أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

من ميشيل عفلق إلى الجولاني*

أرشيف

بين شهر نيسان والقومية العربية شجون، ففيه وضعت الأدبيات الأولى لأشهر الأحزاب ‏القومية، حزب البعث، الحزب القومي الوحيد الذي استطاع أن يصل سدة الحكم في سوريا ‏‏والعراق ويبقى حاكما لعقود طويلة، وذلك بغض النظر عن الطريقة التي وصل فيها إلى الحكم ‏سواء أكان هو من ركب أصحاب الانقلابات من العسكريين، أم ركبه ‏العسكر وجعلوه واجهة ‏مدنية لحكمهم.‏ يتسع المكان لرأي ثالث وهو أن البعثيين هم أنفسهم العسكر الانقلابيون، وهم بذلك كانوا جناة ‏وضحايا للمدرسة الناصرية "العراب الأول" لزج الجيش في الحياة السياسية وإسقاط التجارب ‏الديمقراطية الفتية في المنطقة.

مع العلم أن السوريين هم أصحاب تجربة الانقلاب العسكري ‏الأول.. انقلاب حسني الزعيم.‏ في شهر نيسان أيضا سقط الجناح "الأيمن" للبعث، نيسان 2003، إثر دخول القوات الأمريكية ‏بغداد وإسقاط تمثال صدام حسين من قبل عراقيين.

أما الجناح "الأيسر" فسقط مع سقوط التمثال ‏الأول في درعا أواخر آذار من العام 2011، على مشارف نيسان بطبيعة الحال.‏ رغم الفارق الشاسع بين دوافع إسقاط التمثالين، إلا أن إشارة ما، يمكن التقاطها من هذا ‏الإسقاط، وكأنها كانت إسقاطا للحالة الصنمية التي فرضها عسكر البعث (البعث باعتباره ‏واجهة حكم وليس حزبا حاكما) على الحياة السياسية واختزالها في شخص السيد الرئيس ‏‏(الوحيد الأوحد الملهم)، المحاط بأقلية عسكرية مخابراتية اقتصادية دينية، تسعى للحفاظ على ‏كرسي الحكم، حفاظا على مصالحها وربما وجودها كله، مع تمسكها دوما بتقديم خطاب تعبوي ‏يستند إلى "القضية الشماعة"، القضية الفلسطينية التي عُلق عليها الفشل في إحداث النهضة، ‏وباسمها ارتكبت الجرائم.‏

فكرة القومية العربية، طُلب رأس المنتمي إليها في العراق الذي اقتطع قسم منه –جزئيا- باسم ‏قومية أخرى. ومن ثم باتت هذه فكرة ممجوجة سمجة لدى الشعب العربي وكأنها جرب يجب ‏الابتعاد عنه.

ساهم في ذلك المواقف التي اتخذها دعاتها من ثورات الربيع العربي، وترويجهم ‏غير المباشر للمشروع الفارسي، الذي من المفترض أنه نقيض للمشروع العربي القومي، ‏متلطين خلف شعارات "القضية الشماعة".

وعلى نهج القوميين العرب سار "السوريون ‏القوميون" واختاروا مناصرة الديكتاتور.‏ من مفارقات حالة "التيه" التي نعيشها أن علمانيين عربا، من غير القوميين، نجدهم يتحمسون ‏لتجربة مثل التجربة الأتاتوركية التي بنيت أساسا على الفكر القومي التركي، رغم نسفها ‏للقومية الكردية التي يدافعون عنها في سياق تفاعلها مع القومية العربية، أو مع "الأردوغانية".‏

‏"المشروع" القومي العربي، فشل في إنجاز أهدافه المعلنة، ومثله "المشروع الإسلامي" ‏فالإسلاميون أضاعوا الفرصة في مصر، أما في الإقطاعيات التي حكموها في سوريا ضمن ‏ظروف استثنائية، فقد أثبتوا من خلالها أنهم أكثر سوءا من القوميين، فإن كان الحاكم القومي ‏مارس الحكم المطلق، فهم أرادوا حكما "لاهوتيا" يوزعون الناس من خلاله على الجنة والنار.‏

المشاريع الإيديولوجية الإسلامية والقومية، سعت إلى إنجاز هوية خاصة بها، وتجاهلت إنجاز ‏فكرة المواطنة، والنتيجة أنها قدمت هوية مشوهة ومواطنة معدومة. لكن هل يعني هذا أن الفكر القومي انتهى؟ ‏ لا يبدو الأمر كذلك، فما صعود اليمين في أوروبا إلا شكل من أشكال النزعة القومية، ومثلها ‏إغلاق الحدود والخلافات بين دول الاتحاد الأوروبي، فهي مؤشر لأولوية "الحدود القومية" ‏على حدود ما "فوق القومية".

*حسين الزعبي - من كتاب "زمان الوصل"
(26)    هل أعجبتك المقالة (26)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي