أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

حانة العراة... مزن مرشد*

مزن مرشد | 2019-07-28 02:21:20
حانة العراة... مزن مرشد*
   صورة تعبيرية
مزن مرشد
  "قبل العودة بقليل"
*معارضة وكاتبة سورية - من كتاب "زمان الوصل"
المكان غريب، لا أذكر كيف وصلت إلى هنا.

غرفة فندق بائسة، نظرت ملياً في أركانها لكني لم أستطع أن أتذكر ما هذا المكان ولماذا أنا هنا؟

تثاقلت في حمل جسدي على النهوض، جلست على حافة السرير، صدمت بمنظر قدمي، لا اعرفهما ولا أتذكر أنني رأيتهما من قبل.
تسارعت نبضات قلبي، كيف لا أعرف شكل قدماي وكيف أنسى لماذا وُجِدتُ في هذه الغرفة ومن أنا أصلاً؟

فجوة في ذاكرتي محت من رأسي كل ما يتعلق بهذا الواقع. أجبرت نفسي على النهوض، مسرعة توجهت إلى المغسلة المجاورة لباب الغرفة وقفت أمام مرآتها ونظرت ملياً، المفاجأة كانت أقوى مني، ارتعدت، تراجعت بخطوات سريعة للخلف مع شهقة قطعت أنفاسي،عدت ببطء إلى المرآة نظرت من جديد تلمست وجهي بأصابعي تأكدت أن ما أراه هو أنا فعلاً، أنا التي لا أذكر أنني رأيتها من قبل.

في الزاوية الأخرى من الغرفة ثمة كرسي خشبي عتيق عليه كومة مبعثرة من الثياب على ما يبدو هي ثيابي وعلى ما يبدو أيضا أنني خلعتها على عجل ورميتها بلا ترتيب، وأيضا لا أذكر شيئاً عنها،كانت عبارة عن بنطال لدي أسود أعتقد بأنني لم اقته في حياتي وليس من عادتي اقتناء الملابس الجلدية فقد كنت دائما من أنصار الحياة الطبيعية والمحافظة على النوع.

المهم حشرت جسدي بذلك البنطال الجلدي الضيق وارتديت القميص الفضي المعلق في ظهر الكرسي ذاتها، وحذاء قد يكون أقبح حذاء رأيته في حياتي، ما استغربته حقاً أن هذه الثياب جميعها كانت تناسب مقاسي تماما.

لم تهدأ موجة الاستهجان المسيطرة علي، كان كل همي أن أخرج من هذه الغرفة إلى الشارع وأعرف أين أنا وكيف وصلت إلى هنا.
نزلت سريعا، كدت أقع على الدرج الضيق المفضي إلى ما يجب أن يكون بهو الفندق.

بحثت عن موظف الاستقبال كنت أريد أن أرمم ما فقدته من ذاكرتي، أن أسأله عن اسم المنطقة، واسم الفندق، ومتى وصلت إلى هنا، وكيف أخذت الغرفة عندهم والسؤال الأهم ما هو اسمي المدون في سجل الاستقبال، أكاد أموت كي أتذكر اسمي لكنني لم أجد أحدا، خرجت من الفندق مسرعة، لفحني هواء ساخن جاف وبهرني ضوء النه، بدا الشارع أشبه بزقاق هارب من أفلام الغرب القديمة، كل الأبنية خشبية قديمة، تشعر لوهلة أنك ستسمع أنين عذاباتها وهي واقفة وقفتها الأبدية في هذا الحر، واجهات المحال بلا أسماء، نوافذ الأبنية مغلقة لا تشي بأية حياة هنا، شعرت بالوحدة، بالضياع، والخوف أين أنا؟ ماهذا المكان؟ ومن أكون؟ وقفت ساهمة أدور حول نفسي عندما سمعت صوت ثرثرة أشبه بضجة حانة، أصوات غير مفهومة لأحاديث متداخلة، أنصّتُ أكثر، تبعتُ الصوت، ولحقته، كان الصوت دليلي والخوف حافزي والحر الذي بدأ يأكل رأسي جعلني أسرع الخطى، في نهاية الشارع كان ثمة حانة، لا تشبه أي حانة عرفتها من قبل كانت أشبه بغرفة كبيرة لا أبواب ولا نوافذ ولا سقف، مجرد جدران منتصبة وسط مساحة رملية واسعة وفي داخلها الكثير من الناس.

لم أميز هيئاتهم، كانوا كل مجموعة منهم لا تتجاوز الخمسة أشخاص يتحلقون حول ما يشبه الطاولة الحديدية المهترئة، أرجلها رفيعة عالية والصدأ على أطرافها، كلهم يمسكون بكؤوس مليئة بسائل أحمر، والكؤوس كلها مكسورة الحواف.

دخلت مسرعة كمن وصل أخيرا إلى وجهته مندفعة نحو آخر الحانة حيث وقف النادل الوحيد فيها خلف طاولة خشبية طويلة غير واضحة الملامح مجرد لوح خشبي منخور ومهشم... خلفه اصطفت الكؤوس المكسورة على الرفوف الخشبية القديمة، النادل بدا مندهشا من دخولي المفاجئ وكأنه لا ينتظر أي زائر إضافي، أو أنه يعرفني ويستغرب حضوري، لم أفهم نظرته تلك لكني فجأة تنبهت وعرفت السبب.

الساقي كان عاريا تماماً لكن جسده بلا ملامح، حتى وجهه، بلا ملامح أيضا، مجرد عينين حياديتين، خط في منتصف الوجه من المفترض أنه الأنف، وفم بشفاه رقيقة لا تكاد تُرى. نظرت حولي، تنبهت لكل من في الحانة، كانوا جميعاً عراة، ولا ملامح لأجسادهم، ولجميعهم وجوه حيادية تشبه وجه النادل.

أجسادهم العارية التي لا ملامح لها كانت مليئة بالكدمات، لجميعهم أجساد ملونة ببقع زرقاء وبنفسجية، بعضهم كانت كدماتهم تنزف، وآخرون كان القيح يخرج منها، لكنني لم أشعر أن كدماتهم تسبب لهم أي إزعاج أو حتى تؤلمهم، كانوا يتبادلون الأحاديث بمودة، وانسجام غريب بينهم وبين المكان.

المكان ذاته الذي وجدت نفسي غريبة فيه، ولم أعرف من أنا.

دخولي فقط هو من قطع على الجميع جلساتهم وجعل الصمت سيدا في هذه الخربة التي تشبه الحانة، كنت الوحيدة التي أرتدي ملابس، والوحيدة التي يحمل وجهي ملامح واضحة رغم أني لم أعرفها، والوحيدة بينهم التي لا أحمل الكدمات على جسدي.

بعد صمت ثقيل لبرهة خلتها دهرا، سمعت سؤالا موجهاً إلي، لم أستطع أن أميز من الذي يسألني: لماذا أتيت الى هنا؟ قلت له: لا أدري فأنا تائهة... قال الصوت: مكانك ليس معنا يا هذه.

قلت: ساعدني أرجوك أريد أن أعرف من أنا، وأين أنا؟

مازلت لا أميز من الذي يخاطبني، كنت أبحث في تلك الوجوه التي لا تشبه الوجوه، علني ألتقط حركة شفاه واحدة تشي بمحدثي، لكن كل الوجوه كانت واحدة، واجمة، وصامتة. ارتفع الصوت مخاطبا من جديد: نحن من قضينا تحت التعذيب ننتظر إخوتنا هنا، وأنت ندبة جديدة لجسد شاب وصلت قبله، وهو لم يمت بعد.
Nasser
2019-07-28
رائعة

2019-07-28
مزن مرشد ابداعك أنك ترسمين المشهد بالكلمات رأيت غرفتك وبنطالك الجلدي وقميصك الفضي ووجوه محدثيك التي بدون ملامح حتى أني سمعت الذي خاطبك. انت إبداع بلا حدود
التعليقات (2)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
صور... الضرائب والحرائق تشعل لبنان بالمظاهرات      واشنطن تعلن وقف العملية العسكرية التركية في سوريا      ترامب "يغرد" شاكرا أردوغان: الأخبار عظيمة قادمة من تركيا      أبناء الاغتصاب في البوسنة يستخدمون الفن لرفع صوتهم      عشرات الآلاف يشاركون في ماراثون بنيودلهي إحدى أكثر مدن العالم تلوثا      سامسونج تعد بحل مشكلة التعرف على البصمة في Galaxy S 10      "الوطني" يتقدم في "رأس العين" ووضع "قسد" هو الأسوأ      مقتل 6 عناصر من "الجيش الوطني" وجرح آخرين في هجوم لـ"قسد" شمالي حلب