أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

الجزيرة العائمة على التاريخ والجمال والتناقضات.."زمان الوصل" في قبرص: مشاهدات وانطباعات 1-3

الجزيرة العائمة على التاريخ والجمال والتناقضات.."زمان الوصل" في قبرص: مشاهدات وانطباعات 1-3
   يشكل الأتراك اليوم 25% من سكانها - زمان الوصل
عدنان عبدالرزاق - قبرص التركية - زمان الوصل
أول القول: يضطر من سيزور قبرص الشمالية، عدا مواطني أرمينيا ونيجيريا الذين يحتاجون لفيزا، أن يدخلها عبر تركيا فقط، وإن جاءها من خارج تركيا، فلا بد أن يحجز عبر الخطوط التركية، وينتظر بالمطارات التركية ريثما تحين موعد رحلة قبرص، وأما الأتراك، فيدخلونها عبر البطاقة الشخصية، ومن في تركيا، يدخلها عبر الإقامة.

وما إن تهبط طائرتك الآتية، من تركيا حصراً، مطار "إيرجان" الوحيد بالعاصمة القبرصية التركية، "لفكوشا"، حتى تشعر أنك بمدينة تركية، متوسطة التنمية والشهرة، كغازي عينتاب مثلاً، فاللغة تركية والعملة تركية، بل وحتى "سحنات" من تراهم أيضاً، عدا الطلبة التي تعج بهم العاصمة، والذين توافدوا من الدول العربية والأفريقية، لاستكمال تعليمهم بجامعات توصف بالأقل تكلفة بالمنطقة.

وحتى معالم "لفكوشا"، تركية أو عثمانية بامتياز، من جامع السليمانيّة "كنيسة القديسة صوفيا سابقاً" إلى الأسواق الشعبيّة القديمة الزاخرة بالمنتج التركي، وصولاً لمتحف الدراويش والحمّام الأعظم، بل وتتوسطها ساحة أتاتورك وتمثال لمصطفى كمال، مؤسس الجمهورية التركية عام 1923، أيضاً.

لكن الحال ينقلب، مجرد أن تغادر لثلاثين كيلو متراً باتجاه مدينة "جيرنة" الساحلية، فهناك سياح ووافدون من العالم بأسره، ولا شيء يشبه العاصمة، فلغات العالم الرئيسية مستخدمة وحتى العملة الأوروبية "يورو" طاغية بالتعاملات التجارية.

وقبل أن نقف على مدن قبرص التركية عامة، و"جيرنة" الأجمل على وجه التحديد، تعالوا نلتفت للوراء، لنعرف سريعاً، تاريخ هذه الجزيرة.
ليس في صالح، تركيا أو اليونان اليوم، إغراق قبرص بشطريها، وإن استمر اللعب على تناقضات المد والجزر، فالقصة لم تعد، فقط الخلاف على تداول السلطة بين القبارصة الأتراك والروم، أو السيطرة على ثالث أكبر جزيرة بالبحر المتوسط، بعد صقلية وسردينيا الإيطاليتين، بعدما قيل، إن هذا النتوء الصخري الذي لا تزيد مساحته عن 9251 كلم مربع ومأهول دونما انقطاع، منذ 1200 قبل الميلاد، تحوي مياهه الإقليمية، على أحد أكبر خزانات الغاز بالعالم.

لذا، وجدنا بآخر قرار لمجلس الأمن الدولي، تمديد ولاية قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام في قبرص 6 أشهر أخرى، تنتهي في 31 يوليو / تموز 2019، قبولا من الطرفين، وإن على مضض، بعد أن رفض القبارصة الروم عام 2004 توحيد شطري الجزيرة، ولم تفلح بعدها، مفاوضات 2015 ولا حتى مساعي الأمم المتحدة، خلال "مؤتمر قبرص" الذي استضافته سويسرا، خلال تموز /يوليو 2018، لتبقى سداسية الخلاف "الاقتصاد، الاتحاد الأوروبي، الملكية، تقاسم الإدارة، الأرض، والأمن والضمانات" حائلة دون عودة الجزيرة، إلى ما قبل 1974.

توالت الشعوب والقبائل على قبرص، قبل أن يشكل الأتراك اليوم 25% من سكانها واليونانيين على 70% ويبقى 5% لأعراق ومهاجرين، إذ تقول كتب التاريخ، إن اليونانيين، أول من استوطنوا الجزيرة عام 1200ق.م وقبل مجيء السيد المسيح غزا الجزيرة الفرس، والرومان، والآشوريون، وأدخل القديس برنابا الديانة المسيحيّة إلى الجزيرة، وفي عام 330م أصبحت الجزيرة جزءاً من الإمبراطورية البيزنطية، وباعها ريتشارد عام 1191م للفرنسيين.

ليأتي الفتح العثماني، بقيادة سليم الثاني عام 1571، ويسيطر على قبرص، حتى عام 1878م، وقت دخلتها بريطانيا، وحولتها إلى مستعمرة تابعة لها عام 1925م، لتأتي حرب القبارصة على الاحتلال البريطاني عام 1955، وقت أعلنت بريطانيا حالة الطواري في الجزيرة عام 1955 رداً على سكان الجزيرة الاتحاد مع دولة اليونان، ونفت زعيمهم مكاريوس إلى جزيرة "سيشل" في المحيط الهندي، قبل أن يتم استقلال الجزيرة في عام 1960 عندما اجتمع الأتراك واليونانيون في سويسرا وقاموا بوضع اتفاقية وافقت عليها بريطانيا، عرفت وقتذاك باتفاقية "زيوريخ"، وتضمنت وضع دستور شارك في وضعه كل من بريطانيا واليونان وتركيا مع موافقة قادة القبارصة الاتراك واليونانيين.
وهدأت الجزيرة بعد أن حدد الدستور، تعيين نائب لرئيس الجمهورية من القبارصة الأتراك، واشتراط موافقته على القرارات المهمة المتعلقة بالأمن والدفاع والعلاقات الخارجية.

ليكون عام 1974، المفصل الأهم ربما، بتاريخ قبرص الحديث، وقت قام الأنبا مكاريوس الرئيس القبرصي، بمهاجمة القرى ذات الأغلبية التركية، جراء المعارضة للانضمام لليونان، لتشهد قبرص، مذابح وصفت بالأبشع وقتذاك.

وقتذاك، تقول الوثائق التركية، إن رئيس الوزراء، بولنت أجاويد، رئيس حزب الشعب الجمهوري، غادر إلى لندن لبحث تداعيات الأزمة القبرصية، ليقدم نجم الدين أربكان، رئيس حزب السلامة الوطنية المؤتلف بالحكومة مع "حزب الشعب" على قرار التدخل العسكري بعد الاجتماع مع الحكومة وقائد الجيش، لتنطلق ما عرفت "حركة تحرير قبرص الشمالية" التي أوقفها، أجاويد بعد عودته السريعة من بريطانيا، ليتم فرض "الحكم الذاتي" بزعامة "رؤوف دنكطاش"، وتشهد الجزيرة، تبادل نزوح القبارصة اليونانيين إلى الجنوب، ونزح ما تبقى من القبارصة الأتراك إلى الشمال، ونتيجة لتعثر المفاوضات بين الجانبين قام الشمال بإعلان جمهورية شمال قبرص التركية 1983 جمهورية من طرف واحد، وتم اختيار الزعيم القبرصي التركي "رؤوف دنكطاش" رئيسا على مساحة 3.355كم2 وسكان لم يزيدوا حتى اليوم، عن 1.2 مليون نسمة. ولكن، لم تعترف بدولة شمال قبرص إلا الحكومة التركية فقط، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، التي منحت قبرص الشمالية صفة "بلد مؤسس" وضمت قبرص الشمالية التركية إلى المنظمة بصفة "عضو مراقب".

وأما مدن قبرص التركية "لفكوشا، جيرنة، فاماغوستا، ماغوسا، ليفكة، جوزال بورت" فتتقدمهم "لفكوشا"، وهو الاسم الذي أطلقه القبارصة الأتراك على مدينة "نيقوسيا"، التي كما أسلفنا، تعد تركية المعالم والهوية، وإن توزع على جنبات شارع، عثمان باشا، بعض النشاز للمسات رومية أو بشر عابرين. وينتهي بما يسمى الخط الأخضر، الذي يفصل بين قبرص اليونانيّة وقبرص التّركيّة، وتم افتتاحه عام 2004 بإشراف الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، ليعبر منه القبارصة بين شطري الجزيرة، والسياح باتجاه قبرص التركية

لتتربع مدينة "جيرنة" الساحلية على عرش شهرة قبرص التركية، لما فيها من جمال وتهافت السياح، ولعل ما يقال بالأساطير الإغريقية عن "جيرنة"، يضفي على جمالها، الغرابة والدهشة "عاشت حورية ذات ذيلين في جزيرة صخرية نائية، وكانت كل يوم تغني وتعزف على قيثارتها، حتى يقترب البحارة، فتلهيهم، بحسن صوتها وجمالها عن طريقهم، وتجعلهم يتبعون صوتها الجميل، ويصطدمون بالصخور، ثم يغرقون".

ولا يمكننا بهذه العجالة، تغييب "فاماغوستا"، المدينة الواقعة على الحدود مع قبرص اليونانيّة، إذ يعتبر مسجد "آيا صوفيا" الذي أصبح اسمه جامع "لا لا مصطفى باشا" أهم معالمها، إضافةً إلى متحف "نامق كامل" وجبالها المرتفعة التي تُعدّ مقصدا لهواة التّسلّق، والمرفأ الذي بناه البريطانيّون عندما احتلّوها، وأصبحت فيما بعد قاعدةً بحريّةً في الحرب العالميّة الثّانية.

ولننهي رحلتنا بمؤشرين، علهما يعكسان ما لقبرص التركية من مكانة عند الحكومة التركية، المؤشر الأول أن الرئيس رجب طيب أردوغان خصها في 3 تموز يوليو 2018، كأول دولة يزورها بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية المبكرة.

والمؤشر الثاني وخلال العام الماضي ايضاً، خصت تركيا في 31 تشرين الأول اكتوبر 2018 قبرص التركية، لتهبط فيها أول طائرة تابعة للخطوط الجوية التركية في رحلة مجدولة من مطار إسطنبول الثالث الذي دشنته أنقرة العام الفائت.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
سيميوني يتعهد بالاستمرار مع أتليتيكو مدريد      كاباروس يترك تدريب أشبيلية      رئيسة مجلس النواب الأمريكي: ترامب متورط في عملية تستر      فرنسا: ينبغي بحث مزاعم استخدام أسلحة كيماوية في سوريا      ياسر الغربي.. فنان سوري في فرنسا يمنح للحروف روحا وللكلمات تاريخ ميلاد      دورتموند يضم تورجان هازارد من مونشنجلادباخ      الذهب مستقر قرب أدنى مستوى في أسبوعين بفعل صعود الدولار      بكين تُدين عزم واشنطن فرض عقوبات على شركة صينية