أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الأوطان لا يبنيها القتلة..*

أرشيف

لا شك بأن العدالة هي مطلب محق، تسعى له شعوب الأرض، وتدعو له الأخلاق الإنسانية، والسوريون جزء من الإنسانية المغيبة، كحال المجتمعات العربية، وربما كانوا أكثر بؤسا، وأكثر انتهاكا، خلال خمسين سنة تحت سلطة الاستبداد والقمع والسحل والقتل والتغييب القسري والتهجير الممنهج أمام مرأى العالم وسمعه.. هل يجرؤ بشار الأسد ونظامه على توجيه سلاحه ونيرانه على الشعب، وحرق البلد بمن فيها، لولا غض طرف القوى العالمية والدول الكبرى؟؟ هل يجرؤ محتل في القرن الواحد والعشرين أن يمارس ما يستمر المحتل في دمشق من مداومته على التدمير، واستهداف المرافق الصحية والمدنية بشكل متعمد ومباشر؟ هل يُتخيَّل لعاقل أن عقاب استخدام الكيماوي والأسلحة المحرمة دوليا على مناطق آهلة بالمدنيين، لممارسة القتل بالجملة، يكون بتسليم الكيماوي فقط وترك القاتل طليقاً؟؟ هل يُعقل التفرج على أعظم تراث إنساني، وأقدم الحضارات، وهي تنهب وتحرق وتدمّر؟؟ ألا يعيب الديمقراطية من يتبجحون بها، وهم يشهدون أعظم جريمة منظمة مستمرة، دون أن تخدش حياءهم أو تحرك مشاعرهم آلاف الصور المسربة لآلاف المعتقلين المقتولين تحت التعذيب، في سجون الموت ومحاكم الوحوش.؟؟ من يمنع السيسي بعد الآن؟ من يمنع حكام العرب؟ من يمنع المستبدين بعد الآن، وقد راقهم صمت العالم المتحضر عن جزار سوريا... من يمنعهم من البطش والقتل والظلم؟ وقد منحت لهم تأشيرة المرور بالبطش بلا خوف.

نعم لعقد اجتماعي في وطن يجمع الجميع، يتساوى فيه مواطنوه، تضمن فيه العدالة والحرية، يتشارك الكلّ في بنائه وإدارته.. وألف مرحبا بمحاسبة المجرمين والمنتهكين والمشاركين في الظلم والقتل، كيف لا وهو غاية منشودة لتحقيق العدالة، لكن: هل يستطيع أن يخبرنا ذلك المسكين عن ماهية المشاركة وكيفية تحقيقها؟.

هل بالإمكان تحديد من قتل ومن حرق ومن اعتقل وعذّب ومن سرق ونهب ومن اغتصب ومن تاجر وسمسر ومن خان؟! هل بإمكان هذا الغضنفر أن يتحفنا بعدد تقريبي للمعرضين للمحاسبة؟ مئة، مئتان، ألف، عشرة آلاف.. كم؟ من المحكمة المخولة لمحاسبة رأس النظام ومجرميه؟ وبلا شك لنا تجربة منطقية ومرضية في محاسبة رفعت الأسد مؤخرا، فقط بعد 38 سنة من مجازر مثبتة ضد الإنسانية، بحق آلاف من المدنيين والمعتقلين، إلى تهمة غسيل الأموال والربح غير المشروع، في بلاد العدالة والإنسانية والديمقراطية. وبلا شك تدوم جريمة مكتملة الأوصاف والشهود خمسة عشر عاما من مقتل الشهيد رفيق الحريري ومرافقيه، والجناة في مأمن، والتتويج بتفجير نصف مدينة ذاخرة بالمجد على يد الجناة ذاتهم، تحت رعاية خذلان حثالات السياسة والسيادة والارتهان والارتزاق. هنا يقتل شعب، وهناك يسحق ويعذب شعب آخر، وآلاف المشانق الطائفية تنصب ولا رادع. والمقابل حفنة من الحمقى والمغرورين الملتحفين بزي التنوير ولبوس الثقافة المعطلة، وامتهان السياسة القذرة، المطبلين المقتاتين على ظلم شعوبهم، خدمة لأسيادهم وأربابهم.

غايتهم تزوير الحقيقة، والتشويه والتمويه، والتشكيك بكل الثوابت الدينية والإنسانية والمجتمعية.

فكم سمعنا، وسنسمع عن مقارنات تجعل الجلاد أقرب للحق من الضحية، وأن المؤامرة ملتصقة بمن نادى بالحرية، وأن النظام له مبررات القتل والتهجير، حفاظا على وحدة الوطن الذي جزّأته القوى المتصارعة المرتهنة بيد الاحتلالات المتعددة. وأن خيار الأقليات مبرر للدفاع عن وجودها وبقائها. وبأن قرار رفع السلاح أمام الدولة ذنب لا يغتفر، وهم من نصحوا وقدروا بأن السلمية قرارهم الأسلم في إسقاط النظام والتغيير السياسي، وإن كان دفاعا عن الأنفس والأعراض.

لا أدري بأي عالم يعيش هؤلاء، وأي طعام يأكل هؤلاء القوم، وأي فصام هم بالغوه.

المطالبة بالعدالة والحقوق تعني محاسبة الجميع، بدءاً من الأنظمة، وكل من رفع السلاح، وكل من له يد بأذية الشعب وظلمه، ولو كانت طائفة بكاملها، بكل مذاهبها وأديانها وأعراقها. فالطائفي من يرضى بظلم واعتداء طائفته، وليس من يطالب بمحاسبتها والقصاص من مجرميها.

فلا يستقيم مجتمع على أرضية ثأرية باطنية، أبجدياتها الطائفة قبل الوطن. تدين لمرجعيات قومية وعقائدية وحزبية، تستند لمبادئ وأفكار تستعدي موروثنا الفكري والعقائدي والثقافة المجتمعية السائدة، والتي لا تزيدها إلا فقرا وتخلفا وتجهيلا ممنهجا عميلا.

ولا يمكن التعايش مع سلوكيات المجرمين في وطن آمن بطمأنينة، ولا يمكن التقدم بوطن فيه قلق وخوف يصاحب أهله. والعقد الاجتماعي الذي نرجوه يستقيم بتحقيق العدالة على الجميع، ورد الحقوق مفتاحاً للسلام والمساواة والمواطنة. فالأوطان لا تبنيها القتلة، ولا أدوات الاستبداد.

*محمد الحموي الكيلاني - زمان الوصل
(40)    هل أعجبتك المقالة (32)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي