أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

الساطور الأحمر والباشق الغضنفر ... سعاد جروس

مقالات وآراء | 2007-08-12 00:00:00
الكفاح العربي

لطالما كرهت العبارة الجاهزة «سأكون محامياً للشيطان», لأن الشيطان لديه من الذكاء ما يغنيه عن محامين من الأخيار والأبرار. هذه المقولة التي باتت من لوازم موجة حوارات الاتجاه المعاكس, تفرض نفسها وسوف نضطر لاستخدامها إزاء تصريحات نقيب الفنانين السوريين بخصوص تبرير قراره منع هيفاء وروبي من إقامة حفلات في سوريا, وعلى الرغم من عدم قناعتي ولا إعجابي ­وهذا رأي شخصي ­ بما تقدمه من مغنى هيفاء وشقيقاتها ومشتقاتها من فصيلة «هزّ العرب بلا طرب».

فقول السيد النقيب إنه اتخذ قراره «للحد من التلوث الأخلاقي الذي يسببه الغناء الذي ينتمي إلى العري أكثر من انتمائه لفن الغناء» ينكأ قروح العفة الزائفة التي تتبرج بها مجتمعاتنا نهاراً وتفضح عرضها ليلاً.
وليس خافياً أن منطقتنا العربية ­ وليس فقط سوريا ­صارت في مقدمة بلدان السياحة الجنسية, هذا إذا لم نتكلم عما تنتجه «كراجاتنا» من كليبات وألبومات أغان لو قلنا هابطة نعطيها مرتبة رفيعة, لأنها في حقيقتها كاتالوغات لبنات لا يعرف سبب ظهورهن في الكليب, فهن لا راقصات ولا عارضات ولا حتى حسناوات, وإنما بنات يتمايلن ويتخلعن فحسب, ويعرضن على شاشات بورصات الأغاني العربية, كمنتج سوري لا يخجل من إعلان هويته.
هذه الكليبات ­للعلم ­ مطروشة في التلفزيونات وعلى الأرصفة بأسعار تشجيعية للغاية!! فعن أي تلوث أخلاقي يتحدث السيد النقيب, ولماذا لا يعمل سيف الباشق البتار في تنظيف هذا الوباء المستفحل في سوق الفن السوري, الذي بات وكأنه متخصص بإنتاج التفاهة وتصديرها؟!
وإذا قسنا نسبة التلوث الذي تسببه هيفاء إلى نسبة التلوث البصري والأخلاقي والفني بما تنتجه كراجاتنا, لمنحت هيفاء لقب الأم تريزا. فعلى الأقل الكليب الذي تنتجه مشغول بفنية بصرية وجمالية مدروسة كادت أن تكلف هيفاء حياتها.

 نرجو ألا يفهم من هذا الكلام أنه دفاع عن هيفاء ومشتقاتها أو على الأقل انحراف عن المقصود, لكنه مدخل لرفض الوصاية على ذائقة الجمهور, وبالتالي نرفض المنع بحجج وذرائع سواء كانت مقنعة أو غير مقنعة. فإذا منعت حفلات هيفاء في سوريا, هل يمنع ذلك جمهورها السوري من متابعتها في التلفزيون أو شراء ألبوماتها!!
وفيما لو كانت هناك أسباب أخرى للمنع, لا يمكن التصريح بها, فأضعف الإيمان أن يتم الأمر على الساكت كما جرى ويجري مع العديد غيرها من الفنانين والفنانات وتفادي أتون الشرشحة الإعلامية, اللهم إلا إذا كانت هذه الشرشحة هي الغاية.
وفي حال كنا متضررين من التلوث الأخلاقي والتعري, لماذا لا تُدعم الأغنية السورية, ولماذا لم يفلح مهرجان الأغنية الطويل العريض بـ«ميزانية قد الجبل», في تصدير نجوم شباب إلى العالم العربي, بما يغنيهم عن العبور الإلزامي إلى سماء الفن من خلال برامج المسابقات وشركات الإنتاج الفني في لبنان ومصر؟ فهل من المعقول أن سوريا بلد صباح فخري وفايزة أحمد وميادة حناوي وأصالة نصري وميادة بسيليس... والعديد من الفرق الشبابية المميزة, عاجزة عن إنشاء شركات إنتاج تعنى بالغناء بما يمثله من مورد اقتصادي وإعلامي ودعائي مؤثر تتسابق حتى أشد الدول العربية تزمتاً للاستثمار فيه!! من دون أن تعني هذه الدعوة التهافت على إنتاج الرداءة, وإنما المبادرة لتقديم نماذج تساعد على الارتقاء بالذائقة الفنية الجماهيرية.
لا داعي هنا للتذكير بما حققته الدراما السورية عربياً. كما لا داعي للتذكير بأن التربية الفنية تبدأ من الطفولة, وأن حصص الموسيقى في المدارس, ليست سوى وقت فراغ, يتنازع عليه مدرسو المواد العلمية لتعويض تقصيرهم في إنهاء المناهج الدراسية, وأن الغالبية العظمى من شبابنا يعانون أمية موسيقية وفنية مخجلة, تجعلهم لا يميزون بين الزمر والناي وحتى بين الطبل والبيانو.

وهنا أذكر ما قالته سيدة سورية تعيش في روسيا, حرصت على تعليم أطفالها عزف الكمان والبيانو, بأن هذا ضروري حتى لو كان مكلف مادياً, فطالما لن تكون قادرة على منعهم حين يكبرون من المتابعة أو التعرض لتأثير الأغاني الهابطة, فعلى الأقل تعرفهم على الموسيقى الراقية كي يتمكنوا من تمييزها.
من نافل القول, إن مكافحة التردي لا تكون بالمنع, ولا بفرض الوصاية, وإنما التعريف بالفن الرفيع والمقدرة على تذوقه, فأم كلثوم عندما ظهرت في سماء مصر كان هناك العشرات من المغنيات الهابطات واللواتي أهملهن تاريخ الفن, وبالكاد نعثر على من يذكر شيئاً عنهن.

 وبالمقارنة بين ذاك وهذا الزمن نلاحظ أن الظرف يكاد يتشابه, فالانحطاط كان بمثابة الدهليز الذي لا بد للمجتمعات التي عانت ويلات الحروب من تجاوزه للوصول إلى مرحلة النهوض, وقد شهدت المجتمعات العربية طوراً من النهوض للأسف لم يكتب له الاستمرار, ودخلت بعده عصر الحروب الاميركية على الإرهاب, التي لم تُبقِ في منطقتنا حجراً على حجر, وضاعت القيم واختلطت المفاهيم على نحو جعل من هيفاء وروبي وكل الجميلات قدوة فاتنة لأخلاق العرب, لا يزعجن إلا الساطور الأحمر الباشق الغضنفر الذي لم تؤثر فيه سيديات «حرب الزمر الانشطارية» المتربعة على عرش الفن الموسيقي السوري.

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
قوات الأسد تشن حملات اعتقال في حلب      كيلو السم بمليون دولار.. مزرعة عقارب في مصر توفر أكثر من 200 فرصة عمل      تركيا تدين استهداف منشآت نفطية في السعودية      العراق ينفي استخدام أراضيه في هجوم "أرامكو"      بشار الأسد يصدر "عفوا عاما"      "مفوضية البعث" تحرم ألفي عائلة سورية في "عرسال" من المساعدات الغذائية      سيادة الرئيس أسماء الأسد.. عدنان عبد الرزاق*      ظريف: أمريكا وحلفاؤها "عالقون في اليمن"