أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عصر التوحش...‏ حسين الزعبي*

تكشف تبعات وباء كورونا، وهي تبعات مازالت في مراحلها الأولى، أن الأزمة التي يعيشها ‏العالم، هي نتاج المنهج المادي المتوحش للكتلة المتحكمة بمصير الشعوب، الشعوب التي باتت ‏في العالم الثالث وقودا في محرقة الحاكم، وفي العالم الأول أرقام مستهلكة لما تنتجه تلك الكتلة، ‏حتى لو كان هذا الإنتاج، مجرد لوغاريتميات.‏

الأزمة التي يعيشها العالم الأول، طبيا، يبدو أنها مشكلة بنى تحتية أكثر من أنها مشكلة صحية ‏خالصة، فالطبيب عندما يكون في موضع المفاضلة بين مريض ومريض، بين أن يسعى لإنقاذ ‏مريض وبين أن يترك آخر ليلقى حتفه، إنما يفعل ذلك لعدم وجود أجهزة كافية لعدد المرضى، ‏رغم أن رقم المرضى حتى الآن لا يفترض أن يفوق قدرة هذه الدولة أو تلك، ولكنه يكشف ‏عن حقيقة أولويات الحكومات في الدول، "المتقدمة" قبل "المتخلفة"..

هذه الأولويات ربما تتسق مع ميول الشعوب نفسها، وإلا ما معنى أن تكون شركات رقمية مثل "‏فيسبوك" و"غوغل" و"آبل" و"سامسونغ"، التي تعيش أصلا على الميول النفسية للبشر في بحثهم عن ‏سعادة مطلقة لن يصلوها أبدا، تملك من المال ما لا تملكه وزارات الصحة في دول مثل فرنسا ‏وألمانيا وربما معهما إيطاليا واسبانيا مجتمعين..‏ العالم وفي لحظة صراخه باحثا عن حل، لا يوفر أي فرصة حتى لو كانت "لا أخلاقية"، في ‏سبيل التخفيف من الأعباء التي يفرضها "واقع كورونا".

يروي صديق يقيم في شقة بالعاصمة الألمانية برلين مع رجل إلماني مسن، أن هذا المسن ومع بدء أزمة كورونا أراد أن ‏ينتقل للعيش في جزيرة إسبانية، لم يحالفه الحظ إذ تحولت إسبانيا لبؤرة وباء، هذا الرجل، كما ‏يقول، أراد أن ينتقل ليس خوفا من المرض بحد ذاته بقدر ما هو هروب من خوفه أن يصاب ‏بالفيروس فيضطر لدخول المستشفى، هذا الخوف برره في إجابته على استغراب الصديق، بأن ‏المستشفيات ستضحي بكبار السن.‏

بدا لي الأمر مستغربا، لكن التجارب التاريخية، وهي ليست بعيدة عنا، تؤكد حدوث مثل هذه ‏الحالات، بل إن تصريحات المسؤولين تدفع باتجاه هذا السلوك، فحاكم ولاية تكساس وبكل ‏وقاحة قال "المسنون مستعدون للتضحية بأنفسهم من أجل إنقاذ الاقتصاد الأمريكي"، هو ‏بصراحة يريد أن تتم التضحية بكبار السن، أي أن تعود الحياة إلى طبيعتها مع وجود هذا ‏المرض وتعود ماكينة "الشركات المتوحشة" للعمل ولا ضير أن يصاب الشباب فالقسم الأكبر ‏منهم سينجون من الموت، ولا ضير أيضا أن يفنى المسنون فهم بذلك، حسب رأيه، يضحون في ‏سبيل الاقتصاد الأمريكي..‏ هذه الرؤية الفجة لحاكم تكساس، كما هي رؤى معلمه ترامب، يتم تداولها في أروقة المؤسسات ‏التشريعية الأوروبية، وربما تلجأ إليها بعض الدول، ويتردد أن ألمانيا في طريقها لتنفيذ هذا ‏السيناريو، ولكن مع فرض حجر على كبار السن، فهم جزء من الدولة التي تعاني أصلا نقصا ‏سكانيا شأنها شأن بقية دول القارة الأوروبية، فضلا عن أنهم أصوات انتخابية.‏

الدول الكبرى، القادرة على تحريك أساطيلها الحربية عبر المحيطات في يوم أو يومين، لم ‏تبن، حسب ما يتوفر من معلومات، بعد ثلاثة شهور من الوباء مستشفىً واحداً جديدا (اللهم إذا ‏استثنينا الصين عافانا وإياكم شر طعامهم).

هذه الدول رغم جبروتها تعجز عن توفير كمامات ‏للطواقم الطبية التي يفترض أنها تمثل خط الدفاع الأول عن البشرية.‏

كل هذا سيكون له ما بعده، ولم يعد السؤال هل سيتغير العالم بعد كورونا، فمن نافل القول أنه ‏سيتغير، لكن السؤال متى يبدأ التغيير الحقيقي؟ لا يبدو أنه بعيد..‏

*من كتاب "زمان الوصل"
(24)    هل أعجبتك المقالة (20)

يحيى الطريفي

2020-03-31

سيصبح العالم اكثر توحشا.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي