أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عين كريم الواحدة.. وعماؤنا*

كريم

لا نملك إلا أن نضع يداً مرتجفة على عين، وننظر بالأخرى إلى خزينا وعارنا، وعين كريم الطفل الغوطاني ستلعن العالم المتفرج على موتنا وعجزنا.

هكذا تحول أطفالنا إلى رموز مبتكرة للتضامن في وجه الإرهاب والقتل، و(بوسترات) وأغلفة للتفجع، وصور للعالم الافتراضي تلعن الجوع...بتنا نملك أكبر خزان بشري لتصدير البؤس والأشلاء فيما يراقبنا العالم من بعيد معلناً تعاطفه تارة ومشيحاً عنا في مرات كثيرة.

لم يعد موتنا يثير العالم، ولم تعد صورة عين طفل مقتلعة من وجهه تستدعي أن يعقد مجلس الأمن جلسة طارئة تنتهي بفيتو روسي...فالقاتل روسي هذه المرة كما في أغلب المرات، وحتى العرب بقنواتهم التي تعيش على فجائعنا باتوا غير مكترثين، ولم يتعدَّ موت أم كريم واقتلاع عينه في الغوطة سوى أن يكون خبراً في نهاية النشرة، أو مشهداً في برنامج يرصد تفاعلات مواقع التواصل والهاشتاغات.

موتنا العادي يستدعي أن نغير من خطابنا المستجدي، وألا نترك لكل هؤلاء حرية التصرف بحقنا في الحرية والعيش بكرامة، وأن نختار مستقبلنا بأيدينا، وأن ندعهم ينعمون برسم بلادنا على هوى مصالحهم، من الأقرب إلى الأبعد، أولهم من يدعّون نصرتنا وانتهاء بأعدائنا الذين لا ينفكون عن ضربنا بما استطاعوا.

لم تعد دموعنا تكفي لمحاربة الموت القادم إلينا من كل الجهات الست...وأن نكون مؤهلين للدفاع عن أبنائنا، وأن نقف عند حدود نشر صور الغرقى والأرامل والمقطعة أوصالهم، وهذا الموت المقدس يستحق منا أن نراجع أنفسنا، وأن نعترف بأننا أخطأنا في محطات كثيرة عندما قررنا هذا المسير، أننا اليوم نتعلم من كل هذا الركام البشري الميت.

سيذهب ممثلونا أمام العالم إلى جنيف وسوتشي وأستانة، وسيملي عليهم العالم تصوره عن وطن جديد ودستور جديد، وفي سوتشي سترسم روسيا خريطة للشعوب السورية الملونة، وفي أستانة سيوافق الجميع على قسمة المناطق الهادئة ويتركون للبقية المشتعلة مصيرها وحدها بانتظار الاستسلام والتسوية، وأما جنيف فستترك للتواقيع النهائية على بلاد ليست لنا.

لذلك ومن أجل عين كريم، وجسد (إيلان الكردي) المضمخ بالماء المالح، ووجوم ملامح (عمران الحلبي)، وأقدام عبد الباسط السطوف وصرخته (شيلني بابا)، وجوعى مضايا والغوطة وريف حمص الشمالي، وكل ألوان العذاب التي أكلت أطفالنا وأرواحهم...من أجل من لم ترصد موتهم الكاميرات يجب أن نتوقف عن عمائنا.

لن يتوقف هذا الموت، ولكن يجب على الجميع أن يقول لا تسوية مع المجرمين، من أصغرهم بشار الأسد، وإلى كل الأسماء التي تحفظها ذاكرة المغتصبات في المعتقلات، وكل الذين أعطوا أوامر القتل ومن نفذوه، وكل الذين وجدوا في هذا الدم فسحة لأوهامهم عن النجاة من مصائر مشابهة.

عين كريم المفقوءة بعيداً عن صدر أمه الشهيدة هو عار أعمى يلاحقنا ومعنا هذا العالم الذي لم يقف مشدوهاً عاجزاً أمام هذا الموت المقدس.

*ناصر علي - من كتاب"زمان الوصل"
(33)    هل أعجبتك المقالة (40)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي