أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أُحجية لؤي المقداد وصمت عقاب صقر... ماهر شرف الدين*

صقر والمقداد

المنحى الذي اتَّخذته قضية لؤي المقداد حتى الآن خاطئ، ويعوزه التصحيح.

فاقتصار التركيز على جانب عمليات النصب والاحتيال التي افتُضح أمرها مؤخَّراً، يحجب الجانب الأهمّ من القضية والذي تجب مناقشته:

هل كان هذا الشخص اختراقاً سياسياً وعسكرياً للثورة السورية؟

بمعنى أنه: هل دخل الثورة بمهمَّة رسمية من نظام الأسد، أم أنه مجرَّد متسلّق شاطر وجدَ في الثورة السورية فرصةً كبيرةً للثراء والغنى؟

وبسبب تعدُّد الجوانب التي يجدر بنا الانطلاق منها نحو الإجابة، سأقوم بتلخيص تلك الجوانب في أربع نقاط محدَّدة، ربما تصلح، في ما بعد، لتشكيل إجابة مقنعة أو حتى لتكوين رأي متماسك.

أوَّلاً، عدم استغلال السجلّ الجنائي:
قبل أيام قليلة كشف موقع "زمان الوصل" عن سجلّ جنائي حافل للؤي المقداد قبل الثورة (7 مذكّرات جرميَّة بتهم الاحتيال وإساءة الأمانة وإصدار شيكات بلا رصيد).

ولكنَّ هذا السجلّ لم ولن يكتسب أهمّيته الحقيقية إذا لم نعطف عليه السؤال الآتي: لماذا لم يستعمل نظام الأسد هذا السجلّ الجنائي الدامغ لفضح المقداد الذي كان يشغل منصباً حسَّاساً في الثورة؟!

فكما يعلم الجميع فإنَّ إعلام النظام قام، في أحيان كثيرة، بتلفيق سجلَّات جنائية كاذبة لبعض المعارضين البارزين بهدف تسقيطهم، فكيف يفوته استخدام هذا السجلّ الجنائي الدامغ ضدَّ لؤي المقداد؟!
سؤالٌ يستبطن الإجابة لكلّ من يتمعَّن به.

ثانياً، استهداف جميع الفئات:
إنَّ كثرة الفئات التي استهدفها لؤي المقداد بعمليات الاحتيال (تأمين فيزا أو استصدار جواز سفر أوروبي) تطرح استنتاجاً مهمَّاً. فهو لم يكتفِ بالنصب على فئة رجال الأعمال السوريين الأثرياء، بل قام أيضاً بالنصب على الفئة النقيضة: فئة اللاجئين السوريين الفقراء!!

ولم يكتفِ بالنصب على فئة المغمورين الذين ربما يصعب عليهم إيصال صوتهم، بل نصب أيضاً على فئة المشاهير (الإعلامي موسى العمر مثلاً) الذين يستطيعون بتغريدةٍ واحدةٍ أن يفضحوا حقيقته على الملأ ويحرقوا اسمه ومستقبله السياسي.

بمعنى أنَّ لؤي المقداد لم يعد مهتماً بالرأي العام الثوري إطلاقاً، بل ربما يُسعده أن يقوم سوريُّو الثورة بشتمه الآن كتتويج لمهمَّته القذرة التي انتُدبَ إليها.

والدليل أنه كان بوسعه، بعدما احتالَ على رجل أعمال سوري كبير بمبلغ مليون دولار أن يتجنَّب، على الأقلّ، الاحتيال على الإعلامي موسى العمر بمبلغ 25 ألف دولار!

فلا يفعل ذلك إلا الذي أوشك على تشطيب مهمَّته قبل الاختفاء النهائي من المشهد العام، أو الظهور في دمشق.

وعلى العموم فإنَّ المقداد قام بإقفال حساباته كافَّةً على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد أبلغني الأصدقاء بأنه غيَّر أيضاً رقم هاتفه، ولم يعد في وسع أحد الوصول إليه.

ثالثاً، تعدُّد الجنسيات والشبهات حولها:
ثبتَ بالوثائق الدامغة أنَّ لؤي المقداد يحمل، إلى جانب جنسيته السورية، ثلاث جنسيات أُخرى: بريطانية، فلسطينية، لبنانية.

الجنسية البريطانية نالها لؤي المقداد في حزيران 2016 من خلال مرسوم خاص واستثنائي من الحكومة البريطانية. وقد نشر موقع "كلنا شركاء"، بتاريخ 12 حزيران 2016، خبراً يقول فيه بأن هذه الجنسية تمَّ منحها للمقداد "بناءً على قانون يسمح للحكومة البريطانية منح الجنسية بمرسومٍ في حالات استثنائية، استناداً إلى أسباب خاصة يعود تقديرها لجهات معيَّنة". ولنا أن نتوقَّع بأنَّ تلك "الأسباب الخاصة" ليست سوى خدمات استخباراتية قدَّمها المقداد لأجهزة الاستخبارات البريطانية أثناء عمله مع "الجيش الحر".

وهذه الخدمات الاستخباراتية لم أعد أستبعد شخصياً بأن يكون قد قدَّمها أيضاً لإسرائيل، بعدما اكتشفتُ قبل يومين –وأنا أبحث عن معلومات تخصُّ الجنسية البريطانية– بأنَّ المقداد كان قد حصل كذلك على الجنسية الفلسطينية في أواخر العام 2012!! وقد نشرت مواقع فلسطينية عديدة صورةً طبق الأصل عن جواز سفره الفلسطيني!

والسؤال المزدوج هنا: لماذا تمنح السلطة الفلسطينية المعروفة بعدم ارتياحها للثورة السورية، وخطوطها المفتوحة مع نظام الأسد، لؤي المقداد جواز سفرها؟ ثمَّ ما حاجة هذا الشخص لمثل هذا الجواز إن لم يكن من أجل الدخول والخروج إلى إسرائيل (لم يكن قد حصل على جوازه البريطاني بعد)؟
أما الجنسية اللبنانية، والتي يمكننا التخمين بأنه قد حصل عليها بمساعدة النائب اللبناني عقاب صقر، فهي تفسح الطريق للنقطة الرابعة والأخيرة.

رابعاً، دور عقاب صقر:
إذا سُمِحَ لي ببعض الكلام الشخصي، هاهنا، فسأقول إنَّ المرَّة الوحيدة التي جرى فيها اتصال مباشر بيني وبين لؤي المقداد كانت قبل حوالى الثلاث سنوات، حيث جاءني اتصالٌ هاتفيٌّ من رقم لا أعرفه، وحين أجبتُ على المتصل فإذا بصوت المقداد يأتي مهلِّلاً مازحاً، يسأل عني وعن أحوالي، ثمَّ جرى بيننا حوار غير قصير طاولَ تفاصيلَ عديدة فقدتْ الذاكرة الكثير منها اليوم.

لكنْ مما لم تفقده الذاكرة قوله لي بأن "صديقي القديم" عقاب صقر هو الذي نصحه في بداية الثورة بمتابعة مقالاتي.
والحقّ أن الصحافي عقاب صقر (قبل أن يصبح نائباً في البرلمان) كان صديقي أثناء إقامتي في لبنان لسنواتٍ وعملنا المشترك في الصحافة، حيث كان معارضاً شرساً لنظام الأسد ولـ"حزب الله"، ثمَّ انقطعت العلاقة بيننا بعدما غادرتُ لبنان، وحتى كتابة هذه السطور.

وبالطبع فإنَّ ما أرمي إليه من وراء هذه الحكاية هو التوجُّه بشكل مباشر إلى عقاب صقر وسؤاله عن أسرار صعود لؤي المقداد باعتباره أوَّل وأهمّ من دعم هذا الشخص؟

وإني إذ أطلب منه ذلك علناً، وعبر الصحافة، بدل أن أقوم بالاتصال المباشر به، فلأن معرفة أسرار هذه الأحجية هي حقّ لكلّ السوريين الذين أضرَّ المقداد بقضيتهم، والذين أيضاً منحوا عقاب صقر مكانةً مميّزةً لديهم تقديراً لموقفه الداعم للثورة السورية منذ بدايتها.

إنَّ فئةً غير قليلة من جمهور الثورة تنتظر من عقاب أن يشرح لهم من أين جاء لؤي المقداد هذا، خصوصاً وأنَّ الشكوك باتت كبيرةً بأنه أحد أكبر الاختراقات لجسد الثورة السورية، حيث تسلَّم هذا الشخص أخطر المناصب في أخطر مرحلة كان فيها "الجيش الحر" في مرحلته الأولى والأهمّ.
وإذا استمرَّ عقاب صقر في صمته، فسيكون هذا الصمت أسوأ الأجوبة!

***

ومثلما بدأنا كلامنا نعيد القول بأنه من الخطأ التعامل مع قضية لؤي المقداد باعتبارها مجرَّد قضايا نصب واحتيال، بل يجب التعامل معها باحتماليَّة أنها قضية اختراق أمنيّ كبير للثورة تسبَّب لها بأضرار بنيوية ساهمت بوأد "الجيش الحرّ" في مهده، ومكَّنت نظام الأسد من الحصول على كنز استخباراتي يخصّ كلَّ عنصر وكلَّ تحرُّك وكلَّ خطَّة.

فأهون الشرور أن يكون لؤي المقداد هذا مجرَّد متسلّق محتال، ولكنْ أسوأ الشرور... فتلك التي لا يمكن تصوُّرها!

*شاعر وكاتب سوري - من كتاب زمان الوصل
(286)    هل أعجبتك المقالة (78)

امير عقاد

2020-04-17

لا زالت ثقافة البعث تعشعش في العقول، تَغَيَّرَ الزمان ولم تتغير الحالة، فما أشبه اليوم بالبارحة، عندما تم القبض على محمد الديري رئيس نادي الاتحاد ورجل الاعمال المشهور بحلب، بعد افلاسه، وجدوا وثائق بمبلغ مليار ليرة بإسم صهيب الشامي مدير الاوقاف بحلب فأنكر المليار بـ ما لي معه شي.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي