أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الكتابة لما بعد الحروب.. مزن مرشد*

أرشيف

 لماذا نكتب؟ ولماذا من المهم أن ندخل إلى تفاصيل المأساة السورية من باب الأدب أيضاً؟ فالكتابةُ أولاً وأخيراً، هي حالة فيض من المشاعر وتفريغ لها، سواء كانت مشاعر حب أو ألم.

هي حالة تجسيد للواقع أو التحايل عليه، وربما الهروب منه أحيانًا. وأحياناً، حالة تعبيرية ترسم للآخر -القارئ- خارطة روح.. خارطة تجربة وخارطة حياة..في الكتّابة تنعتق الروح من أقفالها، تنطلق في عالمها الخاص، تفيض بما في داخلها، ترسم بالكلمات لوحات الحنين والشوق، لوحات الألم والأمل، العزلة والهجر، الفرح والحزن.

تجارب ومشاعر وتراكم كمي معرفي وفكري وعاطفي يسكب على الورق، ليكون حالة من الانصهار بين الكاتب وما يكتبه، بين ما يكبته وما يعلنه، لتعلن القصة أو القصيدة أو حتى المقال، ولادة كائن رمزي مخلوق من حروف، لا يشبه سواه بل يشبه ما بداخل كاتبه.

لم يكن وضع المرأة المبدعة أو إبداع المرأة مريحًا في مجتمعاتنا العربية، لا في فترات الحروب ولا في أوقات الرخاء أو السلام. كانت المرأة -دائمًا- ذلك المتهم البريء الذي لم تثبت براءته يومًا، فهُمشت وحوربت وأُبعدت قسرًا عن ساحات الثقافة والإبداع.

ولم يكن الرجل الشرقي أو المثقف الشرقي -مهما بلغ من سمو المرتبة الأدبيّة- منافسًا شريفًا قط، بل كان -دائمًا- ينظر إلى نفسه بعين الفخر وإلى الكاتبة المرأة بعين الاستعلاء، أو ربما الكبرياء. فالذكورية بقيت هي الأولى في حسابات الوسط الثقافي والأدبي العربي.

من هنا كان على النساء المشتغلات بالأدب والثقافة والكتابة، خوض حروب لا حربًا واحدة، وعلى أكثر من مستوى، وأكثر من جبهة، فكانت في مواجهة البيئة المحيطة التي ما تزال تضع المرأة بمرتبة أقل من الرجل، مهما بلغت من إنجاز وعلى جبهة إثبات الذات في محيط عدائي بالمجمل، وحدها تقف وسط مرمى نيران الجميع، فكان عليها أن تقدم أدبًا مختلفًا متخطية حواجز البيئة والتقاليد والمحرمات أحيانًا.

وجبهة أخرى من نوع آخر، تمثلت باتحادات الكتّاب أو المشتغلين بالمهنة، وهي اتحادات مسيطر عليها ذكوريًا من جهة ومن جهة أخرى هي سلطوية تتبع للسلطة شكلًا ومضمونًا، وتسعى لمحاباة أُولي الأمر، ما يجعل المرأة غير المتحابة مع السلطة بعيدة كل البعد عن هذه الأجساد شبه النقابية، ومحط حروب لأعضائها دون أن تدري، لتدخل ثورات الربيع العربي التي أطلقت لجام الإبداع للجميع.

فلم تعد مفاهيم الموروث الاجتماعي وقيوده محط اهتمام في ظل تغيير كلي في أبجديات الحياة اليومية وفي بحر من الدماء طافت فوقه البلاد خاصة سوريا، فبات الإبداع النسوي ضرورة ملحة لمحاولة تجسيد ما تعانيه النساء وما يقع على كاهل المرأة خصوصًا من تبعات الموت والتشرد والتهجير والاعتقال. أعتقد أن المرأة السورية بخاصة، حملت وجع الحرب ووجع الثورة ووجع القمع، حتى بات الأدب هو القناة الأولى والوحيدة القادرة على التعبير الدقيق لما عانته وتعانيه، ولا أقدر على وصف روح المرأة إلا امرأة أخرى.

ومما زاد الطين بلة، وأعادنا إلى دائرة ما قبل القمع السّياسيّ والاجتماعي، هو ظهور الحركات الإسلامية المتطرفة التي تعدّ المرأة بحد ذاتها عارًا، وتنظر لإبداعها من منطق الحرام.

هنا أصبح أمام المرأة حرب جديدة وغير متكافئة هذه المرة، ففي حين تستطيع مجابهة الجاهل أو الأمي أو الذكوري أو السلطوي أو السلة نفسها، فإنك لا تستطع أن تجابه مؤمن مقتنع بأنه على حق.

في الحرب السورية اليوم يأتي دور الكتابة في الكشف والتركيز والاستمرار بالفضح والتكرار، ليكون الأدب، الأرشيف الحقيقي للتفاصيل، تفاصيل جروح البشر وعذاباتهم، التفاصيل التي قد يتناساها الإعلام، ولا يستطيع تاريخ أن يدونها، فتأتي الكتابة كمؤرخ ليوميات وتفاصيل ومشاعر وأحزان، لن يكون أصدق من الأدب على وصفها، عندها سيكون هذا الأدب وهذه الكتابة سجلاً توثيقياً -كتوثيق حياة- لكل ما أغفله المؤرخ ... سيكون مرجعاً لجيل ما بعد الخلاص.

*من كتاب "زمان الوصل"
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي