاق على نموذج حكم جديد لسوريا الجديدة، بعدما أثبت نموذج الدولة المركزية فشله وكارثيته باعتباره وصفةً سحريةً لنهوض الاستبداد واستفراد طيف بالحكم مع البطش ببقية الأطياف. 

إنَّ عدم اندثار سوريا، ككيان سياسي، يتطلَّب مرحلة عمل طويلة لتضميد الجراح قوامها إعادة إعمار مجتمعية، موازية لإعادة الإعمار الإسمنتية، تضطلع بدور الـمُبَلْسِم التاريخي.

فإعادة الإعمار المجتمعية، في سوريا التي لـمَّا تولد بعد، يجب أن يكون لها هدف نهائي وكبير يتجسَّد في إنتاج هُويَّة وطنيَّة سوريَّة جديدة تحترم السياقات التاريخية للبلاد، وتُبرز وجدانها العربي والإسلامي، وتلحظ تنويعاتها العرقية والثقافية (خصوصاً المسألة الكُردية) وتعدُّدية طوائفها. بمعنى إنتاج هُويَّة وطنيَّة جديدة أكثر مرونة من الهويات القومية الجامدة، والتي استعمل الاستبدادُ إحداها رافعةً له وستاراً لمشروعه الفئوي.

ولنجاح هذه العملية الضخمة ثمَّة اشتراطات عديدة، بينها أن يتواضع السوريون على شكل الحكم في الدولة الجديدة. وإذا سُمِح لي الإدلاء برأيي في هذا الصدد فسأقول إن اللامركزية الإدارية الموسَّعة هي الأكثر ملاءمةً للواقع السوري، وسأشرح هذا الرأي في مقالة منفصلة أُعدّد فيها أسباب اقتناعي باللامركزية الإدارية الموسَّعة كحلّ وسط أمثل بين الفيدرالية التقسيمية والنظام المركزي الاستبدادي.

وفي خضمّ هذه الفوضى الشاملة التي أحكمت سدَّ الطرق التي يمكن أن تؤدّيَ إلى نهوض الكيان المفكَّك وتعافيه، تبدو فرص الاندثار متكافئةً مع فرص الولادة الجديدة.

وبقدر ما يبدو الأمر بأنه قد خرج من أيدي السوريين وصار قضيةً خارجيةً، بقدر ما هو مرهونٌ بنجاح نخبة سورية وطنية في الانبثاق، وقيادة الحلّ الواقعي الذي لا يغبن -على الرغم من واقعيته- تضحيات السوريين في الثورة، ويعيد التوازن للكفَّة السورية التي رجحتْ عليها كفَّةُ الخارج.

وظهور هذه النخبة الإنقاذية من عدمه هو الذي سيحسم المآل بين اندثار سوريا وولادتها الجديدة.

*شاعر وكاتب سوري - من كتاب زمان الوصل
(132)    هل أعجبتك المقالة (111)

شرارة

2020-09-05

باعتباري عشت في يوغوسلافيا السابقة ، وأنا كما أنا الآن ...ننتظر مقالتك لنعلق عليها.


عبدالله

2020-09-05

الحالة اليوغسلافية مختلفة جدا عن الحالة السورية فيوغسلافية كانت عبارة عن دول احتلة من قبل الصرب تحت اسم اتحاد دول اشتراكية وسيطرة الصرب على كل امور اللدولة وعند ما توفى تيتو وبدئة نهاية الخدع الاشتراكية بدئ التفتت والمطالبة بالاستقلال.. ام سورية فلم تكن مجموعة دويلات ولا مجموعة عرقيات.. بل العرب السنى يشكلون 80% والمشكلة الكبرى هي التحكم النصيري بمسلعدة القوة العالمية لحماية اسرائيل وعدم قيام دولة قوية بقيادة سنية عربية ممكن ان تهدد امن اسرائيل ام عن المسئلة الكردية فالاكراد الذين هم من اصل سوري اي الموجودين قبل ثورة الاكراد في تركية 1925 لا يتعدون حتى 2% والاكراد الموجودين الان كلهم لاجئين اغلبهم من تركية ومنهم من تجنس عندما وصل حسن الزعيم الى الحكم وهو من اصل كردي ومنهم مازال بدون جنسية واللاجئين لهم حقوق كبقية الشعب لكن لا يحق لهم اقتطاع ارض واقامة كيان على حساب اهل الارض الحقيقيين .. ;والامركزية ستؤادي الى الانفصال وتقرير مصير ووو.. سورية ستعود احسن مماكانت حتى لو اخذا وقت والاكراد سيرجعون الى جبال قنديل ويبقى اكراد سورية الذين هم من اعمدة سورية.


التعليقات (2)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي