أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أنا وكورونا وهواك.. مزن مرشد*

باريس أمس - جيتي

توقفت الحياة نهائياً -تقريباً- الشوارع خالية، محلات الثياب والكهربائيات والأحذية مغلقة، النوادي الرياضية، المسابح، المطاعم، أماكن الترفيه..مغلقة حتى إشعارٍ آخر..

كذلك المدارس والشركات، فبات المنزل سجناً طوعياً صغيراً دون سجان.

في هذا السجن تتعدد الحكايات والنوادر في أسر لم تعتد أن تجتمع لوقت طويل، خاصة بوجود أطفال، وما يزيد الطين بلة إن كانوا أشقياء، فيصبح الحجر الصحي في البيوت عقوبةً للأب غير المعتاد على وجوده الدائم في المنزل، وعلى أمٍ لم يعد بإمكانها أن تحظى بلحظات هدوء قليلة خلال نهارها الطويل والشاق.

من أندر ما سمعت من إحدى الصديقات أن زوجها ميّز أخيراً لون عينيها فلم يعد أمامه إلا التحديق بها طيلة الوقت... وأخرى اكتشفت أن زوجها يشبه أحد الشخصيات السياسية المشهورة، واستغربت انها لم تلحظ هذا الشبه من قبل، والمصيبة أنها لا تحب السياسي المذكور.

أما أطرف الأخبار فقد جاءت من الصين مهد المرض، بارتفاع نسبة الطلاق وتخصيص رقم طوارئ خاص للمشاكل الزوجية... وقد يكون هذا طبيعياً بين الأزواج المحجورين لساعات طويلة دون أي نشاطٍ يلهيهم، فتصبح المشاجرات خبزهم ومادة تسليتهم الوحيدة، وبالأخص عندما يتدخل الزوج في كل صغيرة وكبيرة في المنزل، بغياب العمل والخروج والصحبة، فيصير ارتفاع صوت الموسيقى مادة للخلاف، وتقليب قنوات التلفاز مادةً أخرى، وماذا يأكلون اليوم، حتى طريقة غسل الثياب وترتيب الصحون وتنظيف المنزل محراكاً لعصبية الطرفين..أي تفصيل صغير في الحياة يصير سبباً خفياً وحقيقياً لاختلاق المشاكل المسلية في ساعات الفراغ الممل...ولم ينج من هذه الحالة إلا الأزواج الذين يعمل أحدهم في المهن الطبية فهذا ازدادت ساعات غيابه عن المنزل ولا داعي للمشاكل.

ومن الأزمات التي شكلت هاجساً للبعض بعيداً عن مخاوف العدوى والإصابة، كانت معضلة زيادة الوزن، فبكت إحداهن أن ما خسرته من وزن في سنة، استعادته في أسبوع واحد من الحجر ... فمن ينجدها؟

لن أتطرق للحجر الصحي الاحترازي السوري، فهو يعتصر القلب بمجرد التفكير بحال السوريين خلال تسع سنوات خلت، فالسوري مكموم الفم، سجين بلده، محروم من أغلب أساسيات الحياة، حتى لو امتلك ثمنها...

سأبقى فيما أردته وهو الخروج قليلاً من حالة الكآبة التي زادها الفيروس من الشعر بيتاً، ومن متابعة أخبار الموت الذي لم يعد حكراً على بلد بعينه.

خلال أيامي الماضية لم أبقِ أغنية قديمة أو حديثة إلا سمعتها، ولم أترك أغنية لا هابطة ولا شعبية إلا وطربت لها، حتى وصل انتقاء "يوتيوب" العشوائي إلى أغنية كانت من أغانيّ المفضلة "أنا والغرام وهواك عايشين لبعضينا" لتنتابني باللاشعور نوبة من الضحك، جعلتني أدرك سخافة ما نعيشه..أنا والكورونا وهوى الحرب، وهوى الأخبار، وهوى متابعة المعارك الديمقراطية الدونكشوتية في "فيسبوك"، أصبحنا عايشين لبعضينا، فلم يعد للهوى أي مكانة في هذا الزمن... حتى الهوى، بات إلكترونياً، وعن بعد، فمن بدأ بالإحساس اليوم تجاه أحدهم، عليه تأجيل مشاعره لينتهي منع التجول، ويأمن ألا يُعدى أو يعدي من يرغب بلقائه...

أما الفراغ والتفرغ الفجائي الذي عصف بالجميع، فتح الباب أمام الجميع للتفرغ لوسائل التواصل، في تسلية وحيدة متاحة فغصت التطبيقات بالنكات، خاصة بين السوريين الذين يثبتون يوماً بعد آخر بأنهم شعب حي، قادر على التحايل على أعتى المصائب وجعلها مادة للتندر.

وغص الموقع الأكثر شهرةً "فيسبوك" بصفحات السوريين الجديدة (قلبي قلبك- قلي لقلك- متطوعون من أجل كورونا- كلمات إدلبية قديمة- مطبخ المشنططين والكثير مثلها ...) التي باتت تأخذ من وقتنا مساحةً لا بأس بها لمتابعتها فلا تخلو من محتوى جيد، عميق أحياناً، وإشكالي أحياناً أخرى، فندحل في نقاشات منها ما هو مجدٍ، ومنها ما يصل في بعض القضايا الإشكالية إلى اشتعال حرب إلكترونية صاخبة بالحذف وتهديدات الحظر والتبليغ وكافة الأسلحة الإلكترونية المتاحة، بما في ذلك قصف الجبهات عبر الرسائل الخاصة..

وبعد كل هذا يبقى النهار في أوله، لا ندري كيف سننفق ما تبقى منه، في ظل منع التجول وتوقف الأعمال والملل من كل شيء.. أدام الله لنا مواقع تحميل الكتب الإلكترونية مجاناً، بعد فقدنا لمكتباتنا الورقية في هذا المنفى..ولنشكر من كل قلبنا نعمة وجود اليوتيوب ونتفلكس.

*من كتاب "زمان الوصل"
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي