أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

العراقيون يسقطون "الصنم" مرة أخرى في ساحة الفردوس ... رشيد شاهين

مقالات وآراء | 2008-11-22 00:00:00



قبل ما يزيد على السنوات الخمس من الاحتلال الأميركي للعراق وبالتحديد في التاسع من نيسان ابريل 2003، قامت مجموعة من العراقيين بالحادثة "المهزلة" الشهيرة، والتي اعتبرها الكثير من المراقبين فكرة أميركية أرادت من خلالها الولايات المتحدة أن ترسل رسالة إلى العالم تقول بأن إسقاط "الصنم" كما يحلو للبعض أن يطلق عليه، أو تمثال الرئيس العراقي السابق في ساحة الفردوس إنما هي دلالة واضحة على انتهاء عهد أو حكم دام لمدة 35 عاما، وان هذه الخطوة إنما هي خطوة فاصلة ما بين حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين وما بين الحقبة الجديدة المتمثلة بإقامة دولة "الديمقراطية وحكم القانون والتعددية"، ولقد اجمع كل من شاهد ذلك المشهد على انه كان عبارة عن مشهد "مفبرك"، وقد تمت تغطية هذا الحدث بشكل غير مسبوق في وسائل الإعلام العالمية وخاصة الأميركية منها بطريقة فيها الكثير من الاستعراض على طريقة أميركا في الدعاية والترويج.

والحقيقة أن تلك الحادثة المهزلة أو "الفرجة"، التي تسلق خلالها أحد جنود الاحتلال الأميركي " للصنم" وقام بلفه بالعلم الأميركي ومن ثم تم استدراك الأمر بان تم جلب علم العراق ولف على رقبة "الصنم" لم يشارك فيها سوى بضع عشرات من العراقيين كانت غالبيتهم الساحقة من أولئك الذين أتوا على ظهور الدبابات الأميركية والذين استطابوا الارتباط بالأجنبي واستقووا على بلادهم وشعبهم به، وعندما أؤكد على أنهم لم يكونوا سوى بضع عشرات وان العراقيين من سكان بغداد لم يشاركوا في تلك المهزلة فلأنني كنت هناك وشاهدا على ما جرى.

بالأمس تكرر المشهد لكن بطريقة أخرى فيها الكثير من الاختلاف، ولم يكن هنالك أي وجه من أوجه التشابه بين ما حدث في التاسع من نيسان ابريل 2003 وبين ما حصل البارحة، فلقد كان حدث البارحة بأيد عراقية وطنية صرفة، وبأمر من جهة وقائد عراقي لا تشوبه شائبة، وبإرادة عراقية لا يمكن التشكيك بها، وكان من الممكن لمن يريد أن يرى الحدث كما هو أو بشكله الحقيقي كما بجوهره، أن يلمس الفرق بين العمل "المفبرك" والعمل الأصيل، فلقد كان هناك من العراقيين الآلاف المؤلفة لم يتم تجميعهم بالطريقة التي تمت في المرة الأولى، ولم يكن هنالك رافعة أو جنديا أميركيا يلف علم بلاده على رقبة "الصنم"، لقد كان الأمر لمن يريد أن يراه بشكل موضوعي، طبيعيا وحقيقيا لا تمثيل فيه ولا ماكياج ولا تزوير، لقد ظل أبناء العراق النشامى يرمون الصنم لكن في هذه المرة كان الصنم يمثل رمز الاستكبار والبلطجة العالمية انه صنم جورج بوش الذي جاء إلى العراق غازيا محتلا بدون وجه حق أو أي سند قانوني.

كان حريا بالرئيس الأميركي أن يشاهد وأن "يتفرج" على ما تم بثه على الفضائيات بعد ظهر الجمعة، وكان عليه أن يراقب وان يلاحظ الفرق بين العمل "الاستعراضي" والمفبرك الذي قامت به قواته عند دخولها إلى بغداد، وبين العمل الأصيل الذي لا تزوير ولا "تزويق" فيه، والذي ينبع من قناعات العراقيين الذي ظلوا يرمون تمثاله حتى سقط في إشارة واضحة على مدى كرههم له وعلى معارضتهم لوجود قواته المحتلة، هذه القوات التي قال عنها إنها جاءت لتحرير العراق، ترى ماذا سيقول الآن وبعد أن تم إسقاطه بتلك الطريقة من قبل الشعب العراقي؟، هل سيصفهم بأنهم ناكرين للجميل أم سيعض على أصابعه ندما على كل ما اقترفت يداه ضد العراق كما ضد أميركا التي قتل من أبنائها ما يزيد على الأربعة آلاف على أيدي المقاومين الأبطال هذا عدا عن عشرات الآلاف من المعوقين الذين تسبب هو بإعاقاتهم وعاهاتهم المستديمة عندما قرر غزو العراق واحتلاله؟.

والحقيقة أن السؤال الآخر هو كم من المحطات الأجنبية مثل فوكس وسي ان ان وغيرهما من تلك التي "هللت وطبلت" لبوش واحتلال بغداد وإسقاط " الصنم" قامت بنقل ما حدث البارحة في الساحة ذاتها التي نقلت وببث مباشر ولم تتوقف طيلة السنوات الخمس الماضية عن إعادة بثه من إسقاط " للصنم"؟، وهل كان لديها الجرأة المهنية والأخلاقية لبث ما جرى في ساحة الفردوس؟ وهل أتت على ذكر الخبر ولو من باب رفع العتب ولو بإشارة صغيرة؟.

ما حدث في ساحة الفردوس هو ما كنا قد اشرنا إليه في أكثر من مقال من أن العراقيين يلزمهم بعض الوقت حتى تترسخ لديهم ثقافة "الاحتلال" وثقافة المقاومة، هذه الثقافة التي لا يمكن أن تبرز بين ليلة وضحاها خاصة في بلد مثل العراق عانى ما عاناه من حروب ومن نظام فردي حكم البلاد بالحديد والنار لما يزيد على الثلاثة عقود، هذه الثقافة التي ما إن تترسخ فإنها سوف تصبح ثقافة كل العراقيين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو القومية، والتي من خلالها سوف ينظر الكل العراقي إلى الولايات المتحدة وقواتها في العراق على أنها قوات احتلال وليس قوات تحرير كما حاول السيد الأميركي أن يقنع أبناء العراق والعالم، وهاهم أبناء العراق الذين بدءوا يدركون بان هذه القوات ليست سوى قوات احتلال وإنها تبغي استباحة الوطن والسيطرة عليه حتى خرجوا منددين رافضين للتواجد الأميركي ورافضين للاتفاقية الأمنية التي وقعت عليها حكومة المنطقة الخضراء والتي رفضها أبناء العراق الغيارى كما تم التنديد بها وتحريمها من المرجعيات الشيعية والسنية على السواء. بالأمس كان المشهد العراقي يقول لبوش ولأتباعه في حكومة الدمى "على الباغي تدور الدوائر" ترى هل سيتعظ بوش ومن يمثله في المنطقة الخضراء؟ وهل سيدرك هؤلاء بان أبناء العراق إذا ما غضبوا فسيأكلون لحم جلاديهم؟ هذا ما نتركه للأيام لأنها كفيلة بالإجابة عليه بشكل لا يحتمل التأويل.

2008-11-22


التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
بورصة.. طفل سوري يشهد على جريمة قتل أمه وجدته بيد والده      قيادي في "الجيش الوطني".. اتفاق أنقرة يحمل تهديدا لإدلب وما حولها      تركيا.. "هدية" لزعيم تنظيم "الدولة" توقع بسوري في قبضة الأمن      تركيا ترفع أسعار البنزين والديزل      بومبيو يبحث في السعودية جهود "محاربة العدوان الإيراني"      ناشط يروي كيف صفى شبيحة النظام عضو مجلس الشعب السابق "أحمد الترك" في مكتبه      المفوضية الأوروبية: خطر خروج بريطانيا دون اتفاق "ما زال حقيقيا"      إيران تحذر أمريكا: الرد على أي هجوم "لن يقتصر على مصدره"