أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"قبة باعوث" في "المالكية".. من مقام مزعوم للإيرانيين إلى مقبرة لـ"ب ك ك"

تقع "قبة باعوث" على بعد حوالي 8 كم من مدينة "ديريك" (المالكية)

منذ بسط الإيرانيون سيطرتهم على عدد من المدن والمناطق شرق سوريا سعوا للاستيلاء على العديد من الأماكن والمعالم الدينية بهدف إثبات موطئ قدم لهم وتوطين الميليشيات الشيعية التي استقدموها للقتال إلى جانب "نظام الأسد".

ومن هذه المعالم القبة المنسوبة زوراً إلى الإمام "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه، والمعروفة باسم "قبة باعوث" وتقع على بعد حوالي 8 كم من مدينة "ديريك" (المالكية) على يمين الطريق الواصل بينها وبين "عين ديوار" ويربطها بالطريق العام طريق فرعي معبّد.

وأشار المؤرخ "بهجت أحمد" لـ"زمان الوصل" إلى أن الرواية المتداولة حول هذه المكان تربطه برابع الخلفاء الراشدين "علي بن أبي طالب"، كرم الله وجهه، وأنه أثناء مروره في المنطقة توضأ من الساقية ولكن الحقيقة -كما يقول- أن الإمام علي الذي يُسمى عند الكورد "علي شير" لم يمر في منطقة "الجزيرة"، كلها ولم يكن مروره من ما يسمى اليوم محافظة الحسكة بل من منطقة "البوكمال" إﻻ مرة واحدة أثناء قيادته لجيشه المكّون من أكثر من 137 ألف مقاتل لمواجهة قوات والي الشام آنذاك "معاوية بن أبي سفيان" في "صفين" في محافظة الرقة حالياً، وكان ذلك -حسب قوله- عام 37 هـ، حين نشبت حرب ضروس بينهما انتهت باتفاق على إنشاء لجنة من الطرفين لحل الخلاف بعد أن زاد عدد القتلى من الطرفين على 70 الفاً، ولكن لم يشر أي مصدر أو مرجع إلى أن الإمام علي قد توقف في المنطقة، وإنما هي مجرد روايات متداولة بين عامة الشعب. 

وفنّد المؤرخ المهتم بتاريخ المنطقة رواية أخرى تقول إن علياً دفن في هذا المكان وإن الجمل قد حُمل جسده إلى أن استقر في هذا المكان، مشيراً إلى أن هذه الرواية ﻻ أساس لها من الصحة، وفيها الكثير من اللغط التاريخي، وذلك أن المصادر ومنها "الطبري" تؤكد أن علياً قد ضرب بسيف من "عبد الرحمن بن الملجم" وتوفي في اليوم التالي لطعنه، ومرقده في "الروضة الحيدرية" في "النجف"، والذي يعتبر من أهم المزارات عند المسلمين الشيعة، وكان ذلك عام 661 م (رغم أنه حتى يومنا هذا هنالك خلاف حول مكان دفن الإمام علي كرم الله وجه).

وأبان محدثنا أن القبر المشار إليه في موقع "قبة باعوث" هو قبر وهمي، مؤكدا أنه قبل فترة الستينيات لم يكن لهذه القبة التي تضم القبر المزعوم أي وجود، إنما هي بناء مستحدث بُني في العام 1961 بعد أن استغاثت امرأة بصاحب القبر، فكلف الشيخ "ابراهيم حقي" ببناء القبة، فهي ليست مرقداً يكتسب صفة تاريخية، مضيفاً أن هنالك مكاناً آخر في قرية "علي بدران" يحمل اسم "قبة علي شير".

وأعرب محدثنا عن اعتقاده بأن القبر المسمى "كجا كزي" هو المكان الذي كان التجار وعشائر الكوجر يُودعون أموالهم فيه قبل توجههم إلى "زوازنا" وربما يعود تاريخ قبر "كجا كزي" إلى ما قبل الديانات اﻻبراهيمية.

وحول أسباب تسمية القبة بـ"باعوث" أشار "أحمد" إلى أن الاسم يُنسب لأحد القديسين الذين قتلوا على يد "شابور ذو الأكتاف" بعد أن كان له دور في نشر المسيحية بين الفرس والكورد.

ويذكر اﻻب الفرنسي "جان فييه" أن "شابور" قد بنى مدينة سماها على اسمه لمراقبة التحركات الرومانية وحماية طريق الحرير، ومنع انتشار المسيحية أﻻ وهي مدينة بيشابور (تعتبر البوابة الحدودية مقابل معبر سيمالكا في ديريك)، ولكن "جان فييه" لم يربط بين المكان باعوث والقديس "باعوث".

وأردف أن "هناك قديسة أيضاً باسم "باعوث" لعبت دوراً في نشر المسيحية، وﻻ سيما في مناطق الكورد". 

"بهجت" أشار إلى أن أهم الجوانب المجهولة في المكان "قبر كجا كزي" الذي يعتبر من أقدم الأماكن في "باعوث"، حيث كانت هنالك شاهدة على قبرها من الحجر الكلسي الأبيض مرسومة عليها صورة جديلة (كزي).

وأشار أحد المستشرقين إلى أن منطقة بلاد الرافدين كانت أهم المناطق التي تبنت فكرة عبادة الأم، وتبوأت المرأة مكانة مهمة في الممالك والدول التي حكمت المنطقة منها كويا السومرية حاكمة كيش (2420ق.م) وكذلك نفرتيتي الميتانية و"نقية" الآرامية زوجة الملك سنحريب وكذلك "سمير اميس".

ولكن قبر "كجى كزي" تعرض للنهب في أواخر الثمانينيات من قبل لصوص الآثار وأشيع حينها أن الآثار قد أخذت إلى روسيا، وكان يحيط بالقبر سور من الحجارة السوداء البازليتة، ولكن هؤلاء اللصوص حرموا شعب "ديريك" من كنز حضاري مهم كان سيكشف الكثير من الحقائق، وخصوصاً أن هنالك مكاناً في قرية "تلدار" أخذ نفس الاسم "كجا كزي".

في عام 2009 وبعد موجة تشييع اجتاحت منطقة "الجزيرة" محافظات دير الزور والرقة والحسكة رأت إيران أن تتخذ مسألة المراقد وسيلة جديدة لفرض هيمنتها. وروى ناشط، فضّل عدم ذكر اسمه، لـ"زمان الوصل" أن بعثة إيرانية أتت إلى "قبة باعوث" وإلى مزار آخر في منطقة "المالكية" يسمى مزار "علي بدران" وادعت أنهما مرتبطان بـ"علي" رضي الله عنه، وكانت على أهبة وضع اليد عليهما، لكن قيام الثورة السورية المباركة أجل هذا المشروع.

ولفت المصدر إلى أن القبة لا زالت موجودة، ولكن القرية مهجورة منذ زمن بعيد، وهي تابعة للأوقاف في مدينة "المالكية"، حتى اليوم وتم إنشاء مقبرة باسم الشهيد "خبات" على أطراف القبة، وحولت قوات "ب ك ك" المكان المحيط بالقبة لاحقاً إلى مقبرة لعناصره.

فارس الرفاعي - زمان الوصل
(18)    هل أعجبتك المقالة (16)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي