أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"محمود حليمة"..واجه الموت 4 مرات وانتهى مهمَلا على كرسي متحرك

يعيش ابن "المعضمية" (وسط الصورة) اليوم في بيت صغير ومتواضع في أحد ضواحي اسطنبول - زمان الوصل

على كرسيّه المتحرك يجلس الشاب "محمود حليمة" من مدينة "معضمية الشام" داخل محطة قطار في اسطنبول مع عدد من رفاقه المصابين مثله دون أن تفارق الابتسامة وجهه وهو يستعيد قصص الموت التي مر بها في مدينته المحاصرة، حيث أصيب أربع مرات جرّاء الحرب والاشتباكات، كانت كل واحدة منها كفيلة بوضع حد لحياته. 

أصيب محمود 27 سنة الذي أطلق عليه مقربون لقب "الشهيد الحي" برصاصة قاتلة بالقرب من القلب أدت إلى وفاته لساعات قبل أن يعود إلى الحياة بعد تكفينه، وما إن استعاد جزءاً من عافيته حتى أصيب الشاب جرّاء سيارة مفخخة وضعها النظام في داريا، أما الإصابة الثالثة فكانت -كما يقول لـ"زمان الوصل" - جراء شظايا صاروخ أصابته أثناء نوبة حراسة كان يقوم بها على أطراف داريا، وكانت إصابته الرابعة في معركة حول "مقام السيدة سكينة" المزعوم في معركة مع ميليشيات حزب الله، وأدت إلى إتلاف عصب قدمه اليمنى وتفتت العظم بحدود 12 سم وغاب حينها عن الوعي تماماً ليتم إسعافه إلى أحد مشافي داريا الميدانية، الذي كان يفتقر إلى أطباء أوعية.

وكان هناك -كما يروي- 12 شاباً آخر أصيبوا بنفس الحالة، ولم يستطع الأطباء أن يفعلوا شيئاً لهم إلى أن قضوا جراء النزيف.

ولأنه لا بد مما ليس منه بد تدخّل أطباء غير أخصائيين وأجروا للشاب المصاب عملية أوعية كان لها تبعات سلبية على وضعه الصحي فيما بعد، وتم وضع أسياخ تثبيت خارجية لاتساع مساحة التفتت في العظم وعدم إمكانية زرعها في الداخل. 

بعد ذلك أُرسل حليمة –كما يقول– إلى مشفى ميداني في مدينة "المعضمية" ليوضع في غرفة الإنعاش حيث بقي ما يقارب 38 يوماً، وكان –كما يقول- ينتظر دوره في الموت لما رأى من أهوال وجثث وأشخاص حوله يفارقون الحياة تباعاً، ونظراً للافتقار إلى الأدوية والأجهزة والغذاء أصيبت قدمه بالغرغرينا، لتُضاف معاناة جديدة إلى معاناته.


بعد أن تعافى حليمة قليلاً تمكن من الخروج من الحصار بعد أن دفع رشوة كان مجبراً عليها لأحد ضباط النظام، وتوجه الشاب الجريح إلى درعا للدخول إلى الأردن، ولكنه لم يتمكن من ذلك، بحجة أن جرحه لا زال بارداً، واضطر حينها للبقاء في المدينة ليعيش أكثر من أربعة أشهر متوسداً الأرض وملتحفاً السماء.

وتوجه حليمة بعدها إلى مشفى "شهداء حوران" ولدى فحصه فوجئ الأطباء بوجود دود داخل قدمه وخضع لعملية امتدت لما يقارب الخمس ساعات، وبقي الشاب المصاب في المشفى المذكور لخمسة أيام دون طعام أو شراب أو ثياب بعد أن نزع الأطباء ثيابه المليئة بالدم وألقوها في حاوية للنفايات. 

بتاريخ 26-12- 2013 تمكن حليمة من الدخول إلى الأردن بوساطة من المجلس العسكري وهناك بدأ رحلة البحث عن علاج لساقه الجريحة ودخل إلى مشفى "دار السلام" حيث طُلب منه صور شعاعية وتخطيط للأعصاب وعندما أحضرها بعد أيام فوجئ بأن المشفى المذكور قد اُغلق ولم يعد يستقبل اللاجئين السوريين. 

ويضيف الشاب العائد إلى الحياة بنبرة مؤثرة أن أغلب من وعدوه بالمساعدة داخل سوريا وخارجها أغلقوا جوالاتهم في وجهه.وبقي ثلاثة أشهر دون أن يكون لديه دينار واحد أو ثمن علبة دواء، مضيفاً أنه سكن لدى أحد معارفه في مدينة إربد وتمكن بمساعدته من الذهاب إلى طبيب خاص نصحه بالدخول إلى مشفى لأن التهاب قدمه وصل إلى مرحلة خطيرة جدا.

واهتدى بعدها إلى مشفى الهلال الأحمر الأردني وهناك قالوا له –كما يروي– إن قدمه بحاجة لبتر ولا إمكانية لبترها حتى يخف الالتهاب، وأُعطي مهلة شهرين وخلال ذلك كان يتناول حبوب "ترامادول" المسكنة.


ويردف محدثنا أن أحد الأطباء نصحه بالذهاب إلى مركز "سوريات عبر الحدود" وهناك -كما يشير- تلقى رعاية واهتماماً مميزين، إذ تم عرضه على العديد من الأطباء، كما أجرى خمس عمليات مجاناً من بينها –كما يقول- فك جهاز التثبيت الهرجي لمرتين ونقل أوتار إلى قدمه المصابة. 

بعد سنتين من بقائه في الأردن عاد حليمة إلى درعا على أمل الوصول إلى أهله المحاصرين في دمشق، ولكنه لم يتمكن من ذلك بسبب ظروف الحصار فاضطر للسفر إلى تركيا، وهناك أُدخل عن طريق مفوضية اللاجئين إلى أحد المشافي حيث اكتفى الأطباء بإعطائه إبراً مسكنة لمرتين وقالوا له إن الإمكانية لا تسمح بمتابعة علاجه، وفاقم توقف العلاج من حالة حليمة الصحية، حيث أُصيب بالتهاب مزمن في نقي العظام. 

ويعيش ابن "المعضمية" اليوم في بيت صغير ومتواضع في أحد ضواحي اسطنبول مع عدد من الشبان السوريين الذين يستدين منهم ثمن الطعام والدواء، ورغم حالته الصحية الصعبة، إلا أنه تحول إلى موضوع استغلال من قبل الجمعيات الخيرية وهيئات الإغاثة، فالكثير منهم -كما يقول- يقومون بتصويره ويأخذون صورة "الكملك" والوثائق التي بحوزته بحجة تسجيله فيها وتخصيصه بمساعدات ولا يرى شيئاً من ذلك" -كما يقول- ويردف بنبرة يائسة أنه فقد الأمل من استجداء العلاج وينتظر أن يتم بتر قدمه ليرتاح، وخاصة أنه بلا عمل وليس معه أحد من أهله أو أقاربه الذين لم يرهم منذ أكثر من خمس سنوات.

فارس الرفاعي - زمان الوصل
(7)    هل أعجبتك المقالة (6)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي