أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"المُسحراتي" شخصية تراثية وتقليدٌ سنوي يتحدى الحداثة في القلمون الشرقي

يقوم الأهالي في نهاية شهر رمضان بمعايدة "المُسحِّر" كلٌ حسب استطاعته المادية

يحظى "المُسّحراتي" بمكانة هامة لدى أبناء منطقة القلمون الشرقي بريف دمشق، لما له من دورٍ كبير في العمل على تنبيههم وإيقاظهم طيلة ليالي شهر رمضان، ليتسنى لهم تحضير وجبة السحور، ثمّ التوجه إلى المسجد لأداء صلاة الفجر، ومع التطور البشري وحياة التمدن في المنطقة أضحى "المُسحِّر" جزءاً رئيسياً من تراث وعادات هذا الشهر.

في هذا الشأن قال "ياسر مصطفى" موظفٌ حكومي متقاعد من أبناء منقطة القلمون الشرقي، في تصريح خاص لـ"زمان الوصل" إن شهرة "المُسحراتي"، أو "المُسحِّر" تأتي من كونه أحد التقاليد الشّعبية الرمضانية المهمة التي لا يمكن أن يكتمل شهر رمضان بدونها، وبالنسبة لأبناء منطقة القلمون الشرقي فإن شخصية "المُسحراتي" ما تزال تحافظ حتى الآن على طابعها المعهود في إيقاظ الناس من نومهم خلال فترة السحر. 

وأضاف أنه وعلى الرغم من الحداثة وظهور الأجهزة الذكية والمنبهات القادرة على إيقاظ الناس، إلا أن أبناء المنطقة يفضّلون سماع طبلة وصوت "المُسحراتي" في ليالي رمضان، فيما يسارع الأطفال بالخروج من منازلهم أو يطلّون من النوافذ لحظة مرور "المُسحِّر"، ليبادلونه التحية والتهنئة بقدوم شهر رمضان، ولرؤيته وهو يمسك طبلته. 

حسب "مصطفى" فإنه لا يمكن مقارنة نغمات الرنين الصادرة عن أجهزة الهواتف النقالة أو غيرها من المنبهات الإلكترونية الأخرى، مع صوت طبلة "المُسحِّر" المصحوبة بالعبارات التي يرددها أثناء تجواله بين أزقة المدينة وحاراتها الرئيسية والفرعية، والتي تتميز بأنها ذات طابع روحي وديني يترك وقعاً خاصاً في نفوس أبناء المنطقة.

يبدأ "المُسحِّر" "أبو موسى" وهو اسم مستعار لأحد "المُسحرين" في منطقة القلمون الشرقي، جولته الليلية المعتادة قبل موعد الإمساك بساعتين، وتراه يجوب أحياء مدينته دون كللٍ أو ملل، مردداً عباراته المعهودة: "يا نايم وحّد الدايم" و"يا نايم وحّد الله"، المصحوبة بأنغام طبلٍ معلقٍ في رقبته يتدلى إلى صدره، يقرع عليه بعصاةٍ صغيرة، حيث يستمر على هذه الحال لمدة 30 يوماً.

وحول عمله الرمضاني السنوي قال "أبو موسى" في حديث لـ "زمان الوصل": "تطوعت لتنفيذ هذه المهمة مرضاة لله، وحباً فيها من جهة، ورغبةً مني في منع اندثار هذا التقليد المتوارث عن الأجداد من جهة ثانية، حيث اعتدت مع بداية شهر رمضان من كل عام على تنبيه الصائمين عبر ترديد العبارات التي تُذكرهم بتقوى الله وتحثهم على ترك النوم والنهوض لتناول وجبة السحور وأداء صلاة الفجر.

وأضاف "تبدأ جولتي في تسحير الناس اعتباراً من الساعة الواحدة وحتى الثالثة ليلاً، ألقى خلالها بعض العائلات التي تُقدِم لي الطعام والشراب أو الحلويات، في حين تقوم عائلاتٌ أخرى بدعوتي لأخذ قسطٍ من الراحة وتناول كوبٍ من الشاي الساخن".

أشار "أبو موسى" إلى أنه كان يضطر في الفترة الماضية إلى البقاء في منزله في أوقات حدوث أي انتهاكات على المنطقة من قبل قوات النظام، كما أن عمله اقتصر على بعض الأحياء الرئيسية داخل مدينته، مبتعداً عن الأحياء المجاورة للقطع العسكرية إما لخلوها من قاطنيها أو خوفاً من تعرضه لإطلاق النار من قبل عناصر النظام.

ونبّه أيضاً إلى أن بهجة رمضان لهذا العام خف بريقها كثيراً عمّا كانت عليه خلال الأعوام السابقة، ولاسيما لدى العائلات التي باتت تفتقد لأبنائها على موائد الإفطار، والذين تفرقوا بين من قضى أو اعتقل، أو من المهجرين الذين أجبرهم النظام على المغادرة قسراً إلى الشمال السوري، تنفيذاً لاتفاق "المصالحة" الأخير الذي جرى التوصل إليه في المنطقة.

تبقى بهجة الأطفال وتعلقهم بشخصية "المُسحِّر" من أجمل اللحظات التي يصادفها "أبو موسى" في عمله، إذ لا يكتفي الأطفال بمصافحته والتقاط الصور التذكارية معه فحسب، بل إنّ كثيراً منهم ولقاء منحه بعض النقود يطالبونه بأن ينادي على أسمائهم أو خوض تجربة النقر على الطبل الخاص به.

يقوم الأهالي في نهاية شهر رمضان بمعايدة "المُسحِّر" كلٌ حسب استطاعته المادية، وقد أصبحوا اليوم يجودون بالمال بدلاً من الطعام، وهنا لفتّ "أبو موسى" إلى أن أنه يقوم بجولته الأخيرة في صباح أول أيام العيد مصطحباً معه طبله لمعايدة الأهالي وجمع "العيديات" المقدّمة له منهم كنوعٍ من الشكر له على دوره في مساعدتهم على النهوض من النوم خلال شهر رمضان.

زمان الوصل
(42)    هل أعجبتك المقالة (46)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي