أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بداية مبكرة لمسلسل الفضائح في إدارة أوباما

تعرضت الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة الرئيس باراك أوباما في الفترة الأخيرة إلى عدد من الضربات القوية، التي وضعت كثيرًا من علامات الإستفهام حول مصداقية الرئيس الأميركي الجديد، ومدى اتساق أفعاله ـ عقب تنصيبه رئيسًا للبلاد في العشرين من يناير الماضي ـ مع الوعود التي قطعها على نفسه أثناء حملته الانتخابية، بجلب التغيير للساحة السياسية الأميركية، التي تعاني كثيرًا من المشكلات والفساد. هذا الاتجاه في التغيير كان محور حملته الانتخابية التي جاءت تحت شعار "التغيير الذي يمكن أن نؤمن به"، ولكن يبدو أن هذه الوعود ـ كما يرى البعض ـ قد تذهب أدراج الرياح خاصة بعد انسحاب عدد من الشخصيات التي كان أوباما قد قام بتسميتها لتشغل مناصب رفيعة في الإدارة الجديدة، بعد توجيه عدد من الاتهامات المتعلقة بسجل هذه الشخصيات الضريبي أو اتهامات بالفساد.

انسحاب مرشحي أوباما

بدأ انسحاب مرشحي أوباما للمناصب الرفيعة في إدارته بحاكم ولاية نيو ميكسكو ، بيل ريتشاردسون ، والذي أعلنه أوباما مرشحًا لشغل حقيبة وزارة التجارة في إدارته في يناير الماضي. حيث يواجه ريتشاردسون اتهامات بالفساد والرشوة، على خلفية أحد التعاقدات التي وقعتها الولاية والتي يشغل منصب حاكمها مع أحدد الممولين الأساسين له، ولذلك أعلن حاكم نيو ميكسكو انسحابه من الترشيح، وسمى أوباما بدلاً منه السيناتور الجمهوري عن ولاية نيو هامبشير جود كريغ ، ولم يسلم هذا الترشيح أيضًا من ملاحقات واتهامات وجهت لكريغ ، باتفاقه سرًّا مع حاكم الولاية الديمقراطي على ترشيح أحد الأشخاص المنتمين للحزب الجمهوري ليحل محله في مجلس الشيوخ.

وفى ضربة قوية أخرى أعلن توم داشل المرشح لشغل منصب وزير الصحة والخدمات الإنسانية عن انسحابه من الترشح لهذا المنصب، على خلفية مشاكل ضريبية، حيث بلغ إجمالي المبالغ التي لم يسددها داشل حوالي 130 ألف دولار، كما يواجه داشل أيضًا اتهامات بإمكانية وجود تعارض وصراع للمصالح إذا شغل هذا المنصب، حيث كان قد تلقى بعض المبالغ النقدية مقابل عدد من المحاضرات والأنشطة التي قام بها في عدد من المؤسسات العاملة في مجال الرعاية الصحية.

وهناك أيضًا نانسي كليفير ، المرشحة لمنصب مدير مكتب الأداء ، هذا المنصب الذي كان قد استحدثه أوباما للإشراف على الميزانية وإصلاح الإنفاق في إدارته الجديدة، وقد شغلت كليفير منصب وزير الخزانة في السابق، وأعلنت هي الأخرى انسحابها من الترشيح لهذا المنصب على خلفية مشاكل ضريبية، حيث لم تسدد بعض الضرائب المستحقة عليها.

أما تيموثى غيثنر والذي نجح بالكاد في الحصول على موافقة مجلس الشيوخ على تعيينه وزيرًا للخزانة في الإدارة الجديدة، ما يزال يتعرض لكثيرٍ من الانتقادات بسبب عدم دفعه للضرائب على الدخل والتي كانت مستحقة على الأموال التي تلقاها أثناء عمله في صندوق النقد الدولي منذ عام 2001 ولمدة ثلاث سنوات تالية، الأمر الذي جعل أكثر من ثلث أعضاء مجلس الشيوخ يصوتون ضد تعيينه لهذا المنصب.

وأخيرًا هناك وليام جى لين ، والذي رشحه أوباما لمنصب نائب وزير الدفاع، والذي كان يشغل أحد الوظائف في وزارة الدفاع في السابق، وعمل على مدار العامين الماضيين كعميل لأحد جماعات الضغط ، التي تتعامل معها وزارة الدفاع الأميركية، وجاء قرار الرئيس أوباما بتسمية لين مخالفًا للأمر التنفيذي الذي كان قد أصدره منذ وقت قصير، من أجل الحد من تأثير نفوذ جماعات الضغط على طريقة عمل الحكومة الأميركية، وبالرغم من ذلك ما يزال أوباما مصرًّا على استكمال عملية تعيين لين في هذا المنصب، وبالتالى فإن هذا الترشيح ما يزال يثير كثيرًا من الانتقادات، من جانب الذين يرون أنه يتناقض مع وعود أوباما بإغلاق كافة الأبواب الخلفية، التي يمكن أن تنفذ منها جماعات الضغط إلى داخل دوائر صنع القرار الأمريكي في عهد ولايته.

أين شعار التغيير الذي نادى به أوباما؟

وفي إطار الاهتمام الإعلامي بتلك القضية أعد لينتون ويكس على راديو NPR تقريرًا أكد فيه أن الشيء المفاجئ بالنسبة لهذه التطورات هو أن أوباما خاض حملته الانتخابية اعتمادًا على قدرته على إرساء قواعد الشفافية داخل الحكومة الأميركية وجلب التغيير إلى العاصمة الأميركية. وأورد التقرير مقتطفات من خطاب أوباما الذي ألقاه في الثاني والعشرين من شهر سبتمبر 2008 في Green Bay، والذي قال فيه: "يجب أن نغيّر واشنطن، ولابد من إعادة صياغة القواعد والإجراءات التنظيمية، وتغيير سياساتنا وحكوماتنا"، مضيفًا "كما أننا لا يمكن أن نأتي بهذه التغييرات في السياسات المطبقة في الوقت الحالي. في ظل وجود مجموعة من السياسيين وأصحاب المصالح الخاصة الذين لهم أجندتهم الخاصة، وتمكنهم هذه القواعد المطبقة حاليًّا من فرضها".

ومن جانبه لفت ويكس Weeks الانتباه إلى أن السؤال الآن الذي يدور في أرجاء واشنطن هو هل من الممكن أن يتمكّن باراك أوباما من أن يجد أشخاصًا ذوى كفاءة وملتزمين ليشكلوا القوام الأساسي لإدارته الجديدة؟ وأكد التقرير أن خيارات أوباما لشغل بعض المناصب في إدارته، والتي أثارت جدلاً كبيرًا، لم تكن سابقة هي الأولى من نوعها بالنسبة لرئيس جديد، بل إنَّ هناك كثيرًا من الرؤساء الأمريكيين السابقين الذين تعرضوا لمواقف مشابهة لتلك التي يواجهها أوباما في الوقت الحالي، فالرئيس الأسبق بيل كلينتون كان قد اختار كلاًّ من زوى بيرد وكيمبا وود لشغل منصب المدعي العام في إدارته، ولكنَّ المرشحين كليهما انسحبا. كما رشّح الرئيس جورج بوش دبليو بوش ليندا شافيز لشغل منصب وزيرة العمل في إدارته، ولم يفلح أيضًا هذا الترشيح.

هل يمكن التغاضي عن هذه الأخطاء؟

وعلى الجانب الآخر استضاف برنامج Larry King Live الذي يقدمه لارى كينغ على شبكة CNNعددًا من المحللين والخبراء للحديث حول هذا الأمر، فمن جانبها أكدت جينفر بالميرى العاملة في مركز التقدم الأميركي على أنه بالرغم من أن أوباما اعترف أنه كان من الممكن أن يؤدى بصورة أفضل من ذلك في اختياراته، إلا أنها أشارت إلى أننا يجب أن ننظر إلى الأمر بصورة أوسع، فلم تمر إلا أيام قليلة على تنصيب أوباما رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه في هذه الفترة الوجيزة اتخذ عديدًا من الإجراءات الهامة الفعالة في طريق تنفيذ وعوده الانتخابية، فقد صدّق على قانون والذي يطالب المؤسسات بأن يتساوى الرجال والنساء فيما يتقاضونه من أموال ورواتب في المؤسسة ذاتها إذا كانوا يقومون بالمهام ذاتها دون أي تفرقة، ثم وقَّع على قانون برنامج التأمين الصحي للأطفال ، فضلاً عن إعلانه إغلاق معتقل غوانتانامو خلال عام، إذن هو يمتلك إدارة قوية بكل المقاييس، استطاعت أن تقدم بداية قوية في أول فترات عملها داخل البيت الأبيض.

أما باى بيوكانن رئيس منظمة - وهى عبارة عن منظمة تعليمية أنشأت في عام 1993 هدفها الأساسي تنمية القيم الأميركية التقليدية المحافظة التي تدور حول مجموعة من المبادئ مثل السيادة الوطنية والقوة الاقتصادية والحكومة الصغيرة والحريات الفردية - فقد شدد على أن الأخطاء التي وقع فيها أوباما في خياراته هذه قد أضرته كثيرًا، ففي الوقت الذي أكد فيه الرئيس الجديد أنه وضع معايير صارمة على أساسها يختار الطاقم المعاون له، والذين من خلالهم سوف يجلب التغيير إلى واشنطن، إلا أن الواقع أكد أن أفعال أوباما لا تتسق مع هذه المعايير التي قال إنه وضعها لنفسه.

ففي أقل من شهر بعد تنصيبه نجده قد قام بتعيين أكثر 17 عضوًا عاملاً في جماعات ضغط ، في تعارض واضح وصريح مع أمره التنفيذي المتعلق بتخفيف تأثير مثل هذه الجماعات على عمل الحكومة، وتساءل بيوكانن كيف يقول شيئًا ثم يفعل شيئًا آخر، ومن ثَمَّ فإن هذا الأمر يضرب بمصداقيته عرض الحائط.

هذه أخطاء، ولكن هناك ما هو أهم منها

أما برنامج World News الذي يقدمه شارلز غيبسون على شبكة ABC فقد استضاف الرئيس الأمريكي باراك أوباما للحديث عن هذه الفترة الصعبة التي تعيشها إدارته الوليدة في الوقت الحالي، والذي من جانبه أكد أنها فترة حرجة وصعبة جدًّا وأنه يتحمل المسئولية عن هذا الموقف وتداعياته، ولكنه في الوقت ذاته أكد أنه يجب التركيز الآن على المشاكل الصعبة التي تواجهها الولايات المتحدة مثل الأزمة الاقتصادية والرعاية الصحية، وأن هذا ما كان يبتغيه عندما اختار أعضاء إدارته الجدد، فقد اعتبر أن داشل هو أفضل الأشخاص لتولي مسئولية الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، فهو القادر على إصلاح نظام الرعاية الصحية، وتمريره من خلال الكونجرس، وهو الإجراء الأكثر صعوبة بالنسبة لهذا الأمر، ولذلك أعلن الرئيس عن أسفه الشديد لقرار داشل بالانسحاب وعدم رغبته في استكمال عملية تعيينه في هذا المنصب.

ومن ناحيته أكد غيبسون أن المشكلة ليست في منصب وزير الصحة توم داشل بمفرده فهناك ثلاثة مرشحون آخرون رفيعو المستوى لهم مشاكل ضريبية أيضًا، فماذا يعنى هذا بالنسبة لمسئولية أوباما عن هذه الترشيحات؟ فأكد أوباما أنها تعني الجانب السلبي بالطبع، ولكنه يرى أن هذه المشاكل والأخطاء وقعت من جانبهم ولكن بحسن نية، إلا أنها لا يمكن أن تكون أخطاء مبررة كما يقول أوباما، وفى الوقت ذاته لا يمكن أن تكون هناك مجموعتان من القواعد يتم الرجوع إليهما، فهي معايير واحدة تطبق على الجميع.

وهنا تساءل غيبسون أنه إذا كانت هناك معايير واحدة تطبق على الجميع، فما دلالة شغل تيموثى جيثنر منصب وزير الخزانة، والذي تم تمرير تعيينه من مجلس الشيوخ بصعوبة كبيرة، رغم أن لديه المشاكل الضريبية ذاتها التي دفعت داشل وغيره إلى الانسحاب من الترشيح، فشدد أوباما على أن كل فرد يتحمل نتيجة أخطائه، وأنه بالفعل كانت هناك مشكلات ضريبية مع غيثنر ، ولكن بصفة عامة تم وضع معايير صارمة للاختيار. وبالنظر إلى الأحوال الحالية التي تتطلب تعيين كثيرًا من الأشخاص في وظائف مختلفة، فإنه من الوارد أن تحدث بعض الأخطاء، وأن هذا ما سيركز عليه الشعب، ولكن يجب ألا تأخذ هذه الأخطاء أكثر من حجمها الطبيعي، لأنه من المنطقي الآن أن يتم التركيز على المشكلات الكبرى التي تواجه الأمريكيين، فهناك الملايين الذين فقدوا وظائفهم نتيجة الأزمة الاقتصادية، وأكد أنه غاضب بشدة من هذه المشكلات المتعلقة ببعض ترشيحاته ولكنه سوف يعمل على حلها في أقرب وقت ممكن.

 

تقرير واشنطن
(12)    هل أعجبتك المقالة (13)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي