أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بيروت.. اغتيال المنفى الأخير*

من تفجير بيروت - جيتي

اختصر الصحفي حازم صاغية في منشوره بالأمس ما يحصل في بلده عقب التفجير الكبير لمرفأ بيروت: (سكّان لبنان فائضون عن الحاجة لم يعد لديهم ما يُنهَب. إذاً فليموتوا!).

لأن لبنان كانت رواية عربية للمنفيين من مدن الطغاة، وقصيدة هاربة من ديوان الرقابة ومقصها، وحضن المجانين من أقصى الظلام العربي إلى آخر قطرة ماء تبخرت في المرفأ بعصف الـ c4 المخزن لهذه اللحظة الدموية.

ليس موتها الأول ولن يكون الأخير فهي لا تلبث أن تقف ولكنها تبدو المحاولة الأشرس لإنهاء هذا المنفى من قلبه، وإحالته إلى كومة خراب غير صالحة حتى لاختباء ذبابة هاربة من مذبة عسكري وضيع في هذا الشرق المتداعي. في العقدين الأخيرين تم تحويل الكتب والصحف والإذاعات والشاشات إلى سرير لا يغفو عليه إلا السفلة، وبات على عشاق بيروت أن يفتحوا عيونهم على أكثر من انحطاط الفكرة وعصبيتها وسوادها، وأن تسمع من بيروت صراخ فيصل عبد الساتر بدلاً من فخامة نبيل خوري في سخطه الشاعري. لبنان القصيدة المؤجلة واللاجئة والساخطة صار برنامج لتوزيع نكات الخصي وشمطاوات آخر العمر، ومركز توزيع لكتب المنجمين، وفسحة كبيرة لمايك فغالي بعد أن كان غرفة سرية لأبناء الحصائر الساخطة من بغداد ودمشق الذين فروا من بساطير الطغاة.

هل يسمع محمود درويش الآن صيحات الموتى والجرحى في بيروت المستباحة بالعمائم بعد أن كانت مدينة بحره الجليل، وتفاحته الشهية بالرغم من حصار إسرائيل لها 1982 إلا أن الزغاريد والرقص طغت على أمواج سفن الترحيل، وكانت رائحة القهوة أقوى من رائحة البارود؟.

لعبة تشويه بيروت لم تكن منذ عهد قريب فقط فقد عهّرها الكارهون بالرغم من بلاغة الطهر التي وصفها بها الماغوط (بيروت مثل أم منهمكة بالغسيل وإذا بان فخذاها قالوا عنها عاهرة)..إلا أن شهية السواد كانت فظيعة منذ أن قرر الإيراني وتابعه إلباسها عمامة الظلامية، وتحميلها مسؤولية الانتصار للمظلومية التاريخية وفق الرواية المستعادة.

لم يعد مرغوباً أن يستظل عابر بصخرتها، ولا عامل بالتوهان في شوارعها الفائضة بالعرق، ولا لشاعر أن يستحضر بوحه في مقهى فقير وساذج، ولا لسياسي هارب أن يصرخ في شقة على البحر، وبات كل هؤلاء مطاردون بتهم جديدة ممهورة بخاتم الوالي في الضاحية.

لم يعد مسموحاً لهذا الشرق أن يحوي مدينة استثنائية، ولا شارعاً للسير بحرية تحت مطر عابر، ولا زاوية للهرب من الخوف الرهيب، وبات على المدينة التي لا تطرد هؤلاء أن تُطرد من الجغرافية، وأن تتحول إلى حيّ منكوب وبائس، ومجرد إمرأة تروي حكايات شبابها وطغيان فتنتها الراحلة.

بالأمس أرادوا لبيروت هذا المصير، وأن تصير (مندبة) للراغبين بالنواح، وقبلة للسواد، وحطام لآخر المنافي في هذا الشرق البائس.

*عبد الرزاق دياب - من كتاب "زمان الوصل"
(47)    هل أعجبتك المقالة (33)

غطاس عازار

2020-08-08

مقالة رائعه عميقة المعنى تلامس أوجاعنا ن شكراً لك الدكتور عبد الرزاق الدياب.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي