أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"ملكة الفوعة وتلميذ بنش".. الحب ينتصر على الحرب في باكورة شعبان عبود الروائية

بالمحصلة، أفلح شعبان عبود بخديعتنا، حينما ألهانا به وبـ"سلمى"، فأغلق باب مدرسة "ممدوح شعيب" المختلطة في "بنش"، وأدخلنا شوارع تلك القرية وكروم زيتون "الفوعة"، عبر قصة حب حقيقية، ليصرفنا عن "أوجاعه" لفقد الحب الذي جسده بـ"سلمى" وتبدلاته بزمن الحرب لبعض ثأرية وكراهية، ويقلل من أوجاعنا لتلاشي الأمل "من خلاله"، ويبلسم ولو بمقدار وردة، من أوجاع الطائفية والحروب اللامنتهية، بعد إحضاره قرية "بنش" السنية وجارتها "الفوعة" الشيعية بمحافظة إدلب السورية، كمثال مصغّر عن منطقة دخلت نفق "الطائفية" ولم تعرف، أو لم يسمح لها من غياهب ظلماته بالخروج.

يبدأ عبود رواية "ملكة الفوعة وتلميذ بنش" الصادرة نهاية العام الفائت عن دار "نون" في تركيا (120 صفحة من القطع المتوسط)، بمقارنة بين واقعه بالولايات المتحدة وما كان يعيشه من طيبة وتآلف في "ببنش" السورية، وكأنه يفرض على قارئه منذ البداية، إيقاع الخيبة ومن دون مواربة ومخاتلات روائية.  ليقفز ضمن سياق الوجع بعد أن ضاقت به المفارقات، وربما دون ربط مبرر، إلى الثورة السورية التي تبدلت من المشتهى والحلم بالحرية إلى حرب فرقت بين الجيران، ليدخلنا بسلاسة إلى محور روايته الرئيس، حبه من فتاة بقرية مجاورة تنتمي لمذهب غير مذهبه، قبل أن تحول الحرب القريتين الجارتين إلى عدوتين، تتبادلان القصف والحصار وتحصيان عند المساء أرقام القتلى.

يستوقفنا الروائي السوري عبود من خلال باكورة أعماله، إلى ما كانت عليه سورية من محبة وتعايش قبل الحرب، فيختصر الوطن ببيت أهله بالضيعة، وكيف سكنه شباب من محافظات عدة وانتماءات مختلفة، ولم يضق البيت بمستأجريه، كما ضاقت سورية بأهليها اليوم ولم ير أبوه بأبي حسين "العلوي" و"السكير" ما يمنع من مسامرته يومياً حتى مطلع الفجر.

لكن الحال تبدل بعد الثورة، وقت جازف الروائي وزار "بنش" بعد سنين غربته الطوال، فالسماء التي كانت تهطل خيراً وأحلاما، تنزل على أطفال إدلب اليوم، براميل الموت وحمم الفناء، وكذا الأمكنة، فقدت رائحتها للحد الذي تلاشت معها قدرات عبود، استرجاع حكايات السطح وسرديات عشق أبيه لأمه، فاليوم، بعد رحيل أمه التي رمزّ خلالها للطيبة والحب، لم يعد لشيء من معنى أو رائحة، تستأهل المجازفة لنيل شرف كاذب.

ويبقى "شعبان عبود" يؤرجحنا معه بأسلوب الراوي وتكثيف جمل الصحفي، خلال الثلاثين صفحة الأولى من روايته، من دون خط روائي ومحور، بل يؤثر الاستفاضة بالوصفية للأمكنة والتبدلات التي طرأت عليها، عبر ما يشبه السيرة الذاتية والذكريات، ليعلم من يهمه الأمر، أن استعدوا فأنا بطل الرواية الخائب وتلك عشيقتي "سلمى" من القرية المحرمة المجاورة، وهكذا وصلت إليها عبر "التواصل الاجتماعي" وأفرحتني ابنة عمها بخبر بقائها على قيد الحياة، وأحزنتني لأنها محاصرة بقريتها "الفوعة" بعد أن فقدت ابنها العشريني "نور الدين" بمعارك الجيران الأعداء بحكم الاصطفاف والضرورة.

وينقلنا الروائي إلى بداية عودته لحبه القديم، عبر رسائل واتصالات يومية بسلمى، حاول خلالها تغليف مشاعره بحالة إنسانية وحياد، لا يخفق القلب فيه، لكنه يفشل على الدوام وإن تكتّم، ليمزج عبر أبواب روايته التي لم يسمها، بين صراع الحرب والحب، بعد أن يؤرّخ بسرده الدقيق، لمآس سجلها عبر رحلاته المتعددة لحياة ومعاناة السوريين، ناقلا من هولندا غصة ومن تركيا أوجاعاً، عبر أبطاله الجدد والطارئين، لمعاناة الهجرة والهروب من المجهول..وانقسام الشعب على ضفتي خراب سوريا، مؤثراً على الاستشهاد بـ"الفوعة"، بلد عشيقته، مرة عبر ضابط وأخرى عبر معلم يساري لبى نداء ضميره فوقف على ضفة الشعب ضد الاستبداد رغم ما أصابه من الثورة والثوار. لكنه سرعان ما يعود إلى "سلمى" ولقائه بها في بيروت، سارداً بلغة المتكلم التفصيلية لأدق صغائر مخاوفه من ذلك اللقاء والبوح الذي تأخر أكثر من ثلاثين عاماً.

ويترك الصحافي "عبود" نهاية روايته لبطلها الأهم "سلمى" لتستفيض بنقل معاناتها وبلدتها بحرب اختلط خلالها كل شيء وضاع، وكيف أحيا إيقاظ الماضي أنوثتها، فتغيّر لباسها وبدأت ترسل الأغاني وتبوح بحب ظنته ميت، ليقفل "شعبان عبود"، وعلى طريقة الصحفي الذي لم يغب، إن كأسلوب وجمل قصيرة أو كسرد واستقصاء "ماذا لو زرعنا شجراً بثمن الصواريخ.. ماذا لو عمرنا بيوتاً ومدارس..وماذا لو لم تُطلق تلك الرصاصة على أول متظاهر بدرعا؟!

من الظلم لـ"ملكة الفوعة..تلميذ بنش" أن نقرأها إلا كما جاءت، رواية واقعية بامتياز خطتها يد صحفي بعد أن رصدت عينه بمنظار الاستقصاء لتفاصيل وجع الحرب السورية، فوثّق على طريقته الصحفية المكثفة، لمرحلة وقضية، هي الأخطر بتاريخ السوريين الحديث.

من دون أن يترك لخياله العنان ليستفيض ولا لقلمه الانفلات ليجنح، فينقلنا كما العادة بالرواية، إلى عوالم شخصياته وتفاصيل الأمكنة التي تبدلت بين الولايات المتحدة وهولندا وتركيا وبيروت، بل آثر "شعبان عبود"، وبشكل علني، تغليب مواجع غربته وتراكم خيباته من مآلات الثورة، عبر استخدام حقه بالحرية المطلقة بالتعبير والسرد، فبدون تلك الحرية، على الأرجح لن تقوم الرواية.

عدنان عبد الرزاق - زمان الوصل
(43)    هل أعجبتك المقالة (31)

محمد المختار

2020-04-13

إذا كان المقال بهذه الروعة كيف الحال بالرواية إذاً 😍حتماً ستكون رائعة جدا جدا ليتني أستطيع قراءتها.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي