أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

تابع (جيفارا ) الدقة السابعة و الثامنة و التاسعة) ... محمد سنجر

( صفير الرياح في الخارج يشق سكون الليل ،

يعبث بكل ما يعترض طريقه ،

يتلاعب بحاويات القمامة الفارغة ،
تصطك بالأرصفة ،

أمواج من البرد القارص تتوغل من خلال القضبان الحديدية لشباك زنزانتنا الضيقة ،
تلاحقنا ، تفترسنا ،
تغرقنا بين دوامات برودتها الرهيبة ،
يسرى البرد بجسدنا الواهن ، يتوغل فينا ،
تتجمد أطرافنا ،
أحاول كبح جماح السعال الذي ينهش رئتاي ،
و لكن لا فائدة ،
أفقد الإحساس بأصابع قدمي التي تقيحت ،
أخاف حتى مجرد النظر إليها من هول المشهد ،
ليست لدي الشجاعة الكافية كي أتحسسها بيدي ،
أنظر إلى رفيقي الذي سقط عليه بقعة من ضوء القمر ،
أراه منكمشا داخل نفسه ،
يجلس و قد ضم بذراعيه ركبتاه إلى صدره ،
حاول المسكين إغلاق كل المنافذ في ملابسه البالية حتى لا تتوغل البرودة من خلالها ،
كلما هم الدفء يداعب جسده الضعيف ، افترسته موجة أخرى أشد برودة فأخذ يرتجف و يرتجف ،
صوت اصطكاك أسنانه التي تكاد تتكسر جعلني أرتجف بشدة ،
حاولت فرك وجهي و أنفي بشدة لعلها تمنحني شيئا من الدفء
تحرش بسمعي قرقرة معدته الخاوية ،


يومان مرا علينا لم نذق فيها طعاما ،


ألقوا بنا منذ أيام بهذه القلعة ،


جعلوها معتقلا لكل من يخالفهم الرأي ،


يطلقون عليها (الكابانا)،


لم نر أحدا منهم منذ أيام ،


اللهم إلا زوار الليل ،
يأتون بمشاعلهم الشاحبة ،
يسحبون واحدا منا فلا نراه ثانية ، يختفي إلى الأبد ،



أعادتني صرخات زميلي ثانية ، رأيت شبحه يقف من وراء قضبان زنزانتنا ، يصيح )
ـ أيها التعساء ، لقد انتهينا،
مصيركم إلى الإعدام لا محالة،
ليحاول كل منكم التخلص من حياته بنفسه بأسرع وقت ، فما هي إلا أيام من العذاب و الألم و الشقاء ،

بالله عليكم ماذا تنتظرون ؟
لقد اعتبروا كل من يعارض الثورة خائنا لابد من تصفيته ،

ألا تعرفون من الذي تولى الإشراف على هذا المعتقل ؟
لقد نصبوا عليكم هذا الأرجنتيني المتعجرف الكاذب .


( صرخ أحد المعتقلين في نهاية الممر )


ـ نعم صدقت ، إنه ذلك السفاح الأرجنتيني الذي سيخطفكم كالحداة فرخا تلو الآخر ،
لتنالوا حتفكم دون محاكمة ،
لقد فعلوا هذا برفيقي أول أمس ،
سحبوه بينما نحن واقفون ، و أمام أعيننا و دون محاكمة أطلق عليه هذا الأرجنتيني الرصاص بدم بارد ،
أطلق عليه الرصاص و كأنه يتناول كوبا من الماء .


( صرخ آخر )
ـ و ماذا فعلنا لنعتقل بهذه القلعة و نعدم بهذه الطريقة ؟


ـ أنت من أعداء الثورة أيها المعتوه ( أخذ يقهقه ) ها ها ها .
ـ أي أعداء ؟ أنا لم أحمل سلاحا قط ، و لا أنا من حاشية العهد البائد ، بأي حق يقتلني هذا الأرجنتيني ؟

ـ لأنك من المعارضين السياسيين أيها التعس .


ـ أقول لك لم أحمل سلاحا قط .


ـ لا فارق عند هذا السفاح سواء كنت تحمل سلاحا أو لا ، المهم أنك معارض سياسي أيها الحقير .


( فجأة سمعنا صوت دقات أحذية عسكرية تقترب ،



صمت خيم على المكان ،


صوت الدقات أخذ يعلو اقترابا رويدا رويدا ،



أخذ الرعب يرخي قتامته علينا واحدا تلو الآخر ،

جحظت العيون ،


وجمت الوجوه ،


دقات قلوبنا أخذت تتزايد باقتراب الخطوات شيئا فشيئا ،


ضوء المشاعل التي يحملونها تعلو رويدا رويدا ،


التصقت أنا و زميلي بإحدى زوايا الزنزانة الداخلية ،
اختلطت أصوات دقات قلبينا المتسارعة ،
تقاذفتنا شكوك الرعب ،
توقف صوت الأحذية أمام زنزانتنا ،




يااااااااااااااا الله ،




أشباح الرعب توقفت وراء قضبان زنزانتنا ،



اغتصب سمعنا صوت أجش ،




: أنت هناك .



( ترددت أنا و زميلي في الإجابة ،


عندها سمعنا عربدة المفاتيح بالباب ،
اختبأنا أنا و رفيقي داخل بعضنا البعض ،
اقتربت أشباح الرعب منا أكثر فأكثر ،
أغمضت عيني ، أخذت أتمتم ،
( يا لطيف ، يا لطيف ، يا لطيف ، يا لطيف ، يا لطيف )
أحسست بهم يسحبونني بمنتهى العنف ،
وقع قلبي بين قدماي ،
أخذت أصرخ ،
( يا لطيـــــــــف ، يا لطيـــــــــــــــــف ، يا لطــــــــــــــــــــــــــــــيف )
أحاول فتح عيني ، و لكن لا أستطيع ،

ما هو إلا كابوسا و سيذهب بإذن الله ،



لربما فتحت عيني فوجدتها الحقيقة ،



حاولت استبيان الحقيقة بسرعة ،



لا وقت هناك ،
فتحت عيني فإذا بزميلي هو الذي يجذبني معه ،
وجدت أشباح الموت و قد غرسوا مخالبهم بأقدامه يجذبونه ، لكنه تشبث بقدمي بكلتا يديه ،
أخذ يصرخ )
ـ لااااااااااااا ... لم أفعل شيئا ... لماذا تأخذونني ... لااا ...
( أخذوا يدقون بأحذيتهم على يديه ليتركني ،
لا فائدة ،
غرس مخالبه بلحمي ،
أخذوا يجذبونه بينما أخذ هو ينهش لحمي بأظافره و يصرخ )
ـ لم أفعل شيئا .... حاكموني أولا ....
أقول لكم ؟؟ حاكموني ... إذا ثبت أنني مدان فأعدموني .... لاااااااااااا
لن أساق للموت هكذا ؟
لا و ألف لااااااااااا ...
( عندها غرس أحدهم مشعله بيده التي كبلتني ،
عندها فقط أخلى سبيلي ،
سحبوه خارجا ، أغلقوا باب زنزانتي خلفهم ،
أخذ صراخه يتباعد شيئا فشيئا )
ـ لاااااااا .... اتركوني ......
بماذا ستبررون قتلي ؟؟
هناك أطفال يصرخون منتظرين عودتي بالطعام ....
لا عائل لهم إلا أناااااا .... لاااااااااااااااا .... أرجوكم ....
لا يمكن .... مستحيل .... غير معقووووووووووووول ......

( أخذت أطرافي تصطك ببعضها البعض من شدة الرعب ،
أخذت الصورة تتلاشى بعيني ،


دارت الدنيا من حولي ،







لم أشعر بشيء بعدها )








( يتبع )



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( الدقة الثامنة )


( صخب يلف المكان حولي ،
أشباح تتحرك بين أدخنة الحشيش المنتشرة بالمكان ،
رائحة نتنة تزكم الأنوف ،
أوقدوا بعض أغصان الأشجار الجافة للتدفئة بمنتصف القاعة ،
إضاءة النيران تسقط على الوجوه ،
أخذت أتفحص وجوه الرجال المنحوتة حولي ،
ينفثون أدخنة السجائر بقوة ،
كل منهم منهمك في عالمه الخاص ،
وجدت أحدهم يمسك بسكينه يحلق لرفيقه لحيته ،
البعض يلعب الورق ،
و آخر يتابع إناء على النار تفوح منه رائحة القهوة ،
انتبه الجميع لصوت آلة موسيقية وترية ،
عندها التفت الجميع لمصدر الصوت ،
وجدت رجلا أشعث الشعر ، ذو لحية خفيفة متناثرة ،
سيجار طويل يتدلى من فمه ، تفوح من ملابسه الرثة المهلهلة رائحة عرق نتنة ،
و قد أمسك بكلتا يديه آلة أشبه ب ( الجيتار ) ،
و أخذ يغني بصوت أجش ،
و إذا برجل آخر بجواره يمسك ب (الهارومنيكا ) يضمها إلى فمه ،
ركض بناظري شريط الصور المخزنة بالذاكرة ، و إذا به يتوقف عند ( جيفارا ) ، نعم إنه ( جيفارا ) هذا الذي يغني ،
أخذت أستمع مضطرا ،
بينما أخذ ينشد أشعاره )

ـ ماريا العجوز ، ستموتين ،
أحدثك بجدية.
كانت حياتك مسبحة من الصعاب
لا محبوب هناك ، ولا صحة ولا مال ،
لا شيء سوى الجوع يشاركك الحياة.
أود الحديث عن آمالك
الآمال الثلاثة المختلفة
التي نسختها ابنتك دون أن تدري.
خذي هذي اليد الرجولية الطفلة
بين يديك الملطختين بالأصفر
وامسحي رسغيك البارزين و"القشف" اليابس
في الخزي الناعم ليدي الطبيب
اسمعي أيتها الجدة البروليتارية
( وقف بينما علا صوته أكثر فأكثر )
ـ فلتؤمني بالإنسان الآتي
فلتؤمني بالمستقبل الذي لن ترين
( أشار لرفاقه ليشاركونه الغناء )
ـ لا تصلي لرب قاسي
أنكر عليك حياة الأمل
ولا تطلبي الموت رحمة
فالسماء صماء والظلام يلفك .....
( أخذ رفاقه يرددون وراءه بينما بدأ البعض يتراقص )
ـ لا تصلي لرب قاسي
أنكر عليك حياة الأمل
ولا تطلبي الموت رحمة
فالسماء صماء والظلام يلفك ......
( أخذ يردد بينما أخذ رفاقه يتراقصون على وقع صوته الأجش ، عندها اختلط الحابل بالنابل )
ـ لا تفعليها
لا تصلي لرب
أنكر عليك حياة الأمل
ولا تطلبي الموت رحمة
فالسماء صماء والظلام يلفك ......
( عندها تسللت خارجا ،
وكزني أحدهم بقبضته )
أغتصب سمعي صوته الغليظ :
ـ دورك .
ـ أي دور ؟
ـ ألن تأخذ نصيبك من إرغام هؤلاء البوليفيات المقيدات بالغرف على الاعتراف ؟
ـ إرغامهن ؟ كيف ؟
ـ أنت و شطارتك ( غمز بعينه و عض على شفتيه ) .
ـ اغتصاب ؟؟؟؟ أعوذ بالله ، أعوذ بالله .
ـ ويحك ، الله ؟
لا تتكلم بهذا الكلام هنا و إلا .... ( أشار إلى رقبته بالذبح )
ثلاث و ثلاث مثلما يقول ( جيفارا ) .
ـ أي ثلاث و ثلاث ؟؟؟؟
ـ يجب هنا ألا تؤمن إلا ب ( ماركس و لينين و ستالين )
و تكفر ب ( الله و الدين و الملكية الخاصة )
( أخذ الرجل يضحك ثم انصرف يدعو الآخرين لاغتصاب البوليفيات المسكينات بحجة إرغامهن على الاعتراف ،
نظرت إلى النجوم التي تتلألأ بالسماء ،
ترقرقت النجوم بعيني حزنا على مصيرهن ،
أهذه هي الإنسانية في نظركم ؟؟؟؟
أهذه هي الرحمة و العدل و الرأفة ؟؟؟؟
أينما يوجد الظلم فذاك وطني ؟؟؟؟
تمنيت لو أنه كابوس لاستيقظ منه سريعا ،
و لكن لا فائدة ،
يبدو أنها الحقيقة المرة أيها التعس ،
حاولت استنشاق نفسا عميقا من الهواء النقي ،
أحاول استعادة شيء من حريتي و آدميتي مرة أخرى ،
و لكن من أين لي بها و قد جنيت على نفسي بالتواجد بين هؤلاء ،
لااااا غير معقول ، هل أنا هنا فعلا ؟؟؟؟
وجدت من يهزني بقوة ،
نعم أنت هنا بين هؤلاء ، نعم ،
إنها الحقيقة أيها الغبي الأحمق ،
أحاول جاهدا كبت هذه الصرخات التي تغلي بصدري ،
وجدتني انفجر غاضبا ،
صرخت عاليا ، شقت صرخاتي سكون الليل البهيم ،
تتردد بين الغابات و الجبال :

ـ وا إنسانيتاااااااااااااااه .





( يتبع )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( الدقة الأخيرة )

آه ه ه ه ه ،
دقات مؤلمة برأسي ، أحس بالألم يتوغل بجسدي ،
حاولت استبيان المشهد أمامي ،
بدأت الغشاوة تنقشع شيئا فشيئا ،
تذكرت ، نعم تذكرت ،
يا الله ،
ألهذه الدرجة كنت مخدوعا ؟؟؟؟
لماذا لم أكتشف حقيقته كل هذه الفترة ؟
لقد خدعنا ، فأمام الافتتان بملامحه الثورية و وسامته سقطت منا جميعا تفاصيل كثيرة ،
ربما يعتبرها البعض تافهة و لكنها غاية بالأهمية ،
لماذا لم أستطع قراءة ما بين السطور ؟
لقد كان واضحا جليا ، نعم ، كثيرا ما كنت أراه بارزا كالشمس في وضح النهار ، لكنني كنت دائما ما أشغل نفسي بهذه الهالة التي أضفوها عليه ،
كيف استطاعوا أن يخلدوا هذه الصورة الرائعة التي انطبعت بأذهاننا له كثائر بصرف النظر عن دمويته ؟
ما العمل الآن ؟
كيف لي أن أتخلص من كل هذا ؟
لابد أن أرحل من هنا بسرعة ، و لكن يجب ألا يحس أحدا بما في نفسي ، و إلا كانت نهايتي على أيديهم ،

سيول من الماء البارد أغرقني بها أحدهم ،
جذبني عنوة من أفكاري ، شهقت منتفضا من مكاني ، باحثا عمن فعلها لقتله ،
وجدت أحدهم يضحك و هو يمسك بإنائه الذي أفرغه على رأسي ،
بركان من الغضب انفجر دافعا قبضتي باتجاه فكه ، صرخت فيهم )
ـ يا أولااااااااااد الكــــــــــــلب .
طرحته أرضا بينما أخذ رفاقه يضحكون ،
عندها دخل ( جيفارا ) متسائلا )
ـ ما هذا الذي يحدث هنا ؟
( أجابه الواقفون )
ـ هذا ( العربي ) يثير العديد من المشاكل هنا .
( عندها نظر إلي نظرة ثاقبة ، خرجت الكلمات متعجرفة من فمه )
ـ اتبعني أيها ( العربي ) .
( عندها مشيت خلفه حتى ولجنا إلى غرفة بنهاية الممر ، جلس إلى الكرسي رافعا قدميه فوق الطاولة بوجهي ،
أخرج سيجارا من علبة فوق الطاولة ، أشعلها ،
فتح العلبة ثانية ، أخرج منها سيجارا آخر ، مد يده تجاهي )
ـ دخن أيها ( العربي ) .
ـ لا أدخن .
ـ خذ ، خذ ، لا تخف فلن أطلب منك ثمنا لها .
ـ حقيقة لا أدخن .
ـ عجيب أمرك ، في ظل هذه الظروف التي نمر بها و أراك لا تدخن الحشيش أو تحتسي الخمر و لا حتى تقرب النساء؟ أنتم هكذا أيها العرب ، لديكم عادات غريبة ،
هل تعلم أنه عندما كنت أنا و كاسترو نواجه المصاعب و المخاطر بين التلال في كوبا كنا نستمد شجاعتنا من صمودكم أمام العدوان الثلاثي ، هل تعرف من كان الرمز الذي نقتدي به ؟
( عندها فتح أزرار بزته العسكرية فإذا بقميص مرسوم عليه صورة ( جمال عبد الناصر ) ،
عندها لم أستطع السيطرة على هذه الحالة الهستيرية من الضحك ، سألني متعجبا )
ـ ما بك ؟ ألا تعرف من هذا ؟
ـ بل ...ها ها .. أعرفه جيدا ، ( عبد الناصر ) .
ـ و لماذا الضحك إذن ؟
( لم أقدر على مصارحته بأنني كنت أرتدي قميصا عليه صورته قبل أن أكتشف حقيقته ، و ها هو نفسه يرتدي قميصا عليه صورة (عبد الناصر) ، عندها سألته محاولا التهرب من سؤاله )
ـ و لكن من أين أتيت بهذا القميص المرسوم عليه ( جمال عبد الناصر ) ؟
ـ اشتريته من رجل عندما كنت أزور الأهرامات التي بناها أجدادي .
( لم أتمالك نفسي ثانية من الضحك )
ـ ها ها .... أجدادك ؟؟
ـ ألا تعلم أنني حفيد بني إسرائيل الذين سخرهم (فرعون) لبناء الأهرامات ؟
ـ بني إسرائيل هم أبناء يعقوب عليه السلام ،
و بناء الأهرام كان قبل ذلك بألف سنة تقريبا ،
فكيف بناه أجدادك ؟؟؟
ـ اصمت أنت ، من أفهمك في تاريخ الشعوب ؟
( عندها لم أعلق ، فلقد احمر وجهه غضبا ، عندها حاولت تغيير دفة الموضوع )
ـ قميص رائع حقيقة و لكنني ظننت أنك ترتدي قميصا عليه صورة (ماركس) أو (لينين) مثلا أو (ماو تسي تونج) .
( ابتسم خبثا و قال )
ـ صورة ( عبد الناصر ) هي الموضة الآن .
ـ الموضـــــــة ؟؟؟ آآآآه ، من الممكن إذن أن ترتدي قميصا عليه صورة ( مايكل جاكسون ) أو ( شاكيرا ) أو ( نانسي عجرم ) مثلا .
ـ و من هؤلاء ؟
ـ لا عليك ، السؤال الآن ـ هل من الممكن أن ترتدي قميصا عليه أية صورة ؟
ـ بالطبع لا أيها الأبله ، هل تظنني مثلك أيها العربي أرتدي أي شيء ؟
إنما أحمل صورة لرمز من رموزي التي توافق أفكاري و معتقداتي فقط ،
فمن المستحيل أن تراني مثلا أرتدي قميصا عليه صورة شخص مثل ( كيندي ) مثلا .
ـ هل من الممكن أن ترتدي صورة أحد رموزنا مثل ( خالد بن الوليد )، ( صلاح الدين الأيوبي )، (عمر المختار) ، (سعد زغلول) .
ـ من الممكن أن أدرسهم فقط لأتعلم منهم ، و لكن أن آخذهم رمزا ؟؟
مستحيـــــــــــــل .
( عندها طرق الباب أحد الجنود )
ـ ادخل .
( دخل الجندي و قال )
ـ لقد جهزنا المرأة للاستجواب يا سيدي .
ـ سآتي حالا .
( خرج الجندي ، عندها وقف ( تشي ) ممسكا بسيجاره بين إصبعيه )
ـ هيا بنا .
( خرجنا نسير خلال الممر حتى وصلنا إلى غرفة تكاد تنعدم بها الرؤية ،
بعد لحظات اعتادت عيني الإضاءة الخافتة ،
لمحت امرأة شبه عارية واقفة و قد قيدوا يديها إلى الجدار ،
ذهب إليها ( جيفارا ) ،
فك قيدها ، ناولها إناء به بعض الماء ،
أخذته المسكينة في لهفة ،
رفعته إلى فمها ،
لكنه فجأة لطم الإناء فسقط من بين يدها أرضا ،
عندها سقطت المرأة تحاول أن تلتقط بأصابعها ما يروي عطشها ،
نزل إليها حتى أقترب من أذنها و همس )
ـ هيه ، أمازلت مصرة على الإنكار ؟
(رفعت المرأة رأسها نظرت إليه نظرة رعب ، ارتجفت الدموع متلألئة بين جفنيها ،
أمسك برأسها يقبلها ، ما لبث أن انخرط في البكاء )
ـ أرجوك يا أماه ...... أخبريني أين يختبئ ابنك ؟
( نظرت إليه المرأة نظرة حانقة ، قالت بصوت واهن )
ـ لا أعرف .
( عندها لطمها فطرحها أرضا و أخذ يصرخ )
ـ إنني أحس على وجهي بألم كل صفعة تُوجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا .
( نزل إلى المرأة مرة أخرى ، كبل رقبتها بقبضته ،
خرجت الحروف من بين أسنانه التي ضغطها غيظا )
ـ سأهبك آخر فرصة للنجاة أيتها الحشرة الشمطاء ،
أين يختبئ ابنك ؟
( تفلت المرأة بوجهه ، عندها انتفض كالملدوغ ، أخرج مسدسه من جرابه ، أطلق عليها ست رصاصات ، انتابته حالة هستيرية ، أخذ يصرخ )
ـ كبريائي الوحيد هو كبرياء الثورة ،
لا رحمةلأعداء الشعب أعداء الاشتراكية ، أعداء الإنسان ، هؤلاء الحثالة من المحتالين و المشاغبين ، هؤلاء الرجعيين الأغبياء أعداء أنفسهم ، أفراخ الرأسمالية ،
لن أسمح لأحد أبدا أن يسيء إلى الثورة ،
لن أسمح لأحد أن يعيدنا إلى الوراء ،
سأنسف رؤوس هؤلاء الحثالة أذناب البورجوازيين ،
لابد من تطهير العالم من هؤلاء و من هم على شاكلتهم ، هذه الآفات التي تشدنا للرجعية و التخلف .
( جحظت عيناي ، تبعثرت الحروف بين شفتاي ، تجمد لساني ،
نظر إلي نظرة يتطاير منها الشرر )
ـ لماذا تنظر إلي هكذا أيها (العربي) ؟
هناك وقت تنادي فيها مصلحة العمال أو (البروليتاريا) إلى إبادة قاسية لأعدائها كما قال (لينين) ،
هيا بنا فما زال هناك آخرون لاستجوابهم .
ـ أرجو أن تسمح لي ببعض الراحة .
ـ لا عليك أيها العربي ، هيا اذهب ، فغدا يوم شاق .
( ذهبت إلى غرفتي أتجرع الألم و الندم ، لمحت داخل الغرف الكثير و الكثير من العرايا و قد طرحوا أرضا هنا و هناك ، الجنود يحيطون بهم من كل ناحية ، يصوبون إليهم فوهات البنادق ، يتمتمون بالتوسلات ،
بعض النساء تمرغ وجهها بالتراب تحت أقدامهم تطلب الرحمة ،
أخريات يلطمن وجوههن ، أطفال تصرخ ،
رضيع يزحف يحاول الاختباء بين أحضان أمه القتيلة ، ينشد الرضاعة فلا يجد بفمه إلا مذاق الدم ،
نظرات تقفز من عيون شيخ يستعطفهم ،
أم تحتضن ابنها القتيل تقبله ، ترجوه أن يعود ، فما معنى الحياة بدونه ،

لم أنم ليلتي و لم يغمض لي جفن ،
أيام مرت و سنوات حتى بزغ الفجر ،
تسللت آسفا على عمري الذي فنا و أنا أجري وراء سراب ، مشيت تتعثر قدماي بأشلاء متناثرة هنا و هناك ،
ينقشع الضباب أمامي شيئا فشيئا ،
بدأ المشهد يتضح بعيني رويدا رويدا ،
و إذا بالكلاب تلعق دماء بعض الفقراء الذين أعدموا بالأمس، تجمعت النسور على البعض الآخر تمزقهم بمناقيرها ، بعضهم تتناهشها الضباع ،
حاولت إغماض عيني من هول المشهد ،
أمسك أنفي بأصابعي ،
رائحة الموت تتسلل من مسام جلدي تتوغل حتى تصل لقلبي المثخن بجراح الفقراء و المساكين ،
تراقصت صورة الجثث بعيني ،
أخذت أبكي و أبكي حتى انتحبت ،
حاولت الإفلات من حزن الكون الذي غلف قلبي ،
صرخت صرخة مدوية أخذت تتردد بين الأشجار )
ـ سرااااااااااااااب ، سراااااااب ، سراااب .
أكذوبة ، كنا نراها تكبر يوما بعد يوم ،
كلنا ساهمنا في تضخيم هذه الأسطورة ،
نعم نحن من ساهم فيها ،
نحن الفاشلون و العاجزون و الحالمون في شتى بقاع الأرض ، حتى ( كاسترو ) كان بحاجة إلى أسطورة تلعب الدور الذي افتقده ،
الشيوعيون كانوا في حاجة لرمز للبطل الاشتراكي ،
حتى الفيتناميين ساهموا في ذلك لتشتيت و إزعاج أمريكا، ساهم فيها جميع مكبوتي و بؤساء و تعساء العالم ،
سرااااااااااااااااااااااااااب .....
نعم سراااب ..... سرااب ...... سراب .......
( تهادى لأذني صوت اهتزاز أوتار عود الشيخ إمام ،
وجدت صوته يتردد بين الغابات ،
أخذت أنشد متيقنا الشطر الأول فقط ،
لم يطاوعني عقلي و لا قلبي و لا لساني بأي حرف آخر بعدها )
ـ جيفارا مات ، جيفارا مات
جيفارا مااات ، جيفارا ماااات
جيفارا ماااااات ، جيفارا ماااااااااات .....



( تمـــــــــــــــــت )

(19)    هل أعجبتك المقالة (19)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي