أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عقدة أليكسا.. وهوس «النقرات» ... سعاد جروس

تحقيق : اتهم صحافي سوري شاب موقعاً إخبارياً شهيراً بأنه مصاب بـ"عقدة اليكسا"، احتجاجاً على قيام ذلك الموقع بسرقة خبر له. و"اليكسا" محرك بحث يبين الترتيب العالمي لأي موقع، بين أكثر من 40 مليون موقع، وفق قياس علمي معين. ويشرح لنا يامن حسين معنى "عقدة اليكسا" قائلاً بأن "ذلك الموقع السوري موضع التهمة، مهووس برفع أرقام البيانات الخاصة به في موقع اليكسا، ولو على حساب محتوى المواد المنشورة. فهو يضع عناوين مثيرة للأخبار الجنائية والسياسية وغيرها من الأخبار الأخرى. وتلك العناوين هي من صنف "صبي يعتدي على عجوز" أو "خربشة قط دفعت الزوج لقتل زوجته بعيارين ناريين" ويضيف يامن "يُذكرني هذا الموقع بالأطفال الذين يعتاشون على تصوير أخبار الجرائم من الصحف لبيعها منفردة بخمس ليرات في الكراجات، وينادون عليها بأصوات عالية: اقرأ "أم ساعدت زوجها على اغتصاب ابنتها"، ثم نكتشف أن الجريمة وقعت في هونولولو او الكونغو.. أو أن العنوان لا علاقة له بالقصة المعلن عنها، وما هي إلا جريمة جنائية عادية. هذه الظاهرة نفسها أخذت على المواقع الالكترونية شكلا آخر، وباتت لا تبيع الخبر بالليرات وإنما بالـ (Hits) أي "النقرات". فالمواقع عموماً، باتت مهمومة برفع عدد النقرات التي تحظى بها، وثمة بينها من يدفع الثمن من مصداقيته.

المعايير المراوغة في القياس

ريم الخضر، صاحبة موقع "داماس بوست"، تقول إن الـ (Hits) ليس معياراً زائفاً، لكنه لا يدل بدقة على أهمية الموقع. لأنه لا يقيس التصفح، وإنما مجرد الدخول. وكلما أكثرنا من العناصر المفعلة في الصفحات وطولنا طريقا للوصول إلى المحتوى زاد عدد النقرات. وهذا يمكن ان يحصل في التجول العابر والسريع دون قراءة ولا حتى الاطلاع على محتوى الصفحات. لذا فإن المعيار الأقرب إلى الصحة هو قياس نسبة تصفح الزائر (PAGES ) للصفحات الداخلية، وأيضا عدد الزوار. وتنبه خضر، إلى انه عادة ما يحرص أصحاب المواقع على التباهي بأرقام الـ (Hits) لأنها سهلة التسجيل وتصل أحياناً إلى المليارات. ومن الممكن جداً أن يحقق الموقع هذا الرقم الكبير مع نسبة تصفح ضعيفة.
الشاعر خلف علي الخلف، صاحب موقع "جدار" الثقافي قام بإعداد دراسة ماجستير عن الصحافة الإلكترونية، ورصد لعدة سنوات أشهر المواقع العربية، ويقول إن لدى موقعه عدد زوار ثابتا يتراوح بين 1500 ـ 2000 زائر. وهو رقم ضئيل، لكن نسبة التصفح أعلى من المعدل العالمي، فهي تتراوح بين 4 إلى 6 صفحات للزائر، وتصل أحياناً إلى 8 بينما النســبة في صحيفة كبرى كالغارديان هي 2,7 ، والمعدل العالمي يتراوح عند 4,2. وزيادة التصفح تتعلق بعوامل كثيرة، منها الترويج لبعض الموضوعات. ويشير خلف إلى أنه يقوم أحياناً بإرسال الموضوع الذي ليس عليه قراءات إلى القائمة البريدية التي تحوي حوالي ستة آلاف عنوان، أو أنه يعمم موضوعاً يراه مهماً. ويلفت إلى أن هناك صحفاً عربية كثيرة لديها عدد زوار ومقدار تصفح أكثر من الصحف العالمية الشهيرة. ويضرب مثلاً على ذلك "إيلاف" و"الشرق الأوسط" و"الأهرام". فـ"الأهرام" مثلاً متفوقة على "الغارديان"، ويعيد ذلك إلى كتلة المصريين المهاجرين الذين يتصفحون أخبار بلدهم في الخارج، ويقول إنه من خلال بحثه اكتشف أن 90% من كتلة المتصفحين العرب هم من المهاجرين، مما يفسر انخفاض نسبة التصفح صيفاً بنسبة 50% ، مع زيارة المهاجرين لبلادهم في العطلة السنوية، فشبكة النت أوجدت القارئ الثابت. فالذي يذهب في إجازة لا يحمل معه الكومبيوتر، مثلما يحمل جريدة أو كتاباً. لكن بالعموم، نسبة تصفح القارئ العربي عالية جداً، وتتراوح من 6 إلى 7 صفحات، بينما نسبة تصفح القارئ في العالم لا تصل إلى 3 بشكل عام.
المقاييس تتبدل بسرعة، وكذلك المفاهيم والقيم. وقد دخل العرب عالم النشر الإلكتروني وانخرطوا فيه، وباتوا يعرفون ألاعيبه ودهاليزه. وكثيرون من أصحاب المواقع والكتاب والصحافيين باتوا يستخدمون كل الحيل المتاحة لرفع نسبة قرائهم، دون أن ينشغلوا بالمصداقية. وجاء موقع "اليكسا" بما يقدمه من ترتيب للمواقع، وقياس لعدد زوارها ليزيد المهووسين هوسا والمتنافسن تنافساً، ويصبح عالم النشر الإلكتروني أشبه بمتاهة كبرى، على المشاركين فيها أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم، وتنظيم افكارهم، ليتبينوا الطريق. هنا تحقيق، يحاول ان يفهم كيف يعيش السوريون على الشبكة، وهم بذلك لا يختلفون عن غيرهم من العرب كثيراً.

التزوير الإلكتروني

لا شك في أن الاطلاع على هذه الأرقام يمثل إغراء لا يقاوم، ليس لأصحاب المواقع بهدف معرفة ترتيبهم وقياس درجة تطورهم أو تراجعهم بين المواقع الأخرى، بل يغري حتى مستخدم الانترنت العادي أو المتفاعل والكاتب، لتحديد رتبة موقعه الخاص أو المفضل ضمن قرية كونية تتسع لأكثر من أربعين مليون موقع. والأهمية تأتي من حكم الآخر لا من حكم الذات، وقد يصاب المرء بإحباط، إذا وجد يوماً موقعه وقد سجل تراجعاً أو أن محرك "اليكسا" فاجأه بأسهم هبوط حمراء، ومع أن تقديرات "اليكسا" تقريبية هناك من يشكك في مصداقيتها، ويقول إنه يعتمد على الزوار الذين لديهم في متصفحهم شريط أدوات اليكسا (تول بار)، وهي خدمة مجانية يقدمها الموقع تساعد على البحث وعلى معرفة البيانات وزيادة الأرقام. لذلك قام بعض مواقع المنتديات العربية بحملة لتعميم تحميل شريط أدوات "اليكسا" بهدف رفع ترتيب المواقع العربية. ويوضح احد زوار تلك المنتديات: إن اليكسا يعطي الترتيب العالمي حسب تصنيفه لأي موقع تزوره، بمعنى إذا دخلت موقعاً ووجدت ترتيبه فوق المليون وهو يقول إن زواره 20 أو 30 ألف شخص، فاعلم ان نصاب الترتيب غير دقيق 100% لكنه يعطيك تصوراً تقريبياً لترتيب المواقع.
بناء على هذه المعلومات، تقول ريم خضر بأن بيانات اليكسا غير مفيدة حتى كمقياس حقيقي لشعبية الموقع، بسبب محدودية مستخدمي شريط الأدوات، وأيضاً على حد علمها، يمكن تزوير ترتيبك إذا ركبت الشريط وزرت الموقع كثيراً، فهذا يؤثر في الترتيب المتدني، لكنه غير فعال لرفع موقعك لأكبر عشرة أو خمسة آلاف موقع في العالم. لذلك فإن البيانات الخاصة والسرية التي يسجلها برنامج الموقع هي الأصح وهي التي يجب اعتمادها لتطوير الأداء أو لدى إقناع المعلنين. ومع ذلك لا تنكر ريم تأثير تقييم اليكسا على أصحاب المواقع. وبالنسبة إليها، تتجنب قراءة بيانات موقعها خشية التأثر النفسي، فهي إما ستشعر بالإحباط إذا سجل هبوطاً، أو العكس سترتاح نفسياً إذا حقق ارتفاعاً، وفي الحالتين ستكون أسيرة له، دون أن تنفي قيامها بزيارته كل شهر أو شهرين.

التدخين والشوكولاته هما الحل

محرر في أحد المواقع الإخبارية رفض ذكر اسمه، تحدث عن رئيس تحرير الموقع الالكتروني الذي يعمل به، قائلاً بأنه يتصفحه يومياً، وإذا اكتشف أن احد المواقع المحلية المنافسة اقترب من ترتيبه يصاب بحالة من الجمود، فيغلق عليه باب المكتب ليدخن ويلتهم الشوكولاته، مفكراً بما يجب أن يفعله كي يزيد معدلاته، ويرد المحرر هذا التصرف إلى تعسر الحصول إعلانات، والمنافسة الشديدة بين المواقع عليها.
موقع اليكسا ومحركات البحث العالمية التي تقدم خدمات إعلانية، وضعوا المواقع الالكترونية أمام تحد خطير، هو التحدي ذاته الذي كانت تفرضه أرقام التوزيع والمبيعات على الكتب والصحف وشباك التذاكر في المسرح والسينما والغناء. فأنتجت تحت ذريعة "الجمهور عاوز كده" كميات هائلة من الرداءة قبل أن يصار إلى تصنيفها تحت بند الثقافة الاستهلاكية أو الأعمال التجارية (الصحف الصفراء، الكتب الشعبية، المسرح التجاري، سينما الشباك) مقابل الأعمال النخبوية الثقافية الجادة، حيث لكل نوع مكانته وجمهوره العريض القانع به. أما الانترنت، فإن تطورها السريع، لم يفسح في المجال بعد، لإيجاد معايير للتصنيف، بما ينصف المواقع والمجموعات العاملة فيها، وما زال المعيار التجاري بمعناه الإعلاني هو الأساس. فالانتشار الأوسع للموقع هو المقياس الوحيد للنجاح، بغض النظر عن عمق تأثير محتوى المعلومات. فعلى سبيل المثال يقول خالد سميسم، مدير تحرير موقع" سيريا لايف" الإخباري، إن خبراً مأخوذاً عن موقع الكتروني عربي حول وجود ستة أصابع في قدم هيفاء وهبي، حصل على أعلى نسبة تصفح بين العديد من المقالات الهامة والخاصة التي ينشرها الموقع، علماً أن الصورة المرافقة لخبر أصابع هيفاء، كان واضحاً أنها مزيفة.
كما تلاحظ هيام علي، رئيسة تحرير موقع "سيريا ستيبس" الإخباري الاقتصادي، أن أخبار الصحة والرياضة والمنوعات التي تنشرها من قبيل التنويع في أسفل الصفحة تحصد أعلى نسبة تصفح. وهي تستغرب اهتمام قارئ موقعها، وهو المفترض انه مهتم بالاقتصاد الإقبال على أخبار هيفاء، ولعل ذلك يعود إلى تعرض الفنانة لحادث طائرة، ومنع نقيب الفنانين لحفلاتها في سوريا وردها عليه .. إلخ. ومع أن نشر هذا النوع من الأخبار ينعكس ايجاباً على رفع مؤشرات التصفح والنقرات، إلا أن هيام لا تهتم بزيادة نسبتها في موقعها، لسبب بسيط أنها لا تعتمد على تلك البيانات في الترويج ولا في الحصول على الإعلان. بالنسبة للترويج، هي مصرّة على أن المحتوى الجيد والذي يهم القارئ المستهدف هو الأفضل لجذبه، أما الإعلان فتحصل عليه عن طريق الثقة والعلاقات مع رجال الأعمال من خلال نشر الأخبار والمعلومات التي تعنيهم، وبالتالي هم المعلنون وهم المستهدفون بالموقع كون الموقع موقعاً اقتصادياً.
خالد سميسم يرى أن القارئ يفضل العناوين المثيرة، لكن هذه لعبة خطيرة، فإذا لم يكن المحتوى على مستوى العنوان بالإثارة والتشويق والجدة، يفقد الموقع مصداقيته، ومن ثم يفقد قارئه. ويلاحظ خالد أن الموضوعات الأكثر قراءة هي الأخبار الساخنة التي تحرض القارئ على التفاعل والمشاركة في التعليق، وعادة تحصل حوارات حادة بين القراء، وهذا أكثر ما يروج للموقع.

القارئ العربي يعشق الفضائح

الشاعر خلف علي الخلف صاحب موقع "جدار" الثقافي، يقول ان الإحصائيات تجعلنا نتلمس ما الذي يريده القارئ، فإذا كان هدفي إعلانياً، أركز على المواضيع الأكثر قراءة. ومن خلال رصده ودراسته لموقع "إيلاف" الذي يحوز على أكبر نسبة زوار بين المواقع العربية الإخبارية إذ تتجاوز سبعين ألف زائر يومياً، لاحظ أن الأكثر قراءة فيه هو صفحة الرياضة. ويشير خلف إلى أن موضوعاً مثل فتوى "إرضاع الكبير"، حصد أعلى نسبة تعليقات على موقع تلفزيون "العربية"، حيث تجاوز الرقم 1370 تعليقاً، ما يُعّد سابقة. ويتابع خلف: يبين ذلك أن القارئ العربي ما زال يسعى إلى الأخبار الساخنة كالفضائح وأخبار الفنانات وما يتصل بالفتاوى الغريبة المثيرة للجدل، ولا شك أن لهذا تأثيراً سلبياً على النشر الالكتروني بدفعه باتجاه الصحافة الصفراء. لكن لا يجب إغفال أنه من الممكن العمل على جذب القارئ ورفع أرقام الإحصاءات دون الرضوخ لمزاج القارئ من خلال تقديم خدمات مجانية في المواقع. وهذا ما حاولنا تحقيقه في موقع "جدار"، فهو بالأساس موقع ثقافي نخبوي، يتطلب ترويجه كثيراً من الجهد، من خلال الرسائل البريدية والإعلانات وتقديم الخدمات. فقارئ النت ليس لديه ولاء، وإذا غاب الموقع لفترة ما لسبب فني وخلافه، سيضطر للبدء من جديد لدى عودته. وهذا حصل معنا بالنسبة لموقعنا الذي عاد بشكل جديد، فخسر الكثير من قرائه ونحن نسعى لاستعادتهم.

القراء يتلاعبون بالكتّاب

نسبة التصفح لا تعني صاحب الموقع والمعلن فقط، وإنما تؤثر على الكاتب والصحافي، وكثير من المواقع يظهر عداد القراءات إما إلى جانب العنوان في الصفحة الرئيسية، أو في أسفل المقال، وهنا مواقع تثبت المقالات الأكثر قراءة في أيقونة خاصة. خالد سميسم يعتبر إظهار عداد القراءات عمل خاطئ، كونه يوجه بشكل غير مباشر المستخدم لقراءة الموضوع الأكثر قراءة، وهذا قد يلحق الظلم بمواد أكثر أهمية لا تسجل قراءات عالية، كما أن الكاتب نفسه يتأثر بذلك. وسميسم يشعر بالفرح حين تسجل مقالاته أرقاماً عالية والعكس صحيح. فحين لا يثير خبر كتبه اهتمام القراء، يدفعه ذلك إلى إعادة النظر فيه، ويرد ذلك الى مشكلة ما في كتابته.
ولعل هذا ما يعبر عن الخطورة التي يشكلها تأثير الأرقام الإحصائية على المحتوى، حين يجد الكاتب نفسه في عالم النشر الالكتروني مضطراً لكتابة ما يجذب القراء، أو للدخول في لعبة رفع البيانات لتعزيز مكانته في عالم الكتابة والصحافة. فهناك من الصحافيين الشباب ممن يتقنون لعبة النت، فيجندون أفراد عائلتهم وأصدقائهم للدخول مئات المرات يومياً، بما يرفع معدل القراءة إلى الآلاف، وتمادياً في اللعب والعبث تضاف تعليقات بأسماء مستعارة فيها من المديح والثناء على الصحافي وطروحاته ما يجعله بمكانة أفصح فصحاء العرب. وفي ذلك قال أحد أصحاب المواقع في جلسة نميمة أن شريكه وكان صحفياً مبتدئاً تحول إلى أهم صحفي، فكلما كتب خبراً سجل عداده أكثر من أربعة آلاف قراءة إلى أن اكتشف أنه يعمم "لينك" مادته عبر البريد الالكتروني إلى معارفه وأخوته وأخواته وأقاربه وأصدقائهم ويناشدهم الدخول قدر ما يستطيعون ليزيد عدد القراءات، ويُشعر شريكه في الموقع بأهميته.

كاتبة خدعتها ابنتها

هذه الطريقة تنطوي على تضليل كبير، إذ ليس كل متصفح هو بالضرورة قارئ، مما أثار غضب كاتبة مخضرمة، غير مطلعة على خفايا النت ولعبة الإحصائيات، حيث اكتشفت أن ابنتها العاملة في شركة اتصالات هي السبب في زيادة عدد قراءات مقالاتها، لأنها تقوم بتوزيع لينك المقال على عناوين البريد الالكتروني الموجودة في الشركة والتي تقدر بالآلاف. وحصل شجار عنيف بين الأم والابنة، ففي حين كانت تعتقد الأم الكاتبة أن مقالاتها تلقى رواجاً اكتشفت أن لا فضل لها في ذلك، ولم تستطع تقدير مدى تأثيرها. أما رد الابنة فكان أنه أمر طبيعي فالانترنت هي ترويج أولاُ وأخيراً، ولو قرأ المقال 50% ممن ترسل إليهم بالبريد فهو أمر جيد لنشر أفكارها والحصول على قراء جدد، وأنهت الابنة كلامها بالقول: هذه خدمة مأجورة نقدمها لك مجاناً.
هذا الأسلوب يعتبر زيفاً وتضليلاً في نظر من لا يعترفون بأهمية الانترنت، وهم عادة من المنتمين لعالم النشر الورقي، إلا أن الفريق الآخر يعتبره وسيلة للفوز في ساحة مفتوحة على تنافس محموم لا يبرر الوسيلة وحسب، بل يعطيها الشرعية في لعبة جديدة لها قواعدها الخاصة عصبها الرئيس هو متلازمة "الانتشار والمال" ، بكل ما يمثله ذلك من تكريس لثقافة الاستهلاك ومن خطورة تهدد المعايير الثقافية الجدية والارتقاء الفكري الإنساني والأخلاقي، دون أن تعد بمعايير بديلة واضحة ونظيفة وسليمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رأي خبير : لا يمكن الوثوق بـ«أليكسا» ومن السهل التلاعب بـ«الهيتس»

فايز معراوي
استشاري في تقنيات الإنترنت

موقع اليكسا مملوك حالياً من قبل شركة «أمازون دوت كوم» المعروفة، ويعتمد عليه لقياس شعبية المواقع لدى شريحة محددة من المستخدمين. إذ أن اليكسا يقوم بجمع المعلومات من خلال تتبع زيارات المستخدمين الذين قاموا بتركيب شريط أدوات اليكسا في مستعرضهم. وصحيح أن عدد هؤلاء المستخدمين قد يصل إلى بضعة أو ربما عشرات الملايين، ولكنهم في النهاية لا يمثلون سوى شريحة محددة من المستخدمين ولا يعبرون أبداً عن الصورة الكاملة لمستخدمي الإنترنت، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار العوامل الجغرافية والديموغرافية لتلك الشرائح، والتي تجعل نسبة الوثوقية في نتائج اليكسا تختلف بشكل كبير من بلد لآخر ومن لغة لأخرى، وهكذا.

مصطلح «نقرة» لا يعبر عن «الهيتس»

مصطلح «النقرة» لا يعبر بشكل دقيق عن كلمة «هيتس» الإنجليزية، ولعل من الأفضل استخدام مصطلح من قبيل «معدل الطلب»، لأن الهيتس في الأساس هو عدد الطلبات لكل عنصر في كل صفحة من صفحات الموقع. لنفرض مثلاً أن صفحة في موقع ما تحتوي 20 صورة، وترتبط بملفي أنماط (CSS)، وتستخدم ثلاثة سكريبتات تقوم بتحميلها من ملفات منفصلة، وتعرض 4 إعلانات فلاش، وملفاً موسيقياً في الخلفية، فإن صفحة كهذه تسجل عند كل زيارة لها ما مجموعه 31 هيت. الهيت الزائدة في هذا المجموع هي تلك الخاصة بالصفحة ذاتها والتي يتم تسجيلها حتى لو خلت الصفحة من أي عنصر خارجي.
والتلاعب برقم الهيتس أمر سهل، وأبسط الطرق هي في حشو مجموعة ضخمة من الصور «الشفافة» في الصفحة بحيث تولد كل منها هيت إضافية. أما التلاعب في معدل التصفح فهو أيضاً ممكن من خلال برمجيات بسيطة تقوم بإرسال طلبات متتابعة للموقع. ولكن بما أن هذه الطلبات ستصل إلى الموقع من عنوان «آيبي» واحد، هو عنوان «السيرفر» الذي تعمل انطلاقاً منه، فإن هذا سيعني زيادة كبيرة في معدل التصفح دون زيادة في عدد الزوار. لذا فمن الأفضل الاهتمام بنسب الأرقام بعضها لبعض وليس بالأرقام المجردة. فعندما تكون نسبة معدل تصفح موقع إلى عدد الزوار تبلغ 100 مثلاً نعلم أن هنالك تلاعباً، لأن الزائر الذي يقرأ مائة صفحة وسطياً، من أي موقع هو زائر وهمي ولا شك.
لذا فإن معدل الطلب أو الهيتس لا يصلح للاستخدام في التعبير عن شعبية الموقع لأنه مرتبط بتصميم الصفحات أكثر مما هو بنشاط تصفحها. وهو يستخدم في الأساس لقياس معدل الضغط على المخدم (السيرفر) لتقدير مواصفاته المطلوبة. أما بالنسبة لنشاط الموقع، فإن لزيادة معدل الطلب تأثيراً سلبياً في معظم الأحيان، إذ كلما ازدادت نسبة «الهيتس» إلى التصفح (أو عدد الصفحات المزارة) كلما عبر ذلك عن صفحات ثقيلة مليئة بالعناصر، مما يعني بالنتيجة صفحات بطيئة في التحميل ومحشوة بشكل غالباً ما يبعد الزوار عن العودة إليها!

معدل «التصفح» الأكثر تعبيرا

بالنسبة لمعدل «التصفح» يقصد به عدد الصفحات المزارة في الموقع. وهو في الواقع الرقم الذي يؤثر بشكل مباشر في الإعلان، إذ أن ما يهم المعلن هو عدد المرات التي عرض فيها إعلانه وعدد المرات التي تم فيها النقر على ذلك الإعلان. وفي حين يعبر معدل التصفح بشكل مباشر عن عدد مرات عرض الإعلانات فإن معدل الطلب أو الهيتس لا يعني في هذا الصدد أي شيء، وليست له أية قيمة مباشرة. إلا أن أصحاب المواقع يحبذون استخدامه للترويج لمواقعهم بين المعلنين، غير أن هذا لن يبقي المعلنين حتى لو جلب بعضهم لفترة، لأن المعلن سيلاحظ في النهاية كيف تم خداعه، حين يطلع على معدلات عرض إعلانه، ونتائج الإنفاق على ذلك الإعلان. في حين هنالك مجموعة كبيرة من العوامل المساعدة للحصول على الإعلان، ومنها الشريحة المستهدفة والتي يجب أن تتوافق مع الشريحة المستهدفة بمحتوى الموقع. فالذي ينقر على الإعلان هو زائر وجد فيه ما يهمه.
كما أن عدد الزوار وعدد الزيارات هو خير ما يعبر عن حجم القراءة، والفرق بينهما أن عدد الزوار في فترة معينة هو عدد عناوين الآيبي المختلفة التي أتت زيارات الموقع منها. أما عدد الزيارات فهو مجموع عدد زيارات جميع الزوار في نفس الفترة ، ونسبة عدد الزيارات إلى عدد الزوار تعبر عن مدى ولاء زوار الموقع إذ أن زيادته تعني أن زواره يعودون إليه مراراً وتكراراً.

مؤشرات إضافية

أما الرقم الأكثر أهمية بالنسبة لجودة وأهمية وتميز محتويات الموقع هو نسبة التصفح إلى الزيارات، فإذا كانت هذه النسبة في شهر ما 4 مثلاً فإن هذا يعني بأن كل زائر قرأ وسطياً في كل زيارة 4 صفحات، وزيادة هذا المعدل من شهر لآخر تعبر عن تطور في جودة محتوى الموقع. وهناك برامج إحصائية تعطي مؤشراً إضافياً وهو معدل البقاء في الموقع. وهو الزمن الذي يقضيه كل زائر في الموقع بشكل وسطي، وهو مؤشر تقريبي، ولكن له دلالات مهمة. فلو وجدنا مثلاً أن 60% من الزوار يقضون أقل من 30 ثانية في الموقع، فهذا يعني أن 60% من زوار الموقع لا يجدون في الصفحة الأولى ما يشدهم لمتابعة التصفح، وهو بالطبع أمر سيء.

إظهار عداد القراءات «زعبرة»

وفي ما يخص إظهار عداد القراءات بجانب الخبر فإنه يحط من مستوى الموقع ككل ـ في رأيي الشخصي ـ لأنه يعني أن الناشرين هواة وليسوا محترفين ـ ولا نجد شيئاً كهذا في موقع «الجزيرة نت» أو «بي.بي.سي» أو«سي.إن.إن»... إلخ، ولا في أي موقع احترافي.
فقد يكون لنشر هذه الأرقام تأثير سلبي، إذ أن رقماً متدنياً بجانب خبر ما قد يدفع الزائر لأن يفقد اهتمامه بقراءة ذلك الخبر، بنفس الطريقة التي قد يدفع فيها رقم مرتفع قارئاً غير مهتم لقراءة الخبر المتعلق. ولكن ما قيمة ذلك إن كان هذا القارئ أصلاً غير ذي اهتمام وأنه لم يقرأ الخبر إلا بدافع الفضول؟
وفي كل الأحوال فإن هذه الأرقام يجب أن تبقى دوماً «وسيلة» لتقييم جودة الأداء، ولا يجب أن تتحول أبداً إلى «غاية» بحد ذاتها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الصينيون يحتالون أيضاًَ

في عام 2004، وقع زو رنغين صاحب موقع، ten.szyy، أحد أكبر مواقع شراء سلع الصيدلية على الشبكة في الصين، عقدا عبر وكيل للمبيعات للانتساب إلى Baidu. وهو أهم محرك للبحث في الصين ومنافس للعملاقين الأميركيين Yahoo وGoogle. وقد أراد زو أن يكون في صدارة كل قوائم نتائج البحث.

وقد أدرج Baidu موقع زو في نتائج البحث ووضعه بين الارتباطات الدعائية. وفي المقابل، دفع زو لـ Baidu مبلغا يُحدد بحسب عدد النقرات التي تجرى لزيارة موقعه.

لكن في أحد الأيام، لاحظ زو أن المبالغ التي يدين بها لـBaidu قد ارتفعت بشكل مفاجئ. ومن خلال استخدام برنامج تعقب، وجد أن نحو 70 بالمائة من زوار موقعه قدموا عبر موقع واحد: موسوعة على الإنترنت، اسمها Baidu Knows، يرعاها ذاك المحرك. وبما أنه لم يكن هناك أي وصلات خاصة بموقع زو على موقع Baidu، خلص زو إلى أن النقرات كانت ضرب احتيال، وأنه يتم توليدها عبر برنامج لتضخيم نفقات التسويق. وفي شهر سبتمبر (ايلول)، رفع زو دعوى قضائية متهما Baidu بالغش في نظام النقرات.


عن مجلة «نيوزويك» الاميركية

عن الجمل
(13)    هل أعجبتك المقالة (15)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي