أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الإعلام الفلسطيني في دائرة التطبيع؟

ما الذي يجمع بين صحيفة «القدس» المقدسيّة، وبعض الصحف الأسبوعيّة العربية الصادرة في فلسطين المحتلة عام 1948؟ الجواب: اعلان واحد نقع عليه هذه الأيام في كل مكان عن «الجنود الإسرائيليين المفقودين»! ويعد المعلن ـــ مؤسّسة إسرائيلية غامضة تدعى Born To Freedom ـــ بجائزة قدرها 10 ملايين دولار لمَن يدلي بمعلومات عن مصير الجنود الإسرائيليين، بينهم الطيّار رون أراد. بمعزل

عن الخطورة الأمنيّة لمثل هذه المبادرات، ينطوي الاعلان على رسالة غير بريئة إلى القارئ الفلسطيني، مفادها أنّ «هناك عائلات تحلم بعودة أبنائها وبإمكانك أنتَ التخفيف من معاناتهم». بهذه الصيغة «الإنسانية» تمرّ الرسالة، كما لو أنّ الجنود الإسرائيليّين «ضحايا» فقدتهم عائلاتهم في منتزه عام، لا فوق أرض يحتلّونها.
إنّها ظاهرة جديدة تجتاح المشهد الإعلامي الفلسطيني اليوم. «الانفتاح» على إسرائيل في بعض الصحف والمواقع الإخبارية الإلكترونية ـــــ من خلال نشر إعلانات لأحزاب ومؤسسات إسرائيلية رسميّة ـــــ صارت ظاهرة يومية للقارئ الفلسطيني، يتعامل معها كأنّها امتداد طبيعي لحياته. وتأتي الفضائيات العربية كـ«الجزيرة» و«العربية» لتزيد الطين بلّة وتُتحفانه بين يوم وآخر بلقاءات مع مسؤولين ومحلّلين إسرائيليين.
ويبدو أنّ هذا «الانفتاح» أصبح على أجندة عدد لا بأس به من الصحف والمواقع التي ذهب بعضها إلى حدّ الترويج لرموز الاحتلال وأحزابه. هكذا، يمكنك أن تقرأ في صحيفة «القدس» المقدسيّة إعلانات لجهات حكومية إسرائيلية كبلدية أورشليم، أو إعلانات خاصة لمؤسّسات أكاديمية إسرائيلية وبعض الشركات الغامضة التي هي «على استعداد لتوفير جنسيات كندية وأوسترالية» لأبناء فلسطين! وفي الآونة الأخيرة، طالعتنا إعلانات فوق صفحات «القدس» لمصلحة أعضاء من حزب «ميريتس» وأركادي غايدماك المرشّحين لانتخابات بلديّة الاحتلال. وقد شدّدت هذه الإعلانات على تعهد المرشَّحين في حملتهم بـ«إنقاذ القدس والمقدسيين... ومنع هدم البيوت»! هكذا، تقبل صحيفة «القدس» وضع إعلانات تحوّل رموز الاحتلال وأحزابه إلى مبشّرين بالخلاص للشعب الذي يحتلونه، وتسهم بدعوة المقدسيّين إلى التصويت في انتخابات قوطعت منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967.
أمّا صحيفة «كل العرب»، فقد نشرت أخيراً دعاية انتخابية لمرشّح عربي عن حزب «كاديما» خلال انتخابات الحزب التمهيدية. وبغضّ النظر عن الحجّة الاقتصاديّة (منطق السوق) التي تلجأ إليها الصحيفة دفاعاً عن تناقضاتها، لا بدّ من الاشارة إلى أنّ رئيس تحريرها الفخري هو شاعر المقاومة سميح القاسم.
وبالمقارنة مع صحف ومواقع إلكترونيّة لا تضع إعلانات إسرائيلية كموقع «عرب 48»، ستجد أنّ هناك شروطاً ضمنيّة يضعها أصحاب هذه الإعلانات الإسرائيلية التي تُعتبر دعماً وأحد أشكال التمويل. شروط تؤثر في كيفيّة التعاطي مع الأخبار ولغتها: ففيما تدرج جريدة «الصنارة» الصادرة في فلسطين 48 (تضع إعلاناً لشركة Forex Place الإسرائيلية) خبراً عن الجندي الأسير جلعاد شاليط (17/ 3/ 09) في خانة «أخبار محلية» على موقعها الإلكتروني، يكون هذا الخبر في خانة «صحافة عبرية» على موقع «عرب 48» الإخباري الذي يكتفي بوضع إعلانات لمؤسسات وجهات فلسطينية. والأمر نفسه ينطبق على مواقع إخبارية من فلسطين 48 تدعمها جهات إسرائيلية مقابل وضع إعلانات لها والتعاطي مع الأخبار من منظور إسرائيلي، مثل موقع «تفانين» الذي يضع إعلانات لشركة «سلكوم» للاتصالات وشركة Tradenet الإسرائيليتين ويروّج أخباراً فنية «عربية» مرتبطة بالمؤسّسة الإسرائيلية كأنّها أخبار طبيعية: آخر أخبار «التعاون العربي اليهودي» والمهرجانات والفعاليّات التي ترعاها الجهات الإسرائيلية ستجدها هنا معروضةً بلغة عربيّة ركيكة تفتقد غالباً المهنية. والأمر ذاته نجده على Panet الترفيهي، وهو من أكثر المواقع الإلكترونية ارتياداً في فلسطين 48، ويعتمد على إعلانات المؤسسة الإسرائيلية. هذه الإعلانات الإسرائيلية السخيّة تجعلنا نتساءل عن الدور الذي يؤديه بعض أشكال الصحافة الفلسطينية، في محاصرة الوعي وتطبيع العلاقة مع الاحتلال.


رون أراد مرّ من هنا

 

نشرت بعض المواقع الإلكترونية اللبنانية إعلانات إسرائيلية تعد بمكافآت مادية تصل قيمتها إلى عشرة ملايين دولار، لمن يدلي بمعلومات عن عدد من المفقودين الإسرائيليين في لبنان وبعض الدول العربية، منهم الطيار رون أراد.
وقد أثارت هذه الإعلانات ردود فعل مختلفة في الأوساط السياسية والإعلامية اللبنانية، وخصوصاً بعد التقرير الذي بثّته قناة «المنار» عن نشر موقع «القوات اللبنانية» لها. لكن اتّضح لاحقاً أنّ الدعايات تمرّ تلقائياً عند نشر ما يعرف بـ google ads، ولا يمكن وقفها إلا عند إنشاء لائحة بالإعلانات السوداء التي يريد المسؤولون عن المواقع اللبنانية حجبها.
كذلك فإن إعلانات شبيهة تظهر باستمرار في عدد من الموقع الترفيهية العربية الخاصة.

مصطفى مصطفى
(22)    هل أعجبتك المقالة (16)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي