أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

من جيب السوريين... مزن مرشد*

من لا يملك يمنح لمن لا يستحق..هذا بالضبط ما يحصل في سوريا..

ما حدث منذ يومين أن الحكومة السورية منحت روسيا قطعة أرض، مساحتها ثمانية هكتارات مع مساحة بحرية بمحاذاة القاعدة الروسية في حميميم في ريف اللاذقية، ومساحة مماثلة في المياه الإقليمية قرب ميناء طرطوس، وذلك من أجل إنشاء مركز طبي للصحة والتأهيل لفرق الطيران الروسي، وتتحمل روسيا كلفة بناء وتجهيز البنية التحتية للمرافق المزمع إنشاؤها في الموقع، منح النظام الأراضي لروسيا بصفة مؤقتة (طبعاً لا أحد يعلم ما هي هذه المدة المؤقتة) ودون أي مقابل أو تكلفة.

يجتهد بشار الأسد الذي يتمسك بكرسي الرئاسة، بالرغم من كل الرفض الشعبي له، وكل ما خلفته حربه على الشعب من الدمار، يجتهد في تعميق الشرخ بينه وبين أبناء البلد، ويعمل بكل قوته ليخسر ما تبقى من مؤيديه القلائل الواحد تلو الآخر وحسناً يفعل.

لجداتنا مقولة محفوظة "اللي ما بتتعب فيه الأيادي ما بتحزن عليه القلوب" وهذا ما ينطبق على بشار الأسد، فقد تسلم بلداً لم يتعب عليها أو معها أو فيها، ولا يعنيه مصيرها في شيء، فجاء إلى قصر الرئاسة من بوابة الإبن المدلل للديكتاتور، وبالصدفة البحتة، فلولا وفاة النجل الأكبر لحافظ الأسد لما كانت تكحلت أعيننا بالنجل الثاني الطبيب، صاحب العيون الملونة.

هكذا ببساطة تسلم بشار بلاداً لا يعرف عنها شيئاً، ولا تربطه بها إلا علاقة الإقطاعي مع أملاك أبيه – المدلل الوارث لثروة لا تأكلها النيران- فاستسهل التفريط بكل شيء فيها، في سبيل الحفاظ على الكرسي، التي يعلم تمام المعرفة أنها ليست له ولا هي من حقه.

بدأت تنازلات الأسد منذ أن تخلى عن لواء الإسكندرونة لتركيا نهائياً، في سبيل تحسين العلاقات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكلنا يذكر حفاوة الاستقبالات لأردوغان وزوجته في دمشق وحلب ولمرات عديدة ومتكررة.

لم تتوقف عجلة التخليات والمنح عند الأسد الابن في سبيل مصالحه وحده، وبعيداً كل البعد عن مصلحة الوطن.

وهكذا اعتاد الأسد على الكرم من جيب السوريين وأرضهم وتاريخهم وحضارتهم، لكل من يشعر بأنه قشة يعلق عليها آمال الحفاظ على الكرسي وحمايته من الغرق، رغم استحالة إنقاذه بعد كل هذا الدم.

ومع بداية حربه على الشعب وبهدف إحاطة دمشق بالموالين الشيعة، منح الإيرانيين أولاً بيوت من هجرهم في جنوب دمشق في السيدة زينب والحجيرة وسيدي قداد وغيرها من الضواحي المتاخمة لدمشق، وأعطاهم الجنسية السورية، حتى أصبح نواب مجلس الشعب السوري اليوم، إيرانيين بالولادة والتربية والجنسية والولاء.

ومنح حزب الله ومنذ زمن، المقرات السرية في دمشق، وأماكن تخزين الأسلحة إضافة لمناطق نفوذ حتى بات الحزبلاوي متحكماً ومتنفذاً في البلاد أكثر من أي ضابط لدى الأسد وبرتبة رفيعة.

إلى أن دخلت روسيا على خط الدفاع المستميت عن حكمه، ففاقت عندها المنح عن كل حد.

فعلى الصعيد العسكري بات قائد العمليات الروسية في سوريا هو القائد الفعلي للجيش السوري، وصار وزير الدفاع السوري حاجباً عنده، وغدا الأسد والياً على دمشق لا أكثر بتعيين من السلطان الروسي -بوتين- الحاكم الفعلي للبلاد.

وعلى الصعيد السياسي صارت روسيا المتحكم الوحيد بمصير سوريا بعد أخذها التوكيل الحصري من أمريكا وإسرائيل وتركيا معاً، فتمسك بزمام الأمور، وتملك كل مفاتيح الحل قاطبة في يدها، وعلى هواها.

ولم تكن المنح الاقتصادية أقل من المنح المعنوية والسياسية والدولية، فكانت المفاجأة الأولى للسوريين، أو الخيبة الأولى عندما أجر النظام محطة الحجاز، أحد أهم معالم دمشق، ما اعتبره السوريون سرقة لذكرياتهم ومعالم مدنهم.

تلاها، عندما أجر الأسد مرفأ طرطوس لمدة 49 عاماً محققة روسيا بهذا العقد حلمها الأبدي بالوصول إلى المياه الدافئة.

وكي تعوّض روسيا ما أنفقته على حليفها الضعيف، وقعت روسيا مع النظام عقود طويلة الأجل في مجالي النفط والغاز، اختارت موسكو تحصيل نفقاتها من خلال مزايا أو اتفاقيات تضمن بها مصالحها وتواجدها بالمنطقة.

وفي عام 2019، وقعت وزارة نفط النظام عقوداً مع شركات روسية، تضمن فيها روسيا أحقية التنقيب واستخراج الفوسفات من المنطقة الشرقية الواقعة جنوب مدينة تدمر.

وبينما تعالت أصوات المعارضة داخل روسيا تنديداً بالإنفاق الكبير في سوريا، بررت الحكومة ذلك بأن المشاركة في الحرب السورية أفسحت المجال لاختبار الأسلحة الروسية ومدى فعاليتها... هذه الإجابة الروسية وحدها كافية بالنسبة لنا أن تفجر فينا كل الحقد على روسيا، وعلى الأسد معاً، الذي جلب علينا كل هذه الويلات، وكل هؤلاء الأشرار، والذي على ما يبدو لن يترك لأولادنا شبراً من سوريا، لنقول لهم يوماً ما هنا كنا... هنا مشينا ... وهنا كان لنا ديار..

* من كتاب زمان الوصل
(66)    هل أعجبتك المقالة (60)

2020-08-22

حاتم طي الله ياخده.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي