أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

آفاق ومستلزمات الدولة المدنية الديمقراطية ... مصطفى محمد غريب

مقالات وآراء | 2008-12-29 00:00:00

إن بناء مثل هذا الصرح الوطني الذي سيكون مثالاً في المنطقة يحتذى به هو هدف تسعى له الأكثرية من أبناء شعبنا العراقي وجميع القوى الوطنية الديمقراطية لأنها تجد في هذه الدولة تعبيراً عن طموحها وتحقيق أهدافها بتثبيت أسس الديمقراطية ولا عودة للدكتاتورية الفردية وهذا يعني بالمقابل تعنت ورفض القوى التي تسعى للعودة إلى مركزية الدولة وقيام الفرد المطلق الذي يصدر القوانين ويعتبر نفسه فوق الجميع وهذه القوى بما فيها الأحزاب الدينية الطائفية والقوى القومية المتطرفة لا تؤمن بالديمقراطية إلا شكلاً وفي المجال السياسي وليس الاجتماعي وتعتبر منظمات المجتمع المدني علمانية بالضد من توجهاتها الفكرية والسلفية والأصولية والقومية الضيقة وهذه القوى من خلال برامجها وتوجهاتها تجهد لبناء الدولة الدينية أو التزاوج مابينها وبعض متطلبات العلمانية بأطرٍ تتماشى مع التطورات في العالم كي لا يتم عزلها واتهامها بالإرهاب الديني أو الطائفي أي بالمعنى الأوضح تستخدم الدين لمصلحتها إذا ما جابهت مخاطر على سلطتها كما تستخدم ديمقراطيتها الخاصة للأغراض نفسها وبهذا تظهر من خلال مواقفها ازدواجية في الخطاب الديني والسياسي ، وتختلف الدولة المدنية الديمقراطية عن دولة المحاصصات الطائفية والحزبية المبنية على التوافقية وليس على أساس الانتخاب والأكثرية ففي الدولة الأولى يتم تطبيق الديمقراطية في تشكيل الحكومات أو إبدالها بدون توافقية أو تأثيرات من مرجعيات سياسية أو دينية وبهذا يتحرر المواطنين من التبعية والتهديد بعقاب السماء.
لقد مرت عبر التاريخ العديد من نماذج الدولة وبخاصة بعد ظهور الطبقات الذي أنتج بشكل طبيعي الاستغلال فدولة ملاك العبيد هي طراز خاص بهذه الطبقة والعبيد هم الطبقة المستَغَلة ودولة الإقطاع هي خاصة بطبقة الإقطاع والفلاحين وألقن هما القاعدة للاستغلال الطبقي ثم الدولة الرأسمالية التي تخدم مصالح الرأسماليين بالدرجة الأولى وتستغل بذلك شغيلة اليد والفكر والفئات الكادحة الأخرى، ولسنا بصدد الدخول في موضوع الدولة والطبقات في هذه المقالة لأننا نعتقد أن موضوعة الدولة المستقبلية للعراق مهمة ليست بالسهلة وتحتاج إلى جهود جماعية لتحقيق مثل هذه الدولة التي تختلف عن نموذج الدولة السابقة في العراق والتي انهارت بعد الاحتلال ولكون مثل هذه الدولة تحتاج بالأساس إلى المجتمع المدني ومنظماته بإعتبارهما القاعدة المادية والروحية للدولة المدنية وهنا تبرز بعض الأسئلة المهمة التي تدور في بال العديد من المثقفين والمفكرين والأحزاب والمنظمات المدنية
ــ عن أية دولة نبحث نحن الوطنيون الديمقراطيون؟ ما هي موصفاتها الآنية والمستقبلية؟ كيف يمكن المفاضلة بينها وبين نماذج أخرى؟ وعن أية ديمقراطية نهدف تحقيقها لتكون هداية للمجتمع المدني.
المجتمع المدني يختلف جوهرياً عن المفاهيم التي أطلقت عليه بحجة التمويه وخداع الوعي عن المواطنين فليس هو تسمية عامة أو رغبة بهدف عرقلة المشروع نفسه فمثل هكذا مجتمع يحتاج إلى منظمات المجتمع المدني ذات الماهية العلمانية ( نقابات، منظمات نسائية وشبابية وطلابية ومنظمات إنسانية ثم الأحزاب الوطنية الديمقراطية ) التي تؤمن بضرورة بناء الدولة المدنية وحذف مفهوم عسكرتها أو عسكرة المجتمع مثلما فعل النظام السابق أو ما يجري من تسليح للمجاميع الخاصة والمليشيات غير القانونية التي من تداعياتها الاقتتال في مدينة الثورة والبصرة وميسان وقبلها الفلوجة وغيرهم، والمجتمع المدني من هذا النوع بالضد من دولة المحاصصة الطائفية والقومية الضيقة وبالضد من مركزتها وبالتالي تحويلها إلى دولة للدكتاتورية والتلسط وإلغاء الآخر وعدم احترام حقوق الإنسان، بل إلى نموذج جديد في مفاهيمه التي ينفتح على المبادئ الإنسانية بما فيها مبادئ الديمقراطية والحريات الشخصية والعامة، والديمقراطية هي شكل من الحكم السياسي حيث تتوقف على مضمونها ذو الطابع الاجتماعي الذي يكمل دائرة التطبيق الفعلي لها كما أن الديمقراطية ليست مطلقة وهي تشكل ركناً أساسياً في قيام الدولة المدنية واهم مفاصلها ، حرية التنظيم، حرية الصحافة، وكما اشرنا الحريات الشخصية والعامة، حق تشكيل منظمات المجتمع المدني وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ومن هذا المنطلق تعبر الديمقراطية مفهوم حضاري تاريخي وتتطلب فترة لاستكمالها واستكمال وضعها التطبيقي وهو العامل الذاتي ثم العامل الموضوعي ونخص به البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ولا توجد كما هو معروف صيغ جاهزة لتطبيق الديمقراطية وهي تخضع للظروف التاريخية والقوى التي تسعى إلى تطبيقها وجهوداً غير قليلة لتطويرها واستكمال مراحلها وصولاً إلى قيام المجتمع المدني ودولته الوطنية الديمقراطية، من هنا تحتاج الدولة المدنية الديمقراطية إلى العديد من المستلزمات الضرورية ومنها
1 ــ سن دستور ديمقراطي يوضح علاقة الدين بالدولة أي بالمعنى الآخر جعل الدين مستقلاً عن السياسة وعدم استغلاله للكسب السياسي والذاتي.
2 ــ إقامة المؤسسات الدستورية ( مجلس نيابي، مجالس المحافظات ) وفق انتخابات حرة ونزيهة.
3 ــ وضع أسس تشريعية غير طائفية أو عرقية حول إقامة الإقليم والمحافظات المنصوص عليها في الدستور وتوضيح العلاقة ما بين الحكومة الاتحادية التي تقود البلاد وبين الإقليم والمحافظات .
4 ــ قيام السلطات القضائية المستقلة وعدم التدخل من قبل السلطة التنفيذية في قراراتها وأحكامها القانونية
5 ــ إصدار التشريعات التي تعزز البناء الديمقراطي وبالضد من تفشي الفساد المالي والإداري.
6 ــ بناء القوات الوطنية المسلحة على أسس وطنية بعيدة عن التحزب أو المحاصصة الطائفية والقومية ( الجيش والشرطة وحرس الحدود والمؤسسات الأمنية ) وعدم السماح باستغلالها لصالح المنافع الحزبية والشخصية بل تكون درعاً للدفاع عن الوطن وحقوق المواطنين بدون استثناء.
7 ــ قيام انتخابات حرة ونزيهة بدون التدخل من قبل السلطات الثلاث أو من القوى والأحزاب الحاكمة.
8 ــ إقرار تمثيل النساء في مجالس المحافظات وشاركتهن في جميع المناصب الإدارية والرسمية.
9 ــ إصدار قانون للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني التي تؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وبالضد من العنصرية والطائفية والشوفينية والتعصب القومي
10 ــ إطلاق حرية الصحافة والإعلام بما يناسب تطور المجتمع ومن أجل خلق وعي اجتماعي وطني مسؤول.
11 ــ استقلالية السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وعدم التداخل وخلط الأوراق.
12 ــ اعتماد الحوار السلمي الهادف والملتزم بآليات الديمقراطية المحددة بالدستور الدائم وإدارة الصراع السياسي والفكري وفق منهج الديمقراطية
13 ــ وضع خطط علمية من اجل التطور الاقتصادي والتنمية البشرية والاهتمام بتطوير الصناعة والتعليم والصحة والخدمات الأساسية.
14 ــ إقرار الضمان الدستوري والقانون لحرية التعبير والانتماء الفكري والديني للفرد وللمجموعات والاهتمام بقضايا البطالة والفقر وإيجاد صيغ للضمان الاجتماعي الذي يساعد المواطنين اقتصادياً لحين إيجاد العمل لهم ووفق أطر قانونية وديمقراطية
15 ــ إنهاء الوجود الأجنبي العسكري والاقتصادي المستغِل وهما شرطان مهمان لقضية الاستقلال الوطني وبناء الدولة المدنية الديمقراطية
هذه المستلزمات تعني تخليص الدولة من الهيمنة والسيطرة بأي شكل كان حيث القبول الطبيعي لتداول السلطة ووفق معايير ديمقراطية صحيحة وتنتهي إلى الأبد قضية الانقلاب العسكري والمؤامرة والعود للسلطة المطلقة كما تستطيع القوى كل القوى التي تؤمن بالتنافس الانتخابي الديمقراطي الحر والنزيهة ممارسة نشاطها بكل حرية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وبهذه الطريقة يجري بناء البلاد بشكل حضاري لتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية وفي نهاية المطاف نجد أن العراق بحاجة ماسة لمثل هذه الدولة في ظروفنا الراهنة كي يتخلص على الأقل من المحاصصة الطائفية والحزبية وبالتالي خلق علاقات متكافئة وعادلة مع دول العالم دون المس بالسيادة الوطنية والتدخل في شؤون البعض.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
السويداء..عشرات الطلاب يعتصمون للمطالبة بمحاسبة مجرم قتل زميلهم أمام أعينهم      تحرير الشام" تفرج عن الناشط "أمجد المالح" بعد اعتقال عامين      أمريكا تقطع طريق الأسد وروسيا نحو نفط الجزيرة بقاعدتين جديدتين      بالتزامن مع تصعيد مكثف جنوب إدلب.. دخول رتل تركي إلى "مورك" بريف حماة      ترامب يكثف شراء الإعلانات على فيسبوك لمحاربة مساءلته في الكونجرس      تراجع التضخم في بريطانيا إلى أقل مستوى في 3 أعوام      حمص.. أهالي "قطينة" يعتصمون احتجاجا على سموم معامل الأسمدة      تركيا: المانيا وهولندا وافقتا على استعادة عناصر تنظيم "الدولة"