أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

المنشقون المجرمون.. ورسلان مثالاً*

رسلان خلف القضبان الألمانية - جيتي

احتفى سوريون بمحاكمة ضابط وضابط صف "منشقيّن" عن نظام الأسد منذ عام 2012، اقترفا خلال نيف وعام، من آذار 2011 حتى أيلول 2012، جرائم، قتل وتعذيب بحق سوريين، خلال خدمتهم بفرع الأمن الداخلي 251 "فرع الخطيب" قبل أن يفرا، إلى الأردن ومن ثم إلى ألمانيا، ليلاقيا، وبعد سنوات، محاكمة في "كوبلنز" على الأرجح، ستكون بداية لسواهم من "المجرمين" الذين ظنوا أن تغيير الموقف سيمنحهم صك البراءة عن اقترافات ما قبل الانشقاق.

وتباينت الآراء وتعددت الأسئلة، حول "بداية" لم يعتد عليها السوريون، بيد أن في طرحها ومحاولات تفنيدها، ضرورة ملحة، طالما أنها بداية وسيتبعها، أو لابد أن يتبعها، محاكمات أخرى وخلافات جديدة، حول "العدالة" التي لابد أن تسبق أي انتقال بسوريا المستقبل.

أول الأسئلة التي تتوثب على الشفاه ربما، هل الانشقاق عن النظام يمنح البراءة لمن اقترف الجرائم خلال وجوده ضمن المؤسسات السورية، والأمنية على وجه التحديد. أو بصيغة مختصرة وأكثر دقة، هل الثورة تجبّ ما قبلها؟!.

أعتقد أن ثمة توافقا إن لم نقل اتفاقاً، أن التعميم هنا قتّال، إذ ليس من المنطق والعدالة، النظر أو التعامل إلى كل المنشقين بالمقياس ذاته، فزمن الانشقاق له اعتبار وموقع ونوع العمل يؤخذ بالحسبان، والأهم الاقترافات التي ارتكبها المنشق قبل أن ينشق، ما يعني أن العدالة لابد أن تأخذ مجراها، حتى وإن قلل المقترف من جرائمه وهرب مجازفاً بروحه وأهله تاركاً المنصب والمنافع وراء ظهره..وهذا أيضاً لابد أن يؤخذ بالاعتبار.

ومن السؤال الأول يتوّلد سؤال ثان وخطر مفاده، ترى لو لم ينشق "فلان" وبقي بصفوف الأسد، فهل ستطاوله اليوم، أو حتى اليوم، عصا العدالة؟!
والإجابة على هذا السؤال على درجة من الأهمية، فمنها إشارة لكل من هم داخل سوريا حتى اليوم، وصفعة لكل من ترك موقعاً حساساً كرمى لضميرة ليقف إلى جانب حلم الشعب، بالحرية والكرامة.

وربما من الأسئلة التي لم تغفلها، أو يجب ألا تفغلها المحاكم، ماهي درجة الإفادة للثورة جراء انشقاق فلان، وهل كان المنشق صاحب القرار بما اقترف، بمعنى أن رئيس قسم تحقيق أو ضابط بفرقة ما لديه ترف قبول التحقيق مع المتهم وتعذيبه أم أنه مجبر على ذلك، وإن لم يقم بالدور الإجرامي المرسوم له، ربما يدفع ثمناً أقسى مما يلحق بالمتهمين.

وهنا، ليس القصد البتة تبرئة أي مقترف لأي جرم، بل الهدف أخذ بنية عصابة الأسد بالاعتبار وأن جل من فيها، هم أدوات ومنفذون لسياسة إجرامية تأتي الأوامر بها "من فوق".

ولعل آخر الأسئلة وأوجعها، هل سينال أركان النظام الذين ما يزالون حتى اليوم، يقتلون ويستبيحون حقوق وثروات ومصائر السوريين، محاكمات عادلة، كالتي عرض عليها"رسلان والغريب" أم ترى القصاص والملاحقات ستقتصر على من انشق عن نظام الأسد..

بمعنى، من يضمن ألا يتم رفع دعوى قضائية غداً، لمدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لأنه صاحب القرار بتزييف الحقائق وزرع الأحقاد وتنمية الخلاف بين أطياف السوريين، حينما كان على رأس عمله، قبل أن يلتحق بصفوف الثورة.

وأكثر، هل من المستبعد أن يتم تحريك دعاوى، وليس دعوى، بحق رياض حجاب لأنه كان على رأس السلطة التنفيذية خلال اقتراف الجرائم من مؤسسات وهيئات، من المفترض أنها تتبع له وتؤتمر بقراراته؟!.

نهاية القول: بدهي أن السوريين، كل السوريين تواقون للعدالة والقصاص من كل قاتل لحلمهم وبلدهم وذويهم، وليس من أحد، أي أحد، أن ينوب عن أولياء الدم خاصة، ليصفح عن المجرمين، وأياً كانوا. أو لأحد، أي أحد، أن يدافع عن مجرم ثبتت إدانته، رسلان كان أو سواه.

بيد أن ما يجري، بسوريا من دعوات ومساع لتبرير جرائم العصابة، وإقليمياً من محاولات إعادة الإنتاج، أو ودولياً على وجه التحديد، بعد ملامح صفقات ومقايضات.

يجعل من ذاك "البدهي" نكتة تجلى أوجع مضحكها المبكي، بملاحقة سوريين انشقوا عن النظام وترك عصابة تعيث بسوريا خراباً وبالسوريين تنكيلاً منذ خمسين عاماً، إحدى جرائمها غير الملتبسة، كيماوي الغوطة بأغسطس 2013 وقت قتلت زهاء 1200 سوري، فاكتفى العالم المتقدم، فقط بمصادرة أداة الجريمة.

هامش شخصي 1، أذكر كما التو، الكم الهائل من التهكم والتهديد الذي لاقيته، نهاية عام 2012، حينما هاجرت من مصر إلى تركيا وأعلنت انشقاقي على شاشة ال"بي بي سي" وكانت موضة الانشقاق بذروتها وقتذاك.

وأذكر مما أذكر، ما قاله، حتى الأصدقاء، من أني نقلت البارودة من كتف إلى كتف، أو أني قفزت إلى قارب النجاة واستغليت مرحلة انتصار الثورة، بل وسعيي لأبتوأ منصبا وأنهم لن ولم يسامحوني، رغم أني كنت ولم أزل، صحافياً ليس لي بالبواريد ولم أسع، رغم المعاناة وقت ذاك، حتى للعمل بمهنتي بصفوف المعارضة رغم رؤيتي "الدخلاء" بنخرون عرشها كسوس نجس ويدنسون قدسيتها بجهالة وجشع.

وأذكر، كيف تبدل خطاب ومساعي من اتهمني وتكشفت مراميهم النفعية والضيقة، قبل أن يتساقط جلهم، إن عبر عملهم لصالح كيانات ومؤسسات دولية، لا يصب في صالح الثورة والحرية، إن لم نقل إنه كان أحد أهم أسباب الاختراق وتبديد حلم السوريين.

هامش2، وأذكر في آذار 2013، وقت ذهبنا، كمنشقين عن النظام السوري إلى قطر لتأسيس التجمع الوطني الحر، كيف آثر الجميع على عدم التخوين، بل والحرص على استغلال جميع الطاقات بصفوف المعارضة والحفاظ على المؤسسات المدنية بسوريا، منطلقين من أنها ملك لجميع السوريين، وليست مؤسسات "أسدية" يجب تهديمها وسرقتها انتقاما من النظام، كما فكر وفعل كثير من "الثورجية" وقتذاك.

هامش3، ربما يتفق كثيرون، أن إبعاد المنشقين عن واجهة العمل السياسي والعسكري والإعلامي، أو عدم الاستفادة من خبراتهم الإدارية والمؤسسية، كان من الأسباب المهمة بتشقق "مؤسسات" الثورة وإراقة ماء السوريين جراء تبعية من تنطع وتصدّر، وهو من دون أي خلفية أو دراية، حتى بتفاصيل سوريا ومؤسساتها.

هامش4، الانشقاق لا ينظف سجل المجرمين كما لا يمنح الوقوف مع الشعب، صك براءة لأي مرتكب، لكن "استضعفوك فوصفوك" تخلط الميازين ولا توصل للعدالة ولا تشفي حتى صدور السوريين.

*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
(33)    هل أعجبتك المقالة (26)

2020-04-28

محاكمة المنشقين ليست سوى دعم رخيص لنظام محرم لناذا لم نرى محاكمة لمؤيدي النظام في أوروبا وهم يتباهون علناً بتأييد النظام ودعم أفعاله الاجرامية.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي