أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

لقد آن الأوان لإعلان الاستقلال عن إسرائيل ... كريس هيدجز

مقالات وآراء | 2007-08-11 00:00:00

 

 لولا الولايات المتحدة لما كانت إسرائيل. لقد بلغت هذه الدولة حافة الانقراض أثناء حرب أكتوبر 1973 عندما قام المصريون الذين دربهم ودعمهم السوفييت بعبور قناة السويس، وتدفق السوريون الى هضبة الجولان. فجاءت طائرات الشحن الأمريكية الضخمة للإنقاذ، وهبطت كل نصف ساعة لإعادة تجهيز الجيش الإسرائيلي المحطم الذي فقد أغلب دروعه الثقيلة. وبانتهاء تلك الحرب، كانت الولايات المتحدة قد قدمت 2.2 مليار دولار من المساعدات العسكرية الطارئة لإسرائيل.

ذلك التدخل الذي أغضب العالم العربي، أدى إلى المقاطعة النفطية التي قامت بها منظمة أوبك والتي سببت خراباً في الاقتصاديات الغربية. ولعل هذا هو من الأمثلة الأكثر إثارة لنظام الدعم الدائم الذي ظلت تقدمه الولايات المتحدة للدولة اليهودية.

لقد ولدت إسرائيل في منتصف ليلة 14 مايو 1948، واعترفت بها الولايات المتحدة بعد 11 دقيقة فقط من إعلانها. ومنذ ذلك الوقت أصبحت الدولتان في حالة من العناق القاتل.

لقد كان باستطاعة واشنطن منذ بداية هذه العلاقة أن يكون لها تأثير ملطّف، فالرئيس إيزنهاور غضب من احتلال إسرائيل لغزة عام 1956وطالبها بالانسحاب على الفور، وانصاعت لذلك. وأثناء حرب الأيام الستة في عام 1967، قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية بقصف السفينة الأمريكية ليبرتي (USS Liberty). السفينة التي كانت ترفع العلم الأمريكي وكانت على بعد 15 ميل من الشواطئ الإسرائيلية، وكانت تقوم باعتراض الاتصالات التكتيكية والإستراتيجية لكلا الطرفين. وأدى القصف الإسرائيلي للسفينة إلى مقتل 34 من البحارة وجرح 171، وهذا الهجوم المتعمد أدى لفترة وجيزة إلى تجميد حماس واشنطن لإسرائيل. غير أن هذه التوترات سرعان ما أثبتت أنها كانت مجرد صدمات تم تلطيفها بواسطة لوبي إسرائيلي متطور وممول بشكل جيد، أسس للدمج بين السياستين الأمريكية واِلإسرائيلية في الشرق الأوسط.

لقد جنت إسرائيل فوائد هائلة من هذا التحالف، فحصلت على أكثر من 140 مليار دولار من المساعدات الاقتصادية والعسكرية المباشرة من الولايات المتحدة، فهي تتلقى ثلاثة مليارات دولار من المساعدات المباشرة سنوياً، وهو ما يعادل خمس ميزانية المساعدات الخارجية الأمريكية. وبالرغم من أن أغلب حزم المساعدات الخارجية الأمريكية تشترط أن تكون المشتريات العسكرية من هذه المساعدات من الولايات المتحدة، إلاّ أن إسرائيل مستثناة من هذا الشرط ويسمح لها باستخدام 25% من هذه المعونة في دعم صناعاتها الدفاعية النامية والمربحة، و مستثناة أيضاً من تقديم بيان بأوجه صرف هذه المساعدات على خلاف الدول الأخرى، كما تضخ الأموال بشكل روتيني لبناء مستوطنات يهودية جديدة، وتعزيز الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وبناء الجدار الأمني، والذي تقدر تكاليفه بنحو مليون دولار للميل الواحد.

ويشق هذا الجدار طريقه عبر أراضي الضفة الغربية، حيث ينشئ جيوب معزولة من الفلسطينيين الفقراء محاطة بالمستوطنات اليهودية، وعندما ينتهي هذا الجدار سيكون قد انتزع ما يقارب 40% من الأراضي الفلسطينية، وهذه أكبر عملية اغتصاب أراضي تقوم بها إسرائيل منذ حرب عام 1967. ومع أن الولايات المتحدة تعارض توسيع المستوطنات من الناحية الرسمية، إلاّ أنها تقوم في نفس الوقت بتمويلها!.

لقد قدمت الولايات المتحدة ثلاثة مليارات دولار لتطوير أنظمة السلاح، ومنحت إسرائيل الفرصة للتعرف على أكثر العناصر تطوراً في ترسانتها العسكرية بما في ذلك هليكوبترات بلاكهوك (Blackhawk) الهجومية، وطائرات (F-16) المقاتلة. كما أن الولايات المتحدة تسمح لإسرائيل بالاطلاع على المعلومات الاستخبارية التي تخفيها عن حلفائها في حلف الناتو، وعندما رفضت إسرائيل التوقيع على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، لم تعترض الولايات المتحدة على الموقف الإسرائيلي حتى عند بناء إسرائيل لأول برنامج للتسلح النووي في المنطقة.

ان السياسة الخارجية الأمريكية، وخصوصاً في ظل إدارة بوش الحالية، أصبحت أكثر من امتداد للسياسة الخارجية لإسرائيل. وقد استخدمت الولايات المتحدة منذ عام 1982، 32 حق نقض "Veto" ضد قرارات مجلس الأمن الدولي التي تنتقد إسرائيل، وهو أكبر من عدد قرارات النقض التي استخدمتها جميع الدول الأعضاء في مجلس الأمن التي تملك هذا الحق. كما أنها ترفض منح القوة لقرارات مجلس الأمن الدولي التي تزعم أنها تؤيدها. وهذه القرارات تدعو إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة.

هناك الآن غضب عربي واشمئزاز من هذه المحاباة الصارخة، وقليل جداً من سكان الشرق الأوسط يلاحظون الفرق بين السياسات الإسرائيلية والأمريكية، وعندما يتحدث المتطرفون الإسلاميون عن الدعم الأمريكي لإسرائيل كسبب أساسي لكراهيتهم للولايات المتحدة، فيجب أن نستمع لقولهم، فنتائج هذه العلاقة أحادية الجانب تتجسد الآن في الحرب الدائرة في العراق، والتوتر المتصاعد مع إيران، والأزمة الإنسانية والسياسية في غزة، وتتجسد أيضاً في لبنان، حيث أن حزب الله يستعد لحرب أخرى مع إسرائيل، وهي الحرب التي يعتقد أكثر المحللين الشرق أوسطيين أنها باتت حتمية. فالسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط باتت مكشوفة، وقد أصبحت كذلك بسبب هذه العلاقة الخاصة، وإن انفجار حرب إقليمية سيكون البداية لكابوس ذي أبعاد خطيرة.

لقد كان هناك الكثيرين ضمن مؤسسة السياسة الخارجية ووزارة الخارجية الأمريكية من منّ يدركون هذا الوضع، وإن القرار بأن نلقي بكل ثقلنا إلى جانب إسرائيل في الشرق الأوسط لم يكن الخيار المفضل لدى عدد من خبراء السياسة الخارجية، بما في ذلك الجنرال جورج مارشال، وزير خارجية الرئيس هاري ترومان. وقد حذر هؤلاء الخبراء من حدوث ردة للفعل، فقد كانوا يعلمون بالثمن الذي ستدفعه الولايات المتحدة في هذه المنطقة الغنية بالنفط نتيجةً لهذا القرار، وكانوا خائفين من أنه سيكون من أكبر الحماقات الاستراتيجية في فترة ما بعد الحرب. لقد كانوا على حق. فقد عرض هذا القرار أمن الولايات المتحدة وإسرائيل للخطر، وهيأ البيئة لاندلاع حريق إقليمي هائل.

وهذا التحالف الذي لا يعني شيئاً من الناحية الجيوسياسية، تظهر قيمته عندما ينظر إليه من زاوية السياسة الداخلية، فقد أصبح اللوبي الإسرائيلي قوة فعالة في النظام السياسي الأمريكي، فما من مرشح رئيسي، سواء كان ديمقراطياً أو جمهورياً، يمكنه أن يتجرأ ويتحدى هذه اللوبي، ونجح هذا اللوبي في تطهير وزارة الخارجية الأمريكية من الخبراء العرب الذين كانوا يعترضون على فكرة أن مصالح أمريكا وإسرائيل متطابقة. كما أن مؤيدو إسرائيل يتبرعون بمئات الملايين من الدولارات لدعم المرشحين السياسيين الأمريكيين الذين يعتبرون مؤيدين لإسرائيل، وعاقبوا بقسوة أولئك الذين انحرفوا عن هذا الطريق، بما فيهم الرئيس بوش الأب، حيث قالوا أنه لم يكن نشطاً بما يكفي في دفاعه عن مصالح إسرائيل، الذي كان درساً لم ينساه البيت الأبيض في عهد بوش الابن. فبوش الابن لم يكن يريد أن يكون رئيساً لدورة واحدة كما حدث لوالده.

لقد طالبت إسرائيل بإزاحة صدام حسين من السلطة، وهي الآن تطالب بضرب إيران لمنعها من امتلاك الأسلحة النووية، إن تدخل إسرائيل المباشر في العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، شيء لا يطاق، ولو حدث سيؤدي إلى اندلاع حرب بين الدول العربية وإسرائيل، وستصبح الولايات المتحدة التي كانت تتجنب أي تدخل عسكري مباشر في المنطقة خلال الحرب الباردة، محل إسرائيل بشكل مباشر، بينما إسرائيل ستقف موقف المتفرج، تماماً كما كانت إسرائيل تتفرج أثناء حرب الخليج عام 1991، كما هو في الحرب على العراق.

الرئيس بوش الذي يواجه دعماً محدوداً في الحرب ضد العراق، ويتحدث علانية عن أن إسرائيل هي النموذج الذي يريده في العراق. ولك أن تتخيل ما ستفعله هذه الفكرة في الشارع العربي، والذي ينظر إلى إسرائيل كنظرة الجزائريين إلى المحتلين الفرنسيين إبان حرب التحرير.

وقال بوش مؤخراً "لقد ظل الإرهابيون يقتلون الأبرياء في إسرائيل بالهجمات الانتحارية. والفرق هو أن إسرائيل تتبنى الديمقراطية، ويُمنع أن تقوم بمسؤولياتها. وهذا هو المؤشر الجيد للنجاح الذي نريده في العراق".

لقد بات الأمريكيون معزولون وملعونون في كل مكان من العالم، ولا يزالون سعداء لجهلهم بالذنب الذي اقترفوه مقابل هذه العزلة، والولايات المتحدة تتوهم بأن العالم كله لا وعي له، ما عدا إسرائيل، فالأمريكيون متأكدون من أنها ستكون دائماً إلى جانبهم.

إن إسرائيل تجني المكافآت الاقتصادية والسياسية من دولتها العنصرية المنغلقة، وبدأت ببيع أنظمة وتقنيات تساعد الدولة على التعامل مع الإرهاب، ففي عام 2006، استوردت إسرائيل منتجات دفاعية بقيمة 3.4 مليار دولار- أي بأكثر من مليون دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية، وأصبحت رابع أكبر قوة في العالم في تجارة السلاح. وجاء الجزء الأكبر من هذا النمو فيما يسمى بقطاع الأمن الداخلي.

وأغلب هذه المنتجات والخدمات، كما كتبت نعومي كلين في صحيفة ذي نيشن/The Nation، هي منتجات دفاعية عالية التقنية، كالطائرات بدون طيار، وأنظمة القياسات الحيوية Biometric IDs، وأجهزة المراقبة السمعية والبصرية، وأنظمة التعرف على المسافرين جواً، وكذلك أنظمة التحقيق مع السجناء- وهي بالتحديد الأدوات والتقنيات التي استخدمتها إسرائيل لإغلاق الأراضي المحتلة، ولهذا فإن الفوضى في غزة وبقية المنطقة لا تشكل أدنى تهديد في تل أبيب، بل تؤدي في الواقع إلى تعزيزها. لقد تعلمت إسرائيل أن تحول حرباً لا نهاية لها إلى تجارة رابحة تروج فيها لما تقوم به من اجتثاث واحتواء للشعب الفلسطيني واحتلال لأراضيه تحت غطاء نصف قرن من الحرب الكونية على الإرهاب.

يبدو أن الولايات المتحدة، على الأقل من الناحية الرسمية، لا تؤيد الاحتلال وتدعوا إلى إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. فهي لاعب دولي هام لديه مصالح تمتد إلى أبعد من الشرق الأوسط، وأن المعادلة القائلة بأن أعداء إسرائيل هم أعداؤنا، ليست بهذه البساطة.

فقد كتب كل من جون ميرشيمر وستيفن والت "إن الإرهاب ليس هو الخصم الوحيد، ولكنه تكتيك يتبناه طيف واسع من الجماعات السياسية. فالمنظمات الإرهابية التي تهدد إسرائيل لا تهدد الولايات المتحدة، إلاّ إذا تدخلت الأخيرة ضد هذه الجماعات (كما حدث في لبنان عام 1982)". وفضلاً عن ذلك، فالإرهاب الفلسطيني ليس عنفاً عشوائياً موجهاً إلى إسرائيل أو الغرب، ولكنه في الغالب رد فعل على الحملة الإسرائيلية التي طال أمدها لاحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة. وأهم من ذلك، القول بأن إسرائيل والولايات المتحدة تتحدان في التهديد الإرهابي الموجه إليهما معاً، له علاقة سببية، فالولايات المتحدة لديها مشكلة مع الإرهاب لأنها في تحالف وثيق مع إسرائيل، وليس العكس".

إن سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط تتم صياغتها بواسطة أولئك الذين لديهم علاقات وثيقة مع اللوبي الإسرائيلي. وأما الذين يحاولون مواجهة المواقف الإسرائيلية الخبيثة، كوزير الخارجية السابق كولن باول، يتم سحقهم بدون رحمة، وقد كان التحالف موجوداً أيضاً إبان إدارة كلينتون، بمجموعة خبرائها في شؤون الشرق الأوسط المؤيدين لإسرائيل، بما في ذلك المنسق الخاص للشرق الأوسط دينيس روس، ومارتن أنديك، نائب الرئيس السابق للجنة الشؤون الإسرائيلية AIPAC، وهي واحدة من أقوى اللوبيات المؤيدة لإسرائيل في واشنطن. ولكن أناس مثل أنديك وروس عقلاء، يرغبون في أخذ مسألة الدولة الفلسطينية في الاعتبار، وإن كانت غير قابلة للحياة، طالما أن ذلك يرضي إسرائيل. غير أن إدارة بوش انتقلت إلى أقصى اليمين من اللوبي الإسرائيلي، ذلك الذي لا يتمتع بمثقال ذرة من الشفقة تجاه الفلسطينيين، ولا يقبل كلمة انتقاد واحدة لإسرائيل. وخبراء الشرق الأوسط الجدد هؤلاء، من بينهم إليوت أبرهام، وجون بولتون، ودوغلاس فيث، وسيء السمعة آي لويس (I. Lewis) سكوتر ليب ، وريتشارد بيرل، وبول ولفويتس وديفيد ورمسر.

لقد كانت واشنطن في بعض الأحيان تحاول أن تمسك بيد إسرائيل. وقد تدخلت بالفعل لإحباط بعض انتهاكاتها الشديدة لحقوق الإنسان. غير أن هذه الإدارة، تؤيد وبشكل أعمى جميع الحماقات الكارثية لإسرائيل، من بناء الجدار العازل في الضفة الغربية، إلى محاصرة وإغلاق قطاع غزة الذي تسبب في أزمة إنسانية، إلى الاجتياح والقصف المدمر للبنان.

المحاولات القليلة والفاترة التي قامت بها إدارة بوش لانتقاد تصرفات إسرائيل، انتهت كلها إلى تراجعات عاجلة ومذلة في وجه الضغوط الإسرائيلية؛ فعندما قامت قوات الدفاع الإسرائيلي بإعادة احتلال الضفة الغربية مرة أخرى عام 2002، دعا الرئيس بوش رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها أرييل شارون إلى "وقف الهجمات وأن يبدأ بالانسحاب". غير أنه لم ينسحب، وبعد أسبوع من الضغوط الهائلة من اللوبي الإسرائيلي ومن حلفاء إسرائيل في الكونغرس، استسلم الرئيس، ووصف شارون بأنه "رجل سلام". لقد كانت تلك لحظة إهانة وإذلال للولايات المتحدة، وهي علامة واضحة تدلنا على من يمسك بزمام الأمور.

لقد كانت هناك عدة أسباب لشن الحرب على العراق. فالرغبة الأمريكية في السيطرة على منابع النفط، والاعتقاد بأنه باستطاعة واشنطن إقامة دول عميلة في المنطقة، بالإضافة إلى الخوف من صدام حسين -وإن كان في غير محله- كل هذه لعبت دوراً في الكارثة الحالية. ولكنها أيضاً تشكلت بقوة من خلال فكرة أن كل ما هو في مصلحة إسرائيل، فهو في مصلحة الولايات المتحدة. فقد كانت إسرائيل تريد تحييد العراق. حيث قدمت المخابرات الإسرائيلية قبيل اندلاع الحرب معلومات مضللة إلى الولايات المتحدة حول ترسانة العراق المزعومة من أسلحة الدمار الشامل. وبمجرد أن سقطت بغداد في إبريل 2003، بدأت الحكومة الإسرائيلية على الفور تدعو إلى شن هجوم على سوريا. غير أن الرغبة قد تضاءلت في شن هجوم كهذا، لأن الأمريكيين لم يكن لديهم ما يكفيهم من الجيوش للبقاء في العراق، ناهيك عن الشروع في احتلال جديد.

إسرائيل الآن تسعى لدفع الولايات المتحدة لتوجيه ضربة جوية إلى إيران، وذلك بالرغم من الكارثة التي وقعت في لبنان، ومع تصميم إسرائيل القوي على منع إيران من أن تصبح دولة نووية، يرجِّح احتمال توجيه ضربة إلى إيران قبل نهاية إدارة بوش. فقد فشلت الجهود لوقف التطوير النووي عبر الوسائل الدبلوماسية. وكون إيران لا تشكل تهديداً للولايات المتحدة، ليس أمراً مهماً. بل ليس مهماً كونها لا تشكل تهديد على إسرائيل التي تملك عدة مئات من القنابل النووية في ترسانتها، ولكن الأمر يتعلق بأن إسرائيل تريد هيمنة عسكرية تامة على الشرق الأوسط.

إن التحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة الذي دام خمسين عاماً، توج بتدخلات عسكرية مباشرة في الشرق الأوسط، وهذه التدخلات التي لا تخدم المصالح الأمريكية، وتطلق العنان لكابوس جيوسياسي، فالجنود ومشاة البحرية الأمريكيون يموتون بأعداد هائلة في حرب عديمة الفائدة، حيث العجز الواضح للولايات المتحدة أمام الضغوط الإسرائيلية، وأصبح البيت الأبيض والكونغرس، وربما لأول مرة في التاريخ، مجرد امتداد مباشر للمصالح الإسرائيلية، ولم يعد هنالك أي نقاش داخل الولايات المتحدة. ويتبين هذا من الإيماءات المتزلفة لإسرائيل التي تصدر من جميع المرشحين حالياً لرئاسة الولايات المتحدة، ماعدا دينيس كوتشيني. فالتكلفة السياسية لأولئك الذين يتحدون إسرائيل ستكون عالية للغاية.

وهذا يعني أنه ليس هنالك حل سلمي للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، كما يعني أن حوادث الإرهاب الإسلامي ضد الولايات المتحدة ستزداد، ويعني أيضاً أن قوة أمريكا وسمعتها باتت في منحدر، وفي انهيار لا رجعة منه، وأنا أخشي أن تكون هذه نهاية التجربة اليهودية في الشرق الأوسط.

إن إضعاف الولايات المتحدة، اقتصادياً وعسكرياً، يعطي الفرصة لظهور مراكز جديدة للقوة، فالاقتصاد الأمريكي الذي يتعرض لسوء إدارة ويتم استنزافه في حرب العراق، بات يعتمد بشكل متزايد على الواردات الصينية وعلى الحصص الصينية من السندات المالية الحكومية الأمريكية، وتحتفظ الصين باحتياطي من الدولار يقدر بحوالي 825 مليار دولار، ولو قررت بكين التخلي عن سوق السندات الأمريكي، ستتسبب في سقوط حر للدولار، وسيؤدي ذلك إلى انهيار سوق العقار الأمريكي الذي يقدر بحوالي 7 تريليون دولار. وستكون هنالك موجة من انهيارات البنوك الأمريكية، ومعدلات هائلة من البطالة، والاعتماد المتزايد على الصين يترافق مع جهود جبارة تبذلها الصين لبناء تحالفات مع الكثير من الدول المصدرة للنفط في العالم، مثل إيران ونيجيريا والسودان وفنزويلا، والصينيون يستعدون للنزاع العالمي المرتقب حول الموارد المتضائلة.

إن المستقبل لا يبشر بخير، ليس فقط لأن السياسة الخارجية الإسرائيلية لا تتوافق مع المصالح الأمريكية، بل تلحق بها أضراراً بالغة، كما أن تزايد الحروب في الشرق الأوسط، والدعوات إلى مهاجمة إيران، وانهيار المشروع الامبريالي في العراق، كلها فتحت الطريق أمام منافسي أمريكا، الذين لم يكونوا موجودين قبل هذه الإخفاقات.

إن إشعال حرب إقليمية ليس من مصلحة إسرائيل. وهي ليست في صالحنا نحن أيضاً. ولكن يبدو أن الذين يمسكون بزمام الأمور مصممون على إشعالها، باسم الحرية والديمقراطية، لدفع سفينة الدولة الأمريكية بسرعة نحو الانحدار.

كريس هيدجس هو المدير السابق لمكتب صحيفة نيويورك تايمز في الشرق الأوسط ومؤلف كتاب "الحرب هي القوة التي تعطينا معنى".

المصدر: http://www.alternet.org/story/55827/

 

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
"الابتزاز" والاستثمار بقوة الشعوب... حسين الزعبي*      هذا الوزير من ذاك الأسد      مشاريع إيرانية صينية بقيمة 400 مليار دولار      هجوم أرامكو.. ترامب يبتزّ السعودية مجددا      ضربات جوية تستهدف ميليشيات إيران في البوكمال      أحد المشتبه بهم في قتل الحريري.. لاهاي تتهم سليم عياش بهجمات استهدفت 3 سياسيين لبنانيين      الشبكة السورية تؤكد تطبيق نموذجي "غروزني" و"الغوطة" في "خان شيخون"      لندن.. سنعمل مع شركائنا للرد على الهجمات ضد أرامكو السعودية