أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الإعلام السوري خلف قناع دراما رمضان: لا يكذب ولكنه يتجّمل

ربما كان أكثر ما يميز الخطاب الإعلامي السوري في موسم رمضان التلفزيوني هذه الأيام، هي نبرة التفاخر الشديد بإنجازات الدراما السورية ونجاحاتها التي بدت في مرآة هذا الإعلام المفطور على حب المبالغة واجترار المدائح مثل (أغنية الشيطان) التي لا تنتهي... فهي تطل برأسها من كل برامج التلفزيون السوري الباقية على خارطة البث في شهر رمضان.. وتجتر نفس العبارات المعادة عن الإنجازات الخارقة، والجهود الإعجازية، وعن السوق العربية والعالمية المفتوحة على مصراعيها أمام الدراما السورية، وعن اكتساحها لمعظم المحطات العربية، وعن تحولها إلى وجبة رئيسية على موائد معظم المحطات، واستئثارها باهتمام الشارع العربي من المحيط إلى الخليج!
نسمع هذا الكلام في البرنامج اليومي (ضيفة وضيوف) في فترة الإفطار على القناة الأولى في التلفزيون السوري، مثلما كنا نسمعه قبل حلول الشهر الكريم بأسابيع في (مجلة التلفزيون) التي هي أبلغ نموذج اليوم على البرنامج التلفزيوني المصاب بالهزال والشحوب وفقر الدم، مثلما نتابعه أيضاً في برنامج (سباق المسلسلات) الذي يقدمه التلفزيون السوري في موسم رمضان الحالي للعام الثاني على التوالي، وتوزع فيه الجوائز لاحقاً برعاية صاحب معمل (علكة)... حيث صار التغني بأمجاد الدراما السورية من أصحاب معامل العلكة أيضاً، وليس جهابذة الإعلام الرسمي فقط، على اعتبار أن بعض المسلسلات يمتلك نفس مفعول (العلك) أو (اللبان) في تمضية الوقت جزافاً!


يترافق هذا الخطاب مع الإعلان الرسمي لافتتاح قناة (سورية دراما) في العشرين من شهر آب (أغسطس) الجاري... في حفل ساهر ملأته الكلمات الخطابية المتباهية بالإنجازات أيضاً، الأمر الذي دفع بعض الحضور إلى الانسحاب من الحفل ضجراً ومللاً كما أخبرني بعض المنسحبين... ومع أن حفل الافتتاح لم يكن أكثر من حفل عشاء للسيد وزير الإعلام ومدعويه، إلى جانب نخبة من فناني الدراما الذين غنوا كممثلين، ومثلوا كمطربين... أي أن الحفل لم يمتلك قيمة فنية خاصة؛ فإن قناة (سورية دراما) لم تجد حرجاً من إجراء استطلاعات جماهيرية في اليوم التالي وما تلاه لتسأل السادة المشاهدين إن كانوا قد تابعوا حفل افتتاح القناة وكأنه حفل توزيع جوائز الأوسكار... متناسين أن مثل هذه الحفلات لا تحمل أي بهجة للجمهور أمام كلمات التزلف السياسي التي يبرع المسؤولون في نثرها بسخاء، وأمام ثرثرة المباهاة بالإنجازات على موائد العشاء، من دون أي مراعاة لجمهور المشاهدين الذي لم يعد مضطراً لأن يرزح تحت رحمة هذه القناة أو تلك بوجود جهاز التحكم في يده!


وبالعودة إلى مشكلة الخطاب الإعلامي السوري الذي لم يعد لديه ما يتباهى به سوى الدراما التلفزيونية، في ظل فقر البرامج، وفشل التغطية الإخبارية الأمينة لوقائع الحياة اليومية لمشاهدين ممنوع عليهم أن يروا صورتهم في إعلام بلدهم، وفي ظل فضائح إيقاف بعض البرامج ومعاقبة معديها، والتقاعس عن النهوض بالأغنية السورية ودعمها ورعايتها، وموت المسرح، وانهيار سوية أفلام مؤسسة السينما التي صارت معها سمعة السينما السورية، التي كانت تمثلها بإنجازات محدودة كماً، في خبر كان... فإن هذا الاحتفاء الترويجي المضجر بالدراما التلفزيونية، سوف لن يؤدي بهذه الدراما إلا خطوات إلى الوراء... لأن غياب الرؤية النقدية يجعل أي فن يركن إلى إنجازاته ولا يرى عثراته، وبالتالي فهو لن يستطيع الإضافة إلى الإنجازات ولا تجاوز هذه العثرات بل سيراوح في المكان، ولن يتقدم أي خطوة إلى الأمام... ناهيك عن أن هذا الاحتفاء المبالغ به، هو احتفاء بدراما القطاع الخاص التي ليس لوزارة الإعلام والتلفزيون السوري أي مساهمة فيها سوى إخضاعها للرقابة قبل وبعد التصوير، بينما ما ينتجه التلفزيون السوري من أعمال درامية يثير الشفقة على صعيدي الكم والنوع معاً!


وهكذا فإذا كان كل هذا الخطاب التهويلي بنجاح الدراما السورية الذي يستفحل هذه الأيام، هدفه في الأساس التغطية على الفشل الذريع الذي يعيشه الإعلام السوري في مختلف جوانب نشاطاته، بدل السعي للنهوض ودعم الجوانب الأخرى الهامة... فإن من الضروري الاعتراف أن الإعلام ليس دراما ومسلسلات وحسب مهما بلغ شأن الإبداع فيها، وما هي إلا أسابيع قليلة سينتهي بعدها رمضان، ويعود الإعلام السوري إلى الظهور بصورته الحقيقية البائسة أمام مشاهديه، بعيداً عن قناع دراما رمضان البراق... الذي لا يكذب فيه الإعلام السوري لأنه لم تعد لديه الفرصة لذلك بالتأكيد من كثرة ما مارس الكذب حتى على ذاته... لكنه فقط يسعى لأن يتجمّل ما أمكنه ذلك!
أما بالنسبة للدراما السورية، فنحن نعتز بها وبما بلغته بالتأكيد، لكن اعتزازنا بها يأخذ منحى الصدق مع صناعها، فهي بحاجة على الدوام إلى خطاب نقدي يغربل إنجازاتها... فيفرز الغث من الثمين، ويفضح التراجع إن وجد، والتشابه إن حدث، والتكرار إن طغى وبغى... وهذا الخطاب لا ينطلق من رؤية معادية لما يقدمه العاملون في هذه الدراما، بل من حالة حوار وسجال ومواجهة وحرص على ألا يغرنا الثناء ولا تفتل رؤوسنا المدائح الغبية، فنقع في فخ، سبق أن وقع فيه من كانوا أعرق منا في هذه الصناعة!

ممثلو دراما رمضان: تشابه أم تناقض؟!

مشكلة تكرار الممثلين وتشابه أجواء شخصياتهم أو تناقضها تفرض نفسها في الدراما الرمضانية السورية منذ سنوات... وهي تتفاقم عاماً بعد عام رغم كل ما أطلق من نداءات للحد منها، إلا أن هذه النداءات تبدو في النهاية (مجرد كلام) لأن هذه الأدوار ليست سوى (سبوبة) بالنسبة للممثلين، مهما تحدثوا عن دقة الاختيار وعن تشددهم المزعوم في رفض النصوص التي لا تعجبهم والأدوار التي لا تضيف إليهم شيئاً!
في موسم رمضان الحالي يظهر الممثل سليم كلاس مريضاً ومنهكاً وطريح الفراش في دور أبي خاطر في الجزء الرابع من (باب الحارة) ويظهر في دور أبي شريف مريضاً وطريح الفراش أيضاً في الجزء الثاني من (بيت جدي) فيبدو التشابه مربكاً للمشاهد ومدعاة للخلط غير المستحب بين العملين... أما الممثل علاء قاسم فيظهر في الجزء الثاني من (بيت جدي) شاباً وطنياً وشهماً، بينما نراه في (باب الحارة) وهو يعمل مع الفرنسيين ويقاتل مع جيش الاحتلال... فيبدو هذا التناقض مربكاً لمن أحبه هنا أو كرهه هناك!

(ضيفة وضيوف): اسم ولادي وإشراف أقل من عادي!

لا يختلف برنامج (ضيفة وضيوف) الذي يقدمه التلفزيون السوري يومياً في فترة الإفطار بتقديم الفنانة شكران مرتجى، عن البرامج السابقة من برامج رمضان الموسمية التي دأبت إدارة التلفزيون على تقديمها... ومن الطبيعي جداً ألا يختلف مادامت السيدة سهير سرميني مديرة القناة الأولى مستمرة في وضع بصمتها الإشرافية على هذا البرنامج الركيك، الذي لم تستطع في أي عام من الأعوام، أن تصنعه بأفضل حال حتى عندما كانت مجرد مخرجة للبرنامج، قبل أن يفتح لها منصب مديرة القناة الأولى (طاقة القدر) فتجعل من برامج التلفزيون ساحة لإظهار قلة خبرتها في الإشراف الحقيقي، القائم على جهد إبداعي ومساهمة فاعلة، وليس على تسلط إداري مدعوم من جهات لا تعرف تقاليد الإعلام الحقيقي!
أما الممثلة شكران مرتجى فهي لا تظهر في هذا البرنامج بحال أفضل من حال مذيعات التلفزيون السوري... فهي مثلهم مذيعة مجاملات ومدائح تسفح تحت قدمي كل الضيوف بلا تمييز، مع ميل غير مفهوم من شكران لإكساء نبرتها في التقديم بنبرة تعليمية وكأنها آنسة تخاطب طلاب مدرسة ابتدائية... وربما هذا بوحي من اسم البرنامج الولادي (ضيفة وضيوف).. وهو اسم لعبة محاكاة لعالم الكبار يعرفها الأطفال جيداً!
قلة الحرفة في الإعداد والإخراج جعلت فقرة (شركاء عالبال) التي تستحضر ذكرى نجوم الفن الراحلين، تأخذ طابعاً ميلودرامياً بكائياً عبر موسيقى الناي الحزين، والتقديم المتوجس من ذكر الأموات على مائدة رمضان... في حين يمكن لهذه الفقرة أن تأخذ طابعاً احتفالياً حياً، فيها حديث مركز عن انجازات وخصوصية ونكهة زمان وفرح وذكرى... لا طابع زيارة مقبرة تحت جنح الظلام!

قناة الدنيا: تطوير ببرامج مستنسخة!

تحول برنامج (مطبخ النجوم) الذي سبق لقناة (إم. بي. سي) أن قدمته في دورة برامجية سابقة، إلى برنامج (من الموجود جود) على قناة (الدنيا) السورية الخاصة.
البرنامج في صورته الأصلية والمسروقة ليس ذا قيمة في الأساس... فهو يستضيف نجوم الفن في دردشة سريعة أثناء تحضير كل فريق منهم لطبخة من الطبخات في الأستوديو...
ورغم محاولة مقدمه الممثل اللبناني (طارق تميم) إشاعة جو من المرح والخفة والبهرجة اللبنانية القائمة على صيحات الدهشة والإعجاب حتى حين يتحدث الفنان عن اسم مخرج يعمل معه، أو عمل قيد التصوير... فإن ذلك لم يضف تميزاً تحسد عليه القناة، بقدر ما سعى لمحاكاة الأصل في أحسن الأحوال!
ومن المؤسف أنه إذا كانت عقلية التطوير والتجديد في قناة (الدنيا) قائمة على سرقة برامج من محطات شهيرة، بحذافيرها وبدون أي شعور بالخجل أو الحرج من مشاهدين لديهم ذاكرة وطبق استقبال يشاهدون عبره ما تقدمه محطات فضائية أخرى، فإننا نأمل أن يسرقوا برامج تستحق التقليد، ولا تكون مضروبة وسخيفة في الأساس!

القدس العربي

محمد منصور
(2)    هل أعجبتك المقالة (4)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي