أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

مختارات من "حافة الشغف" لمحمود السرساوي باليونانية والإنكليزية

ثقــــافة | 2019-11-12 09:29:04
مختارات من "حافة الشغف" لمحمود السرساوي باليونانية والإنكليزية
زمان الوصل
بدأت بصمة الشاعر محمود السرساوي تتعمّق، بعد أن ذهب الشعر إلى الصمت في سيلانه، لكأنما هو مبتغاه وغوايته الأبدية، إذ لا جغرافيا للإبداع ولا حدود للموهبة والجمال، فبعد الصدى الواسع للنسخة الإنكليزية من كتاب مختارات من "حافة الشغف" للسرساوي، صدرت أخيراً، عن دار "يوريا" الشهيرة في اثينا النسخة اليونانية، ترجمة من البرفسور ِA بيانوتي وتقديم البرفسور رينوس بابا دوبولس وشهادات لكل من البرفسور جورج رودوسينثوس والناقدة والصحفية كفاح جهجاه واستاذ اللغة اليونانية انستاتس ووزيرة العمل والاتصالات القبرصية فاسيلكي وعمدة ستروفلوس اندرياس.

حمل "محمود السرساوي" الشاعر الفلسطيني السوري- كما يفضل أن تلقبه- هواجسه الشعرية والإنسانية، خلال تغريبته الأخيرة لقبرص قبل أربعة أعوام، ليؤسس الملتقى الإبداعي العربي الأوروبي الأول قبل عامين، ويبث وغيره من الشعراء العرب والأوروبيين، عبر وجع الكلمة وصدى المنابر، ما راكمته الغربة فيهم، من حنين ورعشات:
"لمن يا عود تأخذنا وتوجعنا أيائل موجك المجنون خلف خطاك
تلاعبنا وتتعبنا وتكسر في الندى قمرين من لهف
على رعش أصابعنا وراء صداك
لمن تصطف أنجمنا وتلهو حيرة الكلمات
في ينبوع معناها
لتكشف عن مفاتنها أمام نداك".

ليسرق تصميم "السرساوي" وجودة صنعته الشعرية الضوء في مغتربه، وتنقل دار "يوريا" في أثينا، عبر ترجمة الناقدة "كفاح جهجاه"، بعض نصوصه إلى اللغة الإنكليزية، ضمن "مختارات من حافة الشغف"، ويقدّم للكتاب البروفسور البريطاني وأستاذ الصوتيات في جامعة ويلز جورج رودوسثينوس: "يحتشد شعر محمود السرساوي بتعدد الأصوات والألوان (لون الحزن.. لون الجفاف.. لون الحبيب) في تجربة حسية تمزج أصوات الكمنجات بالغيوم والبحر. وفي نبرته سياسة يتزاوج الدم فيها مع ظل الحرب وتوق كل إنسان للنوم في هدوء وسلام".

ويشير الناقد البريطاني إلى أن كتابات السرساوي تنطوي على الألم، ألم الافتقاد العميق والإصرار على تغيير الوضع الراهن، حتى لتغدو أعماله استراتيجية لتحسين رؤية الذات للحياة في ضوء جديد.

ويختم رودوسثينوس: "يكتب السرساوي حول الخطايا والخوف والنقاء بطريقة شخصية مؤثرة. ويرسم الصمت والوحدة بقوة، وهو يقرن الكآبة بالغروب، ثم يمنحهما صوتا هو صوت التمرد.

"يحتشد شعر محمود السرساوي بتعدد الأصوات والألوان (لون الحزن.. لون الجفاف.. لون الحبيب) في تجربة حسية تمزج أصوات الكمنجات بالغيوم والبحر" وشدة التحمل والمرونة في آن".

وتضمن كتاب "السرساوي" اثني عشر نصا من مجموعة "حافة الشغف" إضافة لنصوص كتبها الشاعر أثناء إقامته في قبرص، معتبراً أنه ليس هناك قديم وجديد في الشعر، وأن الشعر المُفارق جماليا هو الشعر الحي باستمرار.

وتابع: "أنظر إلى شعر ريتسوس ومحمود درويش والماغوط، على سبيل المثال وليس الحصر، ستجد أنهم في حضور أشد أحيانا مما يكتبه أغلب الشعراء الأحياء، والأهم هنا هو حضور الشعر العربي باللغة الأخرى، فالشعر العالي مجازا بترجمة حارة تتناغم مع روح الشاعر تترك انطباعا قويا لدى القارئ الآخر فليست كل كتابة شعرية قابلة للنجاح في اختبار الترجمة، والنص الرديء بالعربية يظل رديئا في أي لغة أخرى، وإنك تعرف من خلال الاهتمام الذي حظي به الكتاب واحتضانه بأكثر من ترجمة أنك تمضي إلى الأمام".

وحول أثر ما تعانيه دول المنطقة العربية من مخاضات على تحريض الشاعر على التأريخ شعرياً، يضيف السرساوي: لم تنته مخاضات المنطقة عموما وسورية منها بشكل خاص بعد كما أرى، برغم ذلك يمكن القول بما يدعو للأسى والأسف معا إن هذه التراجيديا المتواصلة لم تواكبها كتابة يمكن اعتبارها علامات جمالية في السياق الإبداعي.

ويشير "السرساوي" إلى أن الأسى يأتي من غياب الثقافة المضادة إن صحت التسمية، ويجيء الأسف من هبوط سوية النصوص المواكبة لتحولات المنطقة، فباستثناءات قليلة لا تتجاوز أصابع اليد هناك إعادة إنتاج لكتابة مأزومة وجاهزة مع اختلاف الدلالات والمقاصد لم تتخلص بعد من براثن الاستبداد وسطوة الخوف وهيمنة السائد والمعلن والمعطى سلفا، والكتابة المجتهدة واللافتة فعلا قليلة جدا ولا تشكل مدخلا وافيا لقراءة نقدية حقيقية، وربما أن ضخامة ما جرى ويجري أثقل الأرواح بما لا تحتمل وأصاب الوعي الشقي في صدمة جارحة.

الشعر برأي "السرساوي" يذهب إلى الصمت في سيلانه، لكأنما هو مبتغاه وغوايته الأبدية، يجهد في اختبار حواسه، محاولا اصطياد المسكوت والمضمر واللامتعين في هشاشة الموجودات حوله، وهذا السعي الدائب هو امتلاء بالداخل، ووعي لمحيطه، وإحاطة للسحر البعيد فيه، حيث الممكن يتجلى في انفصال الواقع واتصاله، فلحظة الكتابة في توثبها، وقدرتها على الجمع بين الداخل والخارج، الحضور والغياب، الثمالة والصحو، الوجود ووجوبه، لحظة كشف بسيطة صعبة، ظاهرة وعميقة في آن.

ولا يتحدد الكشف فيما يقوله الشاعر وحسب، بل أيضا بسؤال كيف يُخلّص اليومي من ابتذاله، والحسي من ثقله، والفكري من سلطة المفهوم فيه، والتاريخي من هيمنة التاريخ.

إنه فعل تحرر دائم وتأسيس في الوجود كما في الكلام، ولا يمكن التأسيس في إعادة إنتاج المنجز.

"يشير السرساوي إلى أن الأسى يأتي من غياب الثقافة المضادة إن صحت التسمية، ويجيء الأسف من هبوط سوية النصوص المواكبة لتحولات المنطقة".

والوافر والمعطى من الكلام وتصوراته المتحققة، بل هو بالدرجة الأولى حالة كشف وتأسيس وإعادة صياغة الموجودات وفق منظور جمالي محمول بالرؤية والرؤيا، يتطلب ضمن ما يتطلب حساسية إبداعية مغايرة للسائد والمكتسب والموروث.

والشعر، كما يختم "السرساوي"، ورغم اختلاف اللغة، يعبر الحواجز جميعها مؤكدا على جماليته وقدرته على استقصاء أرواحنا وأمكنتنا وأوقاتنا كلحظة مكثفة لجهات أحلامنا أنَّى كنا.

و"محمود السرساوي": عضو اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين منذ عام 1985. صدر له: تنهدات الجفاف، شعر؛ بقايا الروح، شعر، حافة الشغف، شعر، الصوت والصمت في شعر محمود درويش، دراسة نقدية.

أول مجموعة كانت عام 1983. نال درع اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين عام 2010 عن مجمل إبداعاته ونشاطه الثقافي. يعمل في الصحافة منذ عام 1988. أسس الملتقى الإبداعي العربي الأوروبي الأول في العاصمة اليونانية أثينا قبل عامين.

من كتابه المنتظر "سيرة عشب يستيقظ"
حاولي مرة أخرى
لا شيء يمكنه النسيان
حتى النقطة التي وقفت مشدوهة بأصفادها بعد جملتك
كانت تبحث عن لمستي
هل تنظرين إلى أصابعك..
هل رأيت الملائكة المبتسمين في سعير موجاتها
كلهم أرادوا إفهامك أن هذا الطوفان صوتي
حتى المعصية وهي تحاصر ضحكتك
قالت خذني إلى البركان
حاولي مرة أخرى
الحديقة لي
الوردة الواثبة على فكرة السياج
رائحة الأعشاب الصاعدة مع هبوب الأرواح
التراب... الحصى... والعطر.. هل قلت العطر
هذا ما ينثره الساحر
عندما يعثر على يده التي سرقتها البئر
في العرض السابع على الخشبة
ومن "حالة الشغف"
الرائعة ابنة السحب المكتظة بحليب الجمر
جنون كمنجات على خصر النار
توثب جداول موسيقا في وله الحبق
الرائعة
بالشعر الشارد في نهم الطوفان
الشاهد على فجرين يطلعان من شتاء قديم
بأغصانه المدلاة على وجع العواطف
بأوراق فضتها الشاهقة
بالورد الأعزل حين يعود إلى غده
الرائعة بسمائين صغيرتين
تستدرجان صمت المعابد
تتلوان وصية الينابيع
وتهمسان في براكين أعوام خامدة
ما تيسر من آهات جارحة
تدور بها الأرض
يا للأرض من شفتين جارفتين في رعشة الزلزال
الرائعة بلحظتها
ذهب مرورها اللماح
دقته على باب الشروق
انتباه عسله في الطرقات
من قال الكتابة استبدال طبع الحواس
تشكيل أحلام في سطور
ونظرة واحدة منها
نظرة فقط كافية لاكتشاف أبجديتنا الأولى الرائعة.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
"ضرب البوكس" يعود.. على أبواب المؤسسات الاستهلاكية      منظمة حقوقية تتخوف من تنفيذ عمليات إعدام تعسفية بحق معتقلين من سجن السويداء      "تحت أشجار الزيتون"..مجموعة قصصية تتناول تغريبة السوريين في مخيمات النزوح      صاحب عبارة "معارضة الكلب" ممنوع نهائيا على ساحات "فيبسبوك"      الأسد يمتص الغضب في "سلحب" بتغيير قائد شرطة حماة      إثر حادث مروري.. "تحرير الشام" تعتقل الناشط "علي المعري"      الثانية خلال 24 ساعة.. مفخخة في "رأس العين" تقتل وتجرح 5 أشخاص      مظاهرة في ريف دير الزور احتجاجا على ارتفاع أسعار المحروقات