أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

نجيب محفوظ في تكية عثمانية

ثقــــافة | 2019-08-20 13:00:30
نجيب محفوظ في تكية عثمانية
   محفوظ هو أكثر أديب عربي تحولت كتاباته إلى أعمال سينمائية وتلفزيونية.
الاناضول

وكأنما لم تمر السنوات هنا، فلا يزال "الحرافيش" و"الأفندية" مفردات لوحة هذه القطعة من فسيفساء القاهرة، وهم أبطال الملاحم المحفوظية شديدو الشبه بأحفادهم، الذين يحيون ذلك التاريخ في متحف.

لم يتغير المشهد كثيرًا داخل زُقاقٍ ملتوٍ ناحية الجامع الأزهر، وسط العاصمة المصرية؛ فالناس على حالهم كأنهم امتداد لأبطال الأزمنة الفائتة في روايات الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ (1911- 2006).

هنا ينصهر الناس في كيان واحد، فيبدون كـ"فتوات" في "ملحمة الحرافيش" أو "أفندية" في "خان الخليلي" أو متمردات كـ"حميدة" في "زُقاق المدق"، وجميعها روايات لمحفوظ، الحائز على جائزة نوبل في الأدب، عام 1988.

بين دهاليز حي الأزهر التاريخي، تغوص الحكايات المنسية للحارة المصرية، بكل ما فيها من مفردات، مثل التكية والمقهى والفتوات والمجاذيب، والتي عاصر محفوظ طورها الأخير، في عالم مفعم بالحياة بكل ما فيه من تجارب إنسانية.

وكما كانت الحارات والتكايا مصدر إلهام في معظم روايات محفوظ، اتخذت وزارة الثقافة المصرية من تكية "محمد أبو الدهب"، التي تعود إلى العصر العثماني، مقرًا لمتحف نجيب محفوظ، داخل زقاق ضيق يتكئ على سور الجامع الأزهر.

** ملحمة محفوظية

مطلاً على معالم في القاهرة التاريخية، اُفتتح المتحف منتصف يوليو/تموز الماضي، بعد 13 عامًا من وفاة محفوظ، على مساحة 1600 متر، في حدث وصفته وزيرة الثقافة، إيناس عبد الدايم، بـ"العالمي".

بدأ العمل على تأسيس المتحف عام 2016. ووفق مشاهدات مراسل الأناضول وبيانات وزارة الثقافة، يتكون من طابقين بألوان تمايزت بين الأزرق الفاتح والداكن، الأول به قاعات للندوات، ومكتبات سمعية وبصرية وعامة ونقدية، تضم أهم الأبحاث والدراسات عن أعمال محفوظ.

أما الثاني فيضم جناحًا للأوسمة والشهادات التي نالها، بجانب متعلقات شخصية مع أوراق بخط يده، وقاعة المؤلفات، التي تضم جميع أعماله.

كما توجد قاعة للسينما وقاعات أخرى، تحمل أسماء: الحارة، ورثاء، وأحلام الرحيل، وأصداء السيرة، وتجليات ونوبل.

** في رحاب التكايا

يعود تاريخ إنشاء تكية "محمد أبو الدهب"، حيث يوجد المتحف، إلى عام 1703، وهي أهم تكايا العصر العثماني في مصر (1517-1867) وأكثرها تكاملًا.

تقع التكية ضمن مجموعة أبو الدهب، وهي ثاني أهم مجموعة معمارية أثرية، بعد مجموعة السلطان الغوري القريبة منها.

وارتبطت التكايا في نشأتها بمصر بالحكم العثماني، وهي نموذج للعمارة الخيرية العثمانية، لاستقبال وعلاج المرضى وخدمة الفقراء.

وللتكايا رمزية خاصة في أدب محفوظ، حيث اعتبر في لقاء تلفزيوني أنها "رمز للقيم الروحية".

أما الحارة فكان يعتبرها "مكان أكبر من واقعها كرمز للدنيا ولبلاده وللبشرية".

فكانت الحارة برمزيتها الدنيوية، والتكية برمزيتها الدينية، ملجأ لغالبية أبطال رواياته.

** في حي الجمالية

ولد نجيب محفوظ في 11 ديسمبر/كانون أول 1911، وقضى طفولته ومراهقته في حي الجمالية بقلب القاهرة التاريخية.

وغرس المكان في محفوظ تفاصيل الحارة المصرية، وساهم في تكوين شخصيته وفكره وخياله، وفيها دارت أحداث أهم رواياته، وهي: الثلاثية (بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية).

وأطلق عليه والده اسم نجيب محفوظ تيمنًا وتقديرًا لطبيب يحمل الاسم ذاته، أنقذ حياة الأديب قبل أن تبدأ، وفق المدون على أحد جدران المتحف عن نشأة وميلاد محفوظ.

التحق محفوظ بالجامعة ودرس الفلسفة، وعمل بالكتابة والأدب في ربيعه الـ17، وتدرج في وظائف حكومية.

وشهد أحداث ثورة 1919 ضد الاحتلال الإنجليزي التي أثرت فيه، ونقلت إليه معاني المقاومة ومعركة الهوية، فكانت تلك الثورة جزءًا من بعض رواياته، مثل "بين القصرين".

وفي نهاية أربعينيات القرن الماضي، انضم محفوظ إلى مجموعة أصدقاء عُرفت بـ"الحرافيش"، وكانوا يجتمعون أسبوعيًا، إما في منزل أحدهم أو في إحدى المقاهي؛ للتسامر وتبادل الآراء والأخبار.

والحرافيش كلمة كانت تعني حتى نهاية العصر العثماني الطبقات الشعبية، خصوصًا الحرفيين، وقيل إن المقصود بها "من لا مأوى لهم".

وكانت المجموعة تضم مشاهير، بينهم الممثل أحمد مظهر، الذي أطلق تسمية الحرافيش على تلك المجموعة، والكاتب على أحمد باكثير، والشاعر صلاح جاهين.

وكتب محفوظ، عام 1977، "ملحمة الحرافيش"، ورغم أنها تحمل اسم المجموعة، إلا أن الرواية لم تركز عليهم، بل على مفهوم القوة والسلطة، وتناولتها السينما والتلفزيون في أعمال بينها: "شهد الملكة" و"الحرافيش" و"التوت والنبوت".

ومحفوظ هو أكثر أديب عربي تحولت كتاباته إلى أعمال سينمائية وتلفزيونية.

وفي 1994، تعرض محفوظ لمحاولة اغتيال، حيث تربص به شابان أمام منزله بحي العجوزة (غرب القاهرة)، وطعنه أحدهما في عنقه.

وكان الشخصان ينتميان، حسب ما هو مدون بالمتحف، إلى جماعات متطرفة رافضة لأفكاره وكتاباته، التي أثار بعضها الجدل، خاصة رواية "أولاد حارتنا".

ومنذ صدورها مُنعت "أولاد حارتنا" من النشر في مصر؛ بدعوى تناولها الذات الإلهية، قبل أن تُنشر أواخر 2006.

وبعد قضائه نحو شهرين في مستشفى، ترك الهجوم أثرًا جعل محفوظ مقيد الحركة، كما أثر على يده وقدرته على الكتابة بشكل طبيعي، دون أن يؤثر ذلك على عطائه الأدبي الذي تواصل إلى أن وافته المنية في 30 أغسطس/ آب 2006 عن حوالي 94 عامًا.

** جوائز عديدة

خلال سنوات إبداعه الأدبي، حصل محفوظ على جوائز مصرية وعالمية عديدة، أبرزها "وسام الجمهورية" عام 1972، وجائزة "قلادة النيل العظمى" عام 1988، وهي أعلى الجوائز التقديرية بمصر.

وعالميًا، توج عطائه، عام 1988، بأرفع الجوائز، وهي جائزة نوبل في الأدب، التي كانت سببًا في ترجمة وانتشار أعماله عالميًا.

كما حصل محفوظ، الأديب العربي الوحيد الحائز على جائز نوبل، على جوائز تقديرية أخرى من بريطانيا والمكسيك وتشيلي.

وفي تعريفه لنفسه عقب حصوله على جائزة نوبل، قال محفوظ: "أنا ابن حضارتين تزوجتا في عصر من عصور التاريخ زواجًا موفقًا، أولهما عمرها سبعة آلاف سنة، وهي الحضارة الفرعونية، وثانيهما عمرها ألف وأربعمائة سنة، وهي الحضارة الإسلامية".

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
خلافات بين ميليشيات إيران وروسيا في دير الزور تنذر بنشوب الحرب      صعود أسعار النفط انتظارا لبيانات إيجابية بشأن محادثات التجارة      الأسد يلاحق أصحاب التسويات في "جيرود" ويعتقل من تواصل مع "الشمال السوري"      تحت التعذيب.. مقتل أحد قادة التسويات في درعا في سجون الأسد      "ممالك النار" يبدأ الهجوم على تركيا      اللاذقية.. روسيا تعترف بخسارتها أمام فصائل الثوار      فصائل المقاومة تصد هجوما للميليشيات الإيرانية بريف حلب      المتظاهرون يعيدون إغلاق ميناء "أم قصر" العراقي