أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الثورة تأكل بعضها.. فؤاد عبد العزيز*

أرشيف

سألني قبل عدة أشهر ضابط كبير منشق عن جيش النظام، عن طرق اللجوء إلى أوروبا، بعدما تعب من حياة التشرد وعدم الاستقرار.. فقلت له محذرا بصوت حاد: إياك أن تفعلها ..! فقد يتعرف عليك أحد "العساكر" في أوروبا، ممن قد تكون قد أسمعته كلاما مزعجا أو مددت يدك عليه.. فهو في هذه الحالة قادر على "شحطك" إلى السجون ومحاكمتك بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.. تمعن في كلامي قليلا، ثم قال باستغراب: "شو هالهرجة يا رجال .. معقول يصير هيك..؟!". فقلت له: "ألم تفعلها الزوجات السوريات في أوروبا ..؟ ترا المحاكم الأوروبية عقلها صغير كتير، وخصوصا عندما يكون المتخاصمون من أبناء الشرق الأوسط".

قبل أسبوع، عندما انطلقت في ألمانيا محاكمة العقيد أنور رسلان والمساعد أول إياد غريب، اتصل بي نفس الضابط، ليقول لي: "والله كلامك صحيح يا أخي .. هي الأمور شوربة بأوروبا..؟".

هي ليست "شوربة" بالضبط، ولكنا نحن السوريين، قادرون على تحويلها إلى ذلك، وخصوصا إذا ما استمعت إلى الأصوات التي ارتفعت في إطار الحملة الإعلامية المرافقة لمحاكمة العقيد رسلان، حيث إن هناك من توعد بتقديم الكثير من المنشقين عن النظام، للمحاكمة.

وأنا لا أستغرب أن تأخذ هذه المحاكمات في الفترة القادمة أشكالا انتقامية، فالزوجة التي ادعت على زوجها بأنه كان يضربها على رأسها في سوريا قبل عدة سنوات، لم يتطلب الأمر إحضار شهود وملف اتهام، وإنما أدانت المحكمة الزوج فقط لأنه من الشرق الأوسط ولأنه من وجهة نظرهم، يفعلها ويفعل أبوها.. ولا أخفيكم، أنني كنت مرة ضحية لأحد هذه الأشكال الانتقامية، عندما ادعى عليّ أحد السوريين الموالين للنظام في فرنسا، بأنني "داعشي" وأعمل مع الجماعات الإسلامية المتطرفة.. صحيح أنه فشل في إيذائي بسبب عدم وجود أي دليل معه، لكن لا أنكر أنني تضررت كثيرا، حتى بت غير قادر على إنجاز أبسط المعاملات الورقية في فرنسا، فضلا عن خضوعي للمراقبة وإحساسي بها طوال الوقت، نستطيع القول، إنه من حق أي سوري تعرض للاعتقال والسجن والتعذيب، أن يحاكم جلاده، ومن حقه كذلك أن يحصل على العدالة أو الانتقام، ولكن لنفسه، وليس باسم الشعب السوري، وليس باسم قضية ملايين المشردين والمعذبين في شتى أصقاع الأرض، فهؤلاء عدالتهم لا يمكن تحقيقها في ألمانيا ولا في أي دولة في العالم، سوى على أرضهم وفي بلدهم، لأن مشكلة هؤلاء مع النظام لم تعد في جوهرها تتعلق بأن أحد الضباط ضربه كف على وجهه أو ركله بقدميه وسجنه وعذبه، وإنما أصبحت أكبر من ذلك بكثير، فهذا الضابط قتل أولاده، ودمر بيته، وهجره منه إلى المخيمات، فكيف سوف تقنع هؤلاء بأن أنور رسلان، الذي انشق عن النظام منذ العام 2012، وهرب إلى ألمانيا في العام 2014، هو المسؤول عن مأساتهم، بينما لا يزال الموت يتهددهم في كل لحظة وحتى الآن..؟ ثم هل إدانة أنور رسلان وسجنه في ألمانيا سوف يردع غيره من الضباط الذين لازالوا يمارسون القتل والإجرام مع النظام ..؟ هذه المحاكمة برأيي لن تخيف أحدا من الضباط الذين لازالوا يعملون مع النظام، بل على الأغلب، هي الآن تثير شماتتهم بزميلهم أنور رسلان الذي انشق عنهم وقرر أن يتخذ طريقا مختلفا لحياته منذ العام 2012 .. وهي بدون شك سوف تخيف جميع الضباط الذين انشقوا عن النظام ووصلوا إلى أوروبا، أو يفكرون في المجيء إليها.

وليس ببعيد أن يصل الخوف كل من انشق عن النظام من غير العسكريين، أي أعضاء مجلس الشعب والدبلوماسيين والصحفيين والقضاة..إلخ فهؤلاء جميعهم كانوا يعملون مع النظام، ويمكن بكل بساطة القول، إنهم كانوا يحرضون على الديكتاتورية، ويشجعون على الاستبداد والفساد، ولعبوا دورا في تضليل الشعب السوري وحرمانه من حقوقه.. وما أكثر الشهود على هذه الوقائع..ولديهم الاستعداد أن يحلفوا "اليمين" كذلك ..

*من كتاب "زمان الوصل"
(41)    هل أعجبتك المقالة (38)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي