أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عادل أبو شنب: يا زمان الوصل في... دمشق الزمن الجميل

الشاب العشريني الذي كان يذيع قصصه القصيرة من إذاعة دمشق، في منتصف خمسينيات القرن المنصرم، وجد نفسه فجأة في بلاط صاحبة الجلالة.

استمع يحيى الشهابي، مدير الإذاعة حينذاك، إلى بعض قصص الشاب، فاتصل به، ورشحه للعمل في صحيفة «صوت الشعب» لصاحبها عادل قزيها. لم يكن هذا الشاب سوى عادل أبو شنب الذي سرعان ما لمع اسمه، وصار واحداً من أعلام الصحافة السورية المستقلّة. المفاجأة التي كانت في انتظاره أنه لم يجد محرراً واحداً في الصحيفة، فكان عليه أن يحررها كاملة ويكتب افتتاحية العدد.
خلال فترة قصيرة، تنقّل عادل أبو شنب بين أكثر من صحيفة («الجمهور»، و«الشام»، و«العلم»...)، وإذا به يتعرّف إلى المطبخ الصحافي عن كثب، بما فيه أسرار الطباعة. يقول متذكراً تلك الأيام: «بانتهاء حقبة الديكتاتور أديب الشيشكلي، شهدت الصحافة السورية ازدهاراً كبيراً، حتى جاء جمال عبد الناصر، زمن الوحدة السورية المصرية، وأغلق الصحف الخاصة. حينها دخلت الصحافة السورية في نفق مظلم، لم تخرج منه إلى اليوم، بعدما تحوّل الصحافي إلى مجرد موظف».
لن يصدّق المرء بسهولة، أن دمشق الخمسينيات، كانت تُصدر نحو 20 صحيفة يومية، و3 صحف مسائية، في فضاء من الحرية، لم يعد متاحاً اليوم بالمعايير نفسها. كانت تلك الصحافة تدخل كواليس السياسة في مانشيتات ساخنة وأفكار جريئة، وأعمدة نارية. «أين محمد الماغوط، ونصوح بابيل، ونجيب الريس، وحبيب كحالة، وآخرون؟» يتساءل أبو شنب بأسى، قبل أن يقول: «الصحافة لا تعيش في ظلّ قوانين رقابية صارمة وقوالب جامدة، ووجهة نظر واحدة. التعددية في الأفكار هي البوصلة الصحيحة إلى عقل القارئ». هكذا غرُبت شمس الصحافة السورية المستقلة، على يد عبد الناصر، لتستيقظ دمشق عشية الوحدة المنتظرة، على صحيفة يومية واحدة هي «الوحدة».
بعد إطلاق هذه الصحيفة، استدعي عادل أبو شنب لإدارة القسم الثقافي فيها، وعندما وقع الانفصال بين سوريا ومصر، أُغلقت «الوحدة»، وتفرّق شمل صحافييها... وكان نصيب صاحب «عالم ولكنه صغير» (1956) الاعتقال بتهمة الشيوعية. «كنتُ عضواً في رابطة الكتاب السوريين، وأراد عبد الناصر أن يوجّه رسالةً إلى الاتحاد السوفياتي، فنكّل بنا جميعاً، رغم أنني لم أكن شيوعياً في يوم من الأيّام».
في أوائل الستينيات، سيلتقي أبو شنب الكاتب زكريا تامر في وزارة الثقافة التي كان يديرها عبد السلام العجيلي، وسيعملان معاً في «مديرية التأليف والترجمة»، قبل أن يعود مرةً أخرى إلى الصحافة مع تأسيس صحيفة «الثورة» إثر تسلّم «حزب البعث» السلطة.

 إلا أنه سرعان ما اختلف مع وزير الإعلام حينذاك سليمان الخش، ليجد قرار تسريحه ينتظره في اليوم التالي.
في عام 1968، أسس عادل أبو شنب مجلة «أسامة»، وهي أول مجلة سوريّة للأطفال، تصدرها «وزارة الثقافة»، واستمر يعمل عليها حتّى عام 1973، إلى أن دُعي للمساهمة في تأسيس صحيفة حكومية جديدة هي «تشرين». أدار الثقافة والمنوعات فيها، فاشترط على الإدارة أن يستضيف محمد الماغوط وزكريا تامر في عمود يومي بالتناوب بينهما، تحت عنوان «عزف منفرد»، على ألا تتدخل إدارة التحرير رقابياً بما يكتبان. هكذا سارت الأمور على ما يرام لسنة كاملة، إلى أن كتب زكريا تامر زاويةً ساخرة عن زوجة شاه إيران الأخيرة، أدّت إلى غضب السفارة الإيرانية في دمشق، فما كان من وزير الإعلام أحمد اسكندر أحمد إلا أن أوقف زكريا تامر عن الكتابة. إثر هذه الواقعة، قدّم عادل أبو شنب استقالته من الصحيفة احتجاجاً على القرار، لينهي حقبةً طويلة من حياته في الصحافة السورية في صعودها وهبوطها. «اليوم لا أقرأ سوى العناوين، أما افتتاحيات الصحف فأراها مجرد صف حكي».
لا يمكن اختزال شخصية عادل أبو شنب في مرآة واحدة.

الرجل «موشور» حكايا وذكريات ومواقف. هو ليس أحد رواد الصحافة الثقافية السورية وحسب، بل كتب القصة والرواية والدراسات التوثيقية. كذلك كان أول من حاول تأصيل المسرح العربي، في كتابه اللافت «مسرح عربي قديم ــــ كراكوز» (1964). هذا الكتاب أثار ضجة كبرى، بعدما سطا على محتوياته علي عقلة عرسان في كتابه «الظواهر المسرحية عند العرب»، من دون أن يشير إلى مرجعه الأصلي.
اشتغل أبو شنب على الفولكلور الدمشقي أيضاً، في أكثر من كتاب، لعل أهمّها «دمشق أيام زمان» (1970) الذي صدر في ثلاث طبعات متلاحقة. أمّا روايته الأخيرة «ذكر السلحفاة» («دار الخيال»/ 2005)، فقد رصدت بدقة وجرأة المراحل الساخنة التي عصفت بسوريا خلال حقبتي الخمسينيات والستينيات، في ظل الانقلابات العسكرية المتلاحقة، وذلك من موقع الشاهد الذي عاش الأحداث عن كثب.
وربما علينا ألا ننسى أن صاحب «الآس الجميل» (1979)، كان من أوائل كتاب الدراما التلفزيونية في سوريا. لن تغيب عن ذاكرة السوريين، أيام تلفزيون الأبيض والأسود، أحداث مسلسله «حارة القصر» (1970). خلال فترة عرضه، كانت الشوارع تخلو من المارة لمشاهدة وقائع جديدة، كانوا ينتظرونها بشوق. إضافة إلى أعمال أخرى مثل «هذا الرجل في خطر»، و«حارة الملح»، «وضّاح اليمن».


قد يستغرب بعضهم أن عادل أبو شنب، الدمشقي إلى الصميم، ينتمي في أصوله إلى أب حجازي وأم دمشقية، لكنه لم ير والده يوماً. الأب الذي كان يعمل مطوّفاً في مكة، أتى دمشق أوائل الثلاثينيات راغباً بالزواج من دمشقية... وكان نصيب تلك الزوجة الدمشقيّة أن تعيش معه عشرين يوماً فقط، لتعود بعدها إلى دمشق ولا تغادرها أبداً. نشأته في حي القيمرية في دمشق القديمة، لا تزال تلهب ذاكرته بوقائع لا تنسى، نجدها مبثوثة في كتبه ويومياته وذكرياته.
اليوم يستعين عادل أبو شنب بعكاز في مشواره الصباحي اليومي إلى «قهوة الروضة» في وسط دمشق، بصحبة «أصدقاء من الزمن الجميل»، كما يقول. أما بقية يومه فيقضيه في القراءة والكتابة، ونبش أوراقه القديمة عن رحلات جاب خلالها معظم أصقاع العالم، ودوّن ذكرياته عنها في كتب عدّة. لم يبتعد عادل أبو شنب عن مطارح الطفولة، وها هو ينجز أخيراً كتاباً يضم ستين قصة للأطفال بعنوان «حلم جديد»، كذلك فإنه يضع اللمسات الأخيرة على قصص ضاحكة، تحمل عنوان «مجنون يكتب وعاقل يقرأ»، لعلها تختزل مسيرته في الكتابة.

خليل صويلح
(90)    هل أعجبتك المقالة (87)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي