أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

متى تخرج غزة من الكماشة؟ ... زهير الخويلدي

" تستطيع على أي حال أن تعتمد في عملك المحدد على معونة غيرك... وهذه المعونة هي في إكمال عملك قصد الوصول به لكماله أي: للثورة..."
جون بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني


ثمة فرق بين من يموت جوعا وعطشا ومرضا في غزة نتيجة الحصار والتجويع والمحرقة الصهيونية ومن يموت تخمة وانتفاخا وغرقا في الأموال القادمة من الريع النفطي (البترودولار) والمرصودة إلى دول المنطقة من قبل الدول الغربية مقابل قيامها بإصلاحات في نظمها التعليمية وشروعها في نشر ثقافة السلم والتسامح. إن الذين يلقون مصرعهم في غزة هم شرفاء الإنسانية والأنفس الطهرة البررة وان الذين يموتون شبعا وزهوا هم الجاحدين الناسين لأنفسهم والمارين إلى الهباء والعدم.
غزة ضحية اللانظام العالمي الجديد والفوضى الخلاقة وإيديولوجيات العولمة الملتهبة التي تشارف على الإفلاس والانتهاء بعد اندلاع الأزمة المالية العالمية والاتجاه مجددا نحو اليسار والتخطيط المركزي لدولة العناية, غزة ضحية الانقسام والتجزئة والفرقة والتشرذم في المشروع الوطني الفلسطيني وفي أحزاب وتوجهات المعارضة في ثقافة المقاومة داخل المشروع التنموي النهضوي العربي الإسلامي.
غزة في كماشة هذه الأيام والسكان الذين يوجدون داخلها والذين يبلغون مليون ونصف نسمة هم في وضعية صعبة وموقف خطير وقد التقى حولهم أسياد قساة لا يرحمون من في الأرض ولا من في السماء، وهؤلاء القساة هم الاستبداد السياسي والاستبداد الديني والعقيدة الصهيونية والهجمة الامبريالية والصمت العربي المخزي من طرف الأنظمة المعدلة والشعوب الفاقدة لزمام المبادرة والمكتوية بنار الاحتياج والقمع ، ولذلك نحن نعيش أحلك الأيام ونشعر في قرارة أنفسنا بتفاهة وجودنا وعبثية ما يحدث وجنون العالم والتخلي الكبير من طرف الناس عن القيم والمبادئ الكونية والخضوع التام لمبادئ المردود والمصلحة.


انه لم يسبق للعرب والمسلمين أن سكتوا عن ما يتعرض له الفلسطينيين من تشريد وتهجير وتقتيل وحصار وتجويع قدر صمتهم عن الوضع الإنساني الكارثي في غزة هذه الأيام. فهل يعقل أن يكتفي البعض بإرسال بعض السفن الصغيرة التي تحمل كمية محدودة من الماكارونا والأسبرين والحليب لنقول للعالم إننا نتضامن مع الفلسطينيين وإننا نرضي ضميرنا الإنساني إرضاء أبديا، أي ضمير هذا يرضى بدفع الفاتورة بالتضحية بالكثير من الآدميين لإرضاء النزر القليل من السلطويين الباحثين عن الشهرة والمجد؟
هل يريد العرب التخلص من القضية وإراحة عقولهم من الهم والتفكير في فلسطين إلى أبد الآبدين؟ أليست فلسطين هي جوهر العرب وروح الإنسانية ومقدس الديانات؟ ما أدراهم أن الذي يحصل في غزة قد لا يحصل في بلدانهم؟ أليس الجميع في خطر والحل هو التكتل والتحالف والتكاتف وتقديم يد العون للمحتاج وبذل الجهد من أجل فك الحصار وفتح المعابر وتقديم التسهيلات لإنقاذ العزل والأبرياء والمرضى وحلحلة القضايا العالقة وتفعيل الحوار السياسي بين الفصائل ودفعهم إلى التفاهم والحوار مع الاسرائليين وإلزامهم بالهدنة والسلم من أجل تضميد الجرحى ومعالجة الأوضاع الإنسانية المتردية في المخيمات؟


إن مسؤولية الهيئات الدولية والإسلامية والعربية تامة وكبيرة في ما قد يحصل في غزة ومن المفروض أن تخرج من حالة التفرج وأن تفعل شيئا من أجل سلامة السكان وصحته وتوفير الغذاء والطاقة والماء وضمان أمنهم والكف عن الدفع بهم إلى التهلكة ضمن أجندات لم يشاركوا في وضعها، كما ينبغي على الهيئات الحقوقية أن تضع نصا قانونيا يحرم المشاركة والتواطىء في إبادة الشعب الفلسطيني وممارسة التطهير العرقي عليه والكف عن إتباع سياسة التمويت البطيء بدم بارد لشعب أعزل ومنزوع من كل مقومات الرد والتصدي.


أتريدون أن يتحول الفلسطينيون في غزة إلى يهود التاريخ وأن تحصل محرقة أخرى تحت مرأى ومشاهدة كل العالم ، عندئذ لن تسامحنا غزة عن صمتنا ولامبالاتنا ولن تغفر لنا غفوتنا وتلهينا بتفاهات الحياة وقضايانا اليومية عن مساندتها وعن المطالبة بفك الحصار عنها ولن يسامحنا أطفال وشيوخ ومرضى غزة عن تقصيرنا وعزوفنا عن تقديم يد العون لهم رغم أصوات الاستغاثة وطلب النجدة وبيانات المناشدة.
إن صوت القلب والوجدان والضمير والإنسانية هو الذي يجب أن يعلو وفي المقابل ينبغي أن يتمكن هذا الشعب المحاصر والمهدد في وجوده من المحافظة على وجوده وأن يبقى له الأمل في الحياة وكفى الفلسطينيين والعرب التشرذم والتقاتل والتبجح بالولاء للأحزاب والفصائل والإيديولوجيات على حساب الولاء للوطن والشعب وأرجو أن يكون الغد أفضل حال من الحاضر وأن تمر هذه العاصفة وينقشع الضباب وسكان غزة بخير. سكان غزة سيظلون أحياء رغم الداء والأعداد وسيتمسكون بالبقاء والثبات على الأرض لأنهم يعلمون جيدا أن صراعهم هو صراع من أجل الاستثبات والصمود وحفظ الكيان وأن حقهم في الوجود وفي العودة لن يشطب بقرار دولي مهما اشتدت الأزمة وطال الحصار والتجويع وقطع خطوط الإمداد وغلق المعابر وردمت الأنفاق.


ستظل غزة صمام أمان لمقاومة التعديل والانبطاح وخنجرا مغروسا في وجه الإيديولوجيات المنغلقة وثقافة العزل والإبادة والتطهير العرقي وشوكة في حلق من يريد أن يبتلع المنطقة العربية في إطار اختراقي توسعي وكلياني، فمتى يفهم الفلسطينيون المتعطشون إلى الحكم والسلطة أن إبادة سكان عزة يعني تصفية للقضية وتنازل عن الحقوق والثوابت تنازلا كليا؟


كاتب فلسفي

(24)    هل أعجبتك المقالة (23)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي