أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

نجحت العملية ومات المريض.. !! ولكن:الأخطاء الطبية.. لاتعريف لها سوى الخطأ!!

عندما دخل (علي .ل) إلى غرفة العمليات، كان يضع يده على قلبه، خشية ألا يخرج من العملية حياً، رغم أنَّ عمليات تبديل الشرايين (أو زراعة صمام) أصبحت، مع تطور الطب وتقنياته، عملا جراحياً روتينياً منخفض الخطورة.. وعندما خرج من غرفة العمليات، وبعد أسبوع من إجراء العملية، كان ظنّه في محله، فقد توقف قلبه نتيجة ما بات يسمى بـالخطأ الطبي»، الذي أسهمت في حدوثه عدة عوامل،  بدءاً بجهل الطبيب وإهماله متابعةَ حالة مريضه بعد الجراحة، مروراً بسوء غرفة العناية غير المعقمة بشكل جيد، ليكون «رفع التنبيب» قبل أوانه عن الرجل الثلاثيني هو الشعرة التي قصمت «قلبه».
(علي) وغيره كثيرون من مرضى القلب وربما الزائدة، أصبحوا مجرد أرقام على قائمة لم يتمّ الاتفاق بعد على إحداثها، لتكون بمثابة سجلّ لحالات المتوفين نتيجة أخطاء طبية، ولتسجّل الحادثة في كلّ مرة «ضدّ مجهول».


الخطأ الطبي تحوَّل اليوم ليصبح السبب الثالث للوفيات في بلد كبريطانيا.. ومع غياب أيّ إحصاءات، رسمية أو غير رسمية، عن هذا الموضوع، قد يكون هو السبب الأول للوفيات في سورية.


 الخروج عن النظام


يقول نقيب الأطباء الدكتور أحمد القاسم: «لا يوجد تعريفٌ محدَّد للخطأ الطبي حتى الآن، لكن المتعارف عليه أنه الخروج عن النظام المتفق عليه في مدارس الطب».
لا يوجد إحصاء لأعداد وفيات الأخطاء الطبية في سورية، ولكن النسبة العالمية المسموح بها لحدوث الاختلاطات الطبية يجب ألا تتجاوز 30 %، كما أنه لا توجد إحصائية توضح أين تحصل الأخطاء الطبية أكثر في المستشفيات العامة أم في الخاصة، لكن نقيب الأطباء يقول: «بما أن المستشفيات العامة تقدّم خدمة مجانية وتستقبل أعداداً هائلة من المرضى في الحالات الطارئة والمتقدمة، فمن الطبيعي بالتالي أن تكون نسبة الوفيات أكبر، وبالتالي نسبة المتوفين بأخطاء طبية أعلى». ومن جهة أخرى، ينفي القاسم ربط ارتفاع نسبة الوفيات في المستشفيات العامة عن نظيرتها الخاصة، بوجود طلاب الطب المتدربين، معتبراً أنهم يتدربون تحت إشراف أطباء اختصاصيين، وهؤلاء هم الذين يتحمَّلون مسؤولية أيّ خطأ.

 لا قوانين في الطب


من جهته يقول أستاذ جراحة القلب في جامعة دمشق الدكتور طلال فارس: «بعيداً عن الأخطاء الناجمة عن إهمال وجهل الطبيب، لا يوجد في الطب قانون، وكلّ عمل طبي مشهود له عالمياً بوجود مجموعة اختلاطات. لكن المشكلة أنَّ المريض يريد نجاح العمل الجراحي أو الإجراء الطبي مئة بالمئة، وما يحدث عادةً هو أنَّ الطبيب يصارح مريضه بكل الاحتمالات الممكنة قبل إجراء العملية له، والمريض يسمع كل ذلك. ولكن، ومع وقوع المحظور، ينسى كلّ الكلام وينقلب الطبيب في نظره إلى شيطان رجيم؛ فعندما نقول للمريض إن نسبة الخطورة هي 5 % ونسبة نجاح العملية 95 %، ينظر إلى الـ95 % وينسى الـ5 % التي حذَّر منها الطبيب. وهذا يعني أنَّ هناك عدم وعي لمفهوم الإحصاء». 

عن سابق جهل وإهمال


إذا كان الاتفاق قد تمَّ على نسبة عالمية معينة هي المسموح ضمنها وجود الخطأ الطبي، فإنَّ ما يزيد على هذه النسبة سيقع حتما ضمن غير المسموح وغير المبرر، وهو ما يبدو واضحا في قصة ماروشكا حسن (20 سنة) المريضة التي لم يقتصر الخطأ الذي تعرَّضت له على الاختلاط أو الإهمال، فقد مرَّت بمجموعة من الأخطاء المتعاقبة التي كادت تودي بحياتها بعد عملية قيصرية أجرتها في مستشفى يافا الخاص بتاريخ 6 /7 /2007، حيث حقنها الطبيب بإبرة تحريض وهي في بداية الشهر التاسع من الحمل، وقام بالعملية القيصرية رغم عدم وجود بوادر طلق، ثم تمَّ تخريجها في اليوم التالي قبل تنفيس الغازات.. لتبدأ رحلة ماروشكا مع الألم لمدة ستة أشهر بين مستشفى يافا ومستشفى المواساة. وتعاقبت الأخطاء الطبية، عندما قامت بعدة صور (طبقي محوري وإيكو) ولم يكتشف أيٌّ من الأطباء الذين عاينوا الصور الشعاعية أمراً غريباً، ومن بينهم الطبيب الذي أجرى لها العملية.

ولكن بعد ستة أشهر، أجرت صورة أخرى لمنطقة الحوض في مستشفى تشرين، ليظهر وجود جسم غريب أسفل البطن (مكان العملية القيصرية) تبيَّن بعد شقّ البطن أنه شاشة طبية سبَّبت العديد من الاختلاطات وشكلت «سائلا حراً» وصل إلى الرئة، وناثور (ثقب في الأمعاء)، وقال لها عدة أطباء: إنَّ هناك احتمالا لحدوث عقم. معاناتها استمرَّت بعد نزع الشاشة، حيث تقدَّمت بشكوى إلى نقابة الأطباء. وبالفعل أدانت الرقابة الداخلية الطبيب الذي نفَّذ العملية، ثم توقفت القضية بعد وصولها إلى هيئة الرقابة والتفتيش، وجاء ردّ شفهي بأنَّ هناك مرسوماً للعفو عن الأطباء.
ماروشكا ليست الوحيدة التي دفعت ثمن الأخطاء الطبية، فهناك (و.ن) الذي أجريت له عملية جراحية كانت عبارة عن توصيل الأمعاء ببعضها، حيث خرج من العملية بكامل وزنه.. وما أن مضى على العملية خمسة عشر يوماً حتى خسر نحو 35 كيلو، وذلك لعدم مرور الغذاء في الطريق الهضمي الصحيح. وجاءت نتيجة الشكوى هذه المرة لمصلتحه، حيث أقرَّ القضاء، وعلى ضوء تقرير اللجنة، التعويض للمريض من قبل الجراح، رغم اسمه المعروف في مجال اختصاصه.

تشابك محتمل


يعلّق الدكتور بشار النحاس (الاختصاصي في الجراحة البولية والكلية) على الموضوع، بقوله: «لابدَّ من لفت الانتباه إلى التشابك المحتمل حصوله بين الخطأ والإهمال والاختلاط العلاجي»، مركزاً على ضرورة اختيار المرضى للطبيب المناسب وأهمية متابعة العلاج، حيث تقع على الطبيب أيضاً مسؤولية اختيار العملية المناسبة للمريض والكادر الطبي المساعد الذي سيرافقه في إجراء العملية ويشكّل معه الفريق الذي سيتصدَّى للعملية.

ويؤكد النحاس الدور الذي يلعبه الطبيب في شرح العملية للمريض، والاختلاطات التي يمكن أن تحصل، ونسبة حدوثها، بكل واقعية دون أيّ تكتم أو مداراة لشعور المريض.. وفي حال حدوث أيّ اختلاط يستدعي زميلا له أكثر خبرة في مجال هذا الاختلاط، ويراجع عمله الجراحي؛ فالأطباء بشر في النهاية ويمكن أن يخطئوا.


 رصد الأخطاء


بدوره أحمد القاسم (نقيب الأطباء) يتحدَّث عن إجراءات أكثر ديمومة وفعالية، فالنقابة تحاول دائماً إيجاد آلية لرصد الأخطاء الطبية، وذلك بإقامة سجل وطني للأخطاء الطبية وتصنيفها. وتفرض النقابة استمارة إلزامية على العمل الجراحي، حيث يقوم المخدر بملء الاستمارة، ويكتب الجرّاح ما يحصل خلال العمل الجراحي من أجل توثيق مجريات العملية. ويضيف القاسم: «النقابة تقيم ورشات عمل على هامش المؤتمرات بهدف التدريب العملي على المهارات والاستخدام الفعال للأجهزة الحديثة التي تسهل التشخيص والعلاج وتوفر الوقت والتكلفة».

Image نماذج من لحم ودم


يقول الطبيب فارس: «أنا من الناس الذين كانوا في لجنة خبرة في يوم من الأيام، وقد توفي طفل على يد أحد طلابي الذين حذَّرتهم من إجراء عمليات قلب للأطفال، حيث حصلت معه 5 اختلاطات أثناء العملية.. وكان تقريري يشرح أنَّ هذا الطبيب لو حصل معه أثناء العملية اختلاط واحد لقبلت، ولو حصل معه اختلاطان لقبلت أيضاً، لكن أن تحصل كلّ هذه الاختلاطات معه، فهو إما جاهل تماماً في هذا المجال أو كان في وضع عدم تركيز.

 ورغم هذا كله، تشكلت لجنة ثلاثية ثم خماسية، وخرج من القضية بسهولة كما تخرج الشعرة من العجين؛ وذلك لتعاون أطباء اللجنة معه، وتوزيعهم المسؤولية على أكثر من طبيب.. فالمشكلة مع الأطباء هي قلة وضوح الخطأ. وبين إهمال الطبيب وعدم خبرته وتطاوله على ما ليس له به علم، وبين وضع المستشفيات المزري (الطاسة ضايعة)».
يضيف الدكتور فارس: «الدافع الإنساني دفعني إلى إجراء عملية جراحية لطفل صغير عمره 3 أشهر يعاني من نقص أكسجة كبير، وكان هدفي الأول هو توصيل الدم إلى الرئتين.

وبناءً على نتيجة تقرير الإيكو التي أظهرت قطر الشريان الرئوي اليميني 7 مم أجريت العملية. وفي الواقع ظهر أنَّ قطره الحقيقي 2.5 مم فقط، فقرَّرت سريعاً إكمال العملية من الأمام للوصول إلى الشريان المركزي الموزع  للرئتين بقطر 4.5 مم، حيث أجريت الوصلة عليه بضعف الوقت اللازم للعملية. وفي صباح اليوم التالي، تحسَّن وضعه، وتركت المستشفى لإجراء عملية أخرى. لكن، وعند تسليم الطفل لأهله، توقف قلبه، وظنّوا أنَّ وجود جرحين دليل على التخبط، مما أدَّى إلى رفع الدعوى. وعلى الرغم من عدم يقيني بسبب الاختلاط المباشر الذي حدث، إلا أنَّ تقرير اللجنة جاء لمصلحتي».


 دعاوى كيدية


أوضح الدكتور نظام حسن (اختصاص عصبية) وجود دعاوى كثيرة كيدية ليس لها أساس من الصحة تُقام بعد التأثر بنتيجة العملية، والنسبة الكبيرة منها يُردّ، وبعض الناس يأوّل المسألة ويحيلها إلى عدة جهات مسؤولة، أو يرجعها إلى الرشوة أو التشكيك بعدالة القضاء، وما إلى ذلك من الادعاءات.

وكثيراً ما يحدث أن تتعارض الآراء بين اللجنة الأولى والثانية، مما يؤدي إلى خلل في تطبيق الحكم. ومن إحدى الحالات الناجمة عن الاختلاطات الطبية امرأة خضعت لعملية إجهاض على يد طبيب وتوفّيت أثناء العملية. ولدى معاينة اللجنة الطبية للمتوفاة ودراسة الأسباب الداعية للإجهاض وتشكيل لجنة أخرى والطعن بها، تبيَّن أنَّ عملية الطبيب ليس فيها أيّ خطأ واضح، والوفاة نجمت عن اختلاطات ونزوفات في الجسم لم تتحملها المريضة».

 القانون يطبق أو لا يطبق؟


Image حول مصداقية تطبيق القانون، يقول المحامي عدنان طبنج: «إنَّ القضاء الجزائي ينطلق من مبدأ المسؤولية التقصيرية للطبيب بجرم الإهمال، وهو جرم جزائي جنحي عقوبته تصل إلى سنة.

أما المادة 66 من القانون رقم 31 المتعلق بالتنظيم النقابي للأطباء البشريين فتحدِّد الحالات التي يحال فيها الطبيب إلى المجلس التأديبي المكون من قاضٍ وطبيب من وزارة الصحة يسميه وزير الصحة و3 أطباء يسميهم مجلس الفرع، وتكون قرارات المجلس قابلة للطعن أمام محكمة الاستئناف في غرفة خاصة، والدعوى تقام على الطبيب بناءً على شكوى، إما لنقابة الأطباء مباشرة أو النيابة العامة أو المحكمة المدنية، وذلك لتطبيق المادة 164 التي تنصُّ: «كلّ من ألحق ضرراً بالغير ملزم بالتعويض عنه.

ويُحدَّد مقدار التعويض وفقاً لمدى الضرر الحاصل ومكانة الشخص المتضرر». ويعرض المحامي طبنج قضيةً تسلّم الدفاع فيها تتعلَّق بخطأ طبي: «بعد أن ربح ذوو الطفل (سامر .م) الذي توفي نتيجة خطأ طبي، جاء قرار اللجنة الثلاثية بالتعويض بمقدار مليون ليرة، ثم استؤنف الحكم وتشكَّلت لجنة خماسية خرجت بحكم لمصلحة الطبيب».

 ويقول المحامي طبنج: «ليست الغاية من العقاب حجز الحرية الطويل، فعند إدانة طبيب وإشهار الحكم عليه باسم الشعب العربي في سورية، سيلحق به ضرر أكثر إيلاماً من حجز حريته، والطبيب عندها سيضع في حسبانه مئة حساب قبل أن يخطئ».

 النقابة لم تسحب شهادة طبيب


يعلّق  يقول القاسم: «لم تلجأ النقابة في مرة من المرات إلى سحب شهادة طبيب»، ويضيف: «لكن يمكن أن تغلق عيادة تحت مخالفة شديدة من شهر إلى 3 شهور.

أما عدد الشكاوى التي وصلت إلى النقابة العام الماضي، فبلغت نحو 30 شكوى، في أغلبها أخطاء في مجال التجميل، نتيجة عدم رضى المريض عن العملية.. إلا أنَّ هناك شكاوى تصل إلى وزارة الصحة أو الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش أو القضاء، وعدد كبير من المرضى لا يتقدَّمون بشكوى لأيّ من هذه الجهات. لذا يقترح نقيب الأطباء أن يكون هناك سجل وطني بالأخطاء الطبية، وأن يلتزم الأطباء بمشروع التعليم الطبي المستمر وحضور المؤتمرات والندوات».


 الغنمة بالغرم


يقول الدكتور عبد السلام راجح: «الطبيب الذي يخطئ في عملية جراحية تودي بحياة المريض، هو داخل فيما يسمى بالمسؤولية التقصيرية في الشرع والقانون، ويتحمَّل جريمة فعله من خلال ما اقترفت يداه، لأنَّ «الغنمة بالغرم»؛ بمعنى أنَّ هذا الطبيب كان سيغنم في مقابل هذه العملية أجراً أو مالا، وبالتالي فإنَّ تفريطه يفرض عليه غرماً أي ضماناً، لأنه متحمل لهذه المسؤولية بسبب تفريطه

بلدنا - وعد زينية
(22)    هل أعجبتك المقالة (18)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي