أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

تركيا على مفترق طرق*

دبابة تركية في ريف حلب - أرشيف

عند أكثر المتفائلين بالدور التركي في سوريا، تتملّكهم الريبة أحايين كثيرة في انتهاج الحكومة التركية المساعي الدبلوماسية والمفاوضات السياسية، وبالمقابل تستمر الانتهاكات وعمليات القصف والتهجير التي يمارسها النظام ومليشياته الشيعية ومن خلفهم روسيا، قبل وأثناء وبعد التوصل لاتفاق مع الجانب الروسي الحليف الأقوى للنظام السوري، هذا المسلسل لازال تكراره يفاقم في الأزمة الإنسانية لأكثر من أربعة ملايين سوري يعانون كل أنواع القهر، ويجربون كل أنواع الموت، يعتصرهم الألم وبلداتهم وقراهم التي ارتوت بدماء السوريين حين تحريرها، وفي سنوات صمودهم فيها، وعلى أعقاب طردهم تسقط بيد النظام السوري أمام أرتال تركية كبيرة تدخل الحدود السورية ونقاط مراقبة تحاصر وتستهدف في مشهد يجعل الحليم حيرانا.

بداية لا بدّ أن نتفق على نقاط ليتبيّن لنا المشهد، ولنتوصل إلى الصورة والسيناريو الأقرب للواقع.

أولاً : تركيا القوة الثانية بعد الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي، الحلف الذي يمر بأسوأ أحواله بعد أزمته الأولى والمبكرة في انسحاب فرنسا سنة 1958 في عهد الرئيس شارل ديغول احتجاجاً على الدور الأميركي القوي وما اعتبره تحالفاً مثيراً بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، واليوم شبيه بالأمس من خلال انسحاب إنكلترا من الاتحاد الأوروبي، والشعور العام لدى الأوروبيين بأن الولايات المتحدة تحاول التهرب من التزاماتها والتصرف كدولة عظمى منفردة عن شركائها..ويدرك الأتراك تماماً مدى الخيبة التي باتوا يستشعرون خطرها المتمثلة في إدارة حلف الناتو ظهره لتركيا ضد التهديدات التي تطال أمنها القومي على الحدود التركية السورية والحدود التركية العراقية في مواجهة حزب العمال الكردستاني، ونظام الأسد والمليشيات التابعة له بدعم روسي غير محدود، وأيضا التنظيمات الإرهابية الراديكالية من داعش سابقا وخلايا داعش وتنظيمات إرهابية تحت مسميات أخرى في مخالفة صريحة للميثاق الخامس من مواثيق الحلف، بل وإدانة البعض لنبع السلام التي قام بها الجيش التركي في مواجهة حزب العمال الكردستاني من بينها ألمانيا وبريطانيا، رغم الأهمية الاستراتيجية لتركيا في حلف الناتو كما أشار "ينس ستولتنبرغ" الأمين العام لحلف الناتو وتأكيده بأن تركيا هي الدولة الأكثر تعرضاً للهجمات الإرهابية.

تركيا التي لعبت دوراً مهماً في مواجهة الاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، ودورها الكبير في أفغانستان ويوغوسلافيا، باتت تشعر بأن ظهرها مكشوف في حال تورطت بأي حرب.

ثانيا ً – العلاقات الروسية التركية تأطّرت ضمن مصالح الطرفين، وهذه العلاقة في غاية الأهمية والحساسية معاً، فمن جهة أن هذه العلاقة لم تبن على توافق كما يُظن، فتاريخياً علاقة البلدين قائمة على النديّة والمشاحنات والمواجهات ليس في مواجهة تركيا وحسب إنما بمواجهة حلف الناتو ككل الذي يرى في روسيا والاتحاد السوفييتي سابقا ونظامه الشيوعي خطراً على الديمقراطية الأوروبية، وتهديداً له حساباته وتجاربه الطويلة في تغيير الأنظمة والانقلابات ومحاربة الثورات في مواجهة الاستبداد والدكتاتورية، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يذكر الأوروبيين بالخطر السوفييتي السابق بمناسبات عديدة وأهمها استيلاء مسلحين بملابس عسكرية روسية على البرلمان والمطارات في شبه جزيرة القرم، وتنظيمه استفتاء في 16/ 3/2014 أعلن فيه استقلال شبه الجزيرة عن أوكرانيا وانضمامها لروسيا في خطوة رفضها الغرب وأحجم عن الاعتراف بالوضع الجديد مكتفين بالعقوبات الاقتصادية على روسيا، والامتعاض من التدخل المباشر في سوريا مع نظام الأسد في مواجهة الثورة السورية والمواجهة اكتفت بحدودها الدنيا المتمثلة برفض دعم إعادة الإعمار في سوريا حتى انتهاء الأزمة السورية بالحل السياسي وإسقاط نظام بشار الأسد، وتركيا الأكثر استهدافاً لأهمية شبه جزيرة القرم تاريخيا ومعنوياً لارتباطها بالدولة العثمانية ثم احتلالها من روسيا القيصرية سنة 1738، ثم ممارسة التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي لسكان الجزيرة المسلمين من التتار والأتراك لدى ترحيلهم بأعداد كبيرة لادعاء ستالين بتعاونهم مع النازيين ليصبحوا أقلية في وقتنا الراهن لا يتجاوز الـ 15 بالمئة، وتقهقر الدور التركي في سوريا بدءاً من التخلي العربي عن دعم الثورة السورية والمشاركة الروسية بجيشها وعتادها إلى جانب قوات الأسد وإيران في مواجهة قوات المعارضة بجبهاتها المنقسمة والمتصارعة داخل الجبهة الواحدة في الأهداف والمرجعية وتفاصيل كثيرة لا تخفى آثارها الكارثية على الشعب السوري المحاصر.

ومن جهة أخرى تمثلت باستغلال روسيا التولي الأميركي وانكفائهم كفرصة ذهبية نحو بناء علاقات تجارية واقتصادية وعسكرية مع الدولة التركية، يحتاجها الطرفان ولن يتخليا عنها بسهولة، وهذا لا يعني مطلقاً الطلاق التركي الأوروبي والتركي الأميركي فهذه مسألة تحالف طويل وأبعاد استراتيجية محسومة، لكنها منعطفات السياسة ما جعلت من روسيا الند الشريك، وهذا ما يبرر سيرورة العلاقات الاقتصادية والتجارية بالرغم من وجود خلافات كثيرة يحاول الطرفان التخفيف من وطأتها بعد كل حادثة.

ثالثاً: لا تملك تركيا شرعية تواجدها في سوريا إلا من خلال اتفاق "أضنة" الموقع بين الجانبين التركي والسوري عام 1998، الاتفاق الذي يضمن لتركيا حق التوغل في الحدود السورية لمسافة خمسة كيلو مترات لملاحقة الإرهابيين ومن يهدد حدودها وأمنها القومي، أتاح الاتفاق لاحقاً علاقات استراتيجية ومميزة بين الطرفين استمرّت حتى اندلاع الثورة السورية وإعلان الأتراك وقوفهم إلى جانب الثورة السورية في وجه نظام الأسد. ثم ممارسة العمل الدبلوماسي والسياسي لتحقيق قدر أكبر من المكاسب والذي يتيح منطقة آمنة للسوريين مرّ بمطبات كثيرة حتى تحقق جزءٌ منه في درع الفرات وعملية غصن الزيتون ونبع السلام شمال شرق سوريا، وأيضا محادثات أستانة واتفاق سوتشي باعتبار الجمهورية التركية والاتحاد الروسي الضامنين للالتزام بوقف إطلاق النار، واعتماد مذكرة إقامة خفض التصعيد داخل سوريا بهدف تحقيق استقرار الأوضاع داخل منطقة خفض التصعيد.

وهذا ما أتاح للأتراك زيادة وتحصين نقاط المراقبة، وتحقيق بند إقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15 – 20 كيلو متر داخل منطقة خفض التصعيد.

ثمّة سيناريوهات محتملة بعيداً عن ردود الفعل ومنطق البيع والخيانة، بعد الخروقات المتواصلة وانتهاءً بالهجمة الشرسة التي شنها النظام وميليشياته على ريفي إدلب الجنوبي والشرقي، وريفي حلب الجنوبي والغربي، بدأت باستهداف المرافق العامة والمشافي والشجر والحجر والبشر مسببة حشوداً كبيرةً من النزوح نحو الشمال والحدود التركية مفترشين الأرض في ظروف إنسانية صعبة هرباً من الموت، ومن الوحوش التي لم تسلم منها حتى الجثث في قبورها. الحرب قادمة لا محالة، لأن جميع السيناريوهات التي تصورها المحللون والناشطون والشارع السوري كنت لأقبل بها قبل جملة التصريحات التركية على أعلى المستويات، أطلقها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والخارجية التركية ووزيرا خارجيته ودفاعه مقترنة بدخول أرتال وصفت بالكبيرة من الجنود والعتاد والآليات إلى الداخل المحرر، وإطلاق التحذير التركي إلى ما قبل نهاية شباط 2020 حتى تنسحب قوات النظام ومليشياته إلى ما وراء حدود سوتشي المتفق عليها وإلّا ستتخذ الحكومة التركية كل الإجراءات المحتملة لتحقيق هذا الأمر.

المهلة لها أهميتها سياسياً وميدانياً، لحشد الرأي العام، ومحاولة كسب التأييد الأميركي الحقيقي وما فوق التصريحات والتطمينات المعتادة، ثمّ وهو الأهم والأسلم بأن تفهم روسيا بأن التصريحات التركية جديّة وبطريقها للتطبيق علّها تذعن لهذه المطالب، وتأمر نظام الأسد بالانسحاب وفرض اتفاق جديد يضمن تطبيق سوتشي. الثمن غالٍ جدا ولا شك، لكن طلاب الحق لا تنفدُ فرصهم، لعلّ بارقة الأمل تعود لمحيّا المقهورين، ومن يستحق الحياة والسلام.

*محمد الحموي كيلاني - إعلامي سوري
(28)    هل أعجبتك المقالة (23)

د. أيمن خالد

2020-03-01

تحليل ورؤية رائعة.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي