أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

فعلاً، لماذا عمّ الحزن بموت قابوس... عدنان عبدالرزاق*

السلطان قابوس وعبر نصف قرن من الحكم، لم يرفع الشعارات العريضة ويدعو لموت أمريكا أو فناء إسرائيل

منذ أمد طويل، لم يتفق العرب وينكسوا الأعلام، حداداً على موت رئيس أو زعيم عربي، كما اتفقوا بالأمس، بعد وفاة سلطان عمان قابوس بن سعيد، عن ثمانين عاماً، وبعد حكمه لنصف قرن إثر انقلابه على أبيه عام 1970.

فجامعة العربية أعلنت عن تنكيس علمها لثلاثة أيام "حزناً على فقيد الأمة" ومصر والأردن وقطر والكويت والإمارات والبحرين ولبنان، أعلنت الحداد. وتقدم رؤساء وزعماء تلك الدول، ببيانات نعي وحزن، وأكد معظمهم، بما فيهم حديث العهد على الرئاسة، التونسي قيس سعيّد على الذهاب للسلطنة وتقديم التعازي بالفقيد قابوس.

كما لاقى موت السلطان الراحل، نعياً دولياً، تعدى زعماء وفنانين ومشاهير عربا وعالميين، ليصل إلى "إسرائيل" التي عبر رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، عن خالص التعازي بوفاة سلطان عمان قابوس بن سعيد، وعبر عن أمله بتعزيز الاستقرار في المنطقة في ظل حكم خلفه السلطان هيثم بن طارق.

ما يطرح السؤال، لماذا كل هذا الإجماع بزمن الخلاف حتى على المسلمات؟!

ربما، أو على الأرجح، أن السياسة التي اعتمدها قابوس إلى جانب عمه طارق بن تيمور بداية حكمه، المتمحورة حول التطور ورفاهية المواطن وسيادة القانون، هي السبب الأهم، بزيادة شعبية السلطان الراحل، فمن يراجع واقع السلطنة منذ تولي قابوس الحكم، وعلى الصعد جميعها، سيفاجأ بما آلت إليه اليوم، من نسبة نمو ودخل الفرد وتطور السياحة والعمران.

خاصة، إذا ما قورنت بجوارها العربي، الذي لم ينشغل، اللهم إن انشغل، سوى بالبنيان والسعي وراء الأرقام القياسية وموسوعة غينس، فأسس لدول من اسمنت وكرتون، تتداعى أمام أي طارئ أو تبدل بالتحالفات.

بيد أن الشق الثاني من السؤال يكمن في، حزن شعب عمان مشروع ومبرر، وربما واجب، على قائد نقلهم، من إلى، ولكن كيف يمكن تبرير حزن الدول العربية، وخاصة تلك التي تدعي، بالعلن على الأقل، عداءها لإسرائيل، وقابوس كان على علاقة واضحة وعلانية مع إسرائيل، بل وكان عراب علاقاتها ومشروعاتها، بما يسمى "سياسة الحياد الإيجابي".

هنا، محاولة الإجابة على هذا السؤال، تدخل بالممنوع ربما، إذ لا يمكن القول برضى من حزن وعزى ونكس العلم، عن علاقة قابوس بإسرائيل وإيران، فهاتان الدولتان، محتلتان دولا عربية أو أجزاء وجزرا، وهما العدوتان اللتان يتاجر بعدائهما والتوازن الاستراتيجي معهما، معظم الحكام العرب، فيجوعون شعوبهم كرمى مقارعة إسرائيل ويستأثرون بالسلطات لمواجهة المشروع الفارسي التوسعي.

ربما، أو على الأرجح، سئم الجميع من الخطابات والمتاجرة بعداء إسرائيل، في حين، تتكشف الخبايا عن علاقات سرية وتبادل منافع، بل وتسليم حكام تل أبيب ثروات المنطقة.

فما أكدته الأحداث في سورية على سبيل المثال، وهي أكثر المتاجرين بعداء إسرائيل، أن تل أبيب من رعت نظام الأسد، منذ الأب، ولم يتبادلا إطلاق النار منذ خمسين سنة..ولم يخف رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد العلاقة عبر قوله ومنذ مطلع ثورة السوريين "أمن سورية من أمن إسرائيل" كما بادلته تل أبيب الاعتراف، بحرصها على نظام الأسد لأنه أكثر من يحقق مصالحها.

ولعل ما يفعله الـ"محمدان" ابن زايد وبن سلمان، خاصة بعد وصول المحمد الثالث "دحلان" للإمارات، تعدى تراكم سني علاقة عمان بإسرائيل، والتي على الأقل، لم تحدث خرقاً وأذى خارج حدود السلطنة ولم تؤسس لأدنى عداء مع أحد، كما أسس المحمدات الثلاثة، منذ أعوام قليلة.

خلاصة القول أمران: الأول أن السلطان قابوس وعبر نصف قرن من الحكم، لم يرفع الشعارات العريضة ويدعو لموت أمريكا أو فناء إسرائيل وإيران، بل أعلن عن علاقة طيبة مع الأضداد، منطلقاً من الداخل ورفاهية شعبه والانفتاح على الجميع.

وأما الأمر الآخر، فهو التعاطي مع الثورة التي طاولت السلطنة ضمن موجة الربيع العربي، فبعد التعامل القمعي، عاودت عمان لرشدها بتحقيق مطالب المحتجين، فأجرت تعديلات وزارية ونحّت مسؤولين من أقرباء السلطان وزادت الأجور وفرص العمل، بعد أن وسّعت سلطات المجلس الاستشاري بمحاولة لنشر الديمقراطية وسيادة القانون.

وهي، هكذا إجراءات، مختصر مطالب الشباب بالربيع العربي، ليبقى الاستفهام الوحيد، حول علاقات السلطنة والسلطان الراحل وحتى المقبل، مع الكيان الإسرائيلي.

*من كتاب "زمان الوصل"
(52)    هل أعجبتك المقالة (54)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي