أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

جوزيه ساراماجو .. ترى كيف يكتب هذا الرجل ؟

الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماجو ليس من الكتاب العاديين أو من الذين صنعتهم الظروف المجتمعية بل هو كاتب فذ ومن العيار الثقيل ، له موقع جميل في نفس كل من قرأ له ..
وأستأذن القارئ العزيز في الولوج إلي عالم هذا الكاتب الفريد ، كاتب لم تساعده الظروف الحياتية القاسية التي واجهته ، وحالت دون أن يستمر في دراسته فترك مقاعدها مبكراً ولم يصل إلي مقعد في الجامعة ، إلا أن ذلك لم يقف حجر عثرة أمام طموحه فلم يستسلم أو يظل مكتوف الأيدي ..
بل سعي الرجل بجد إلي أن يثقف نفسه بنفسه وأن يبني بينه وبين ذاته جسوراً من الثقة ليجتاز السبيل بكل تؤدة ومهل حتي أنه لم يبدأ الكتابة الإبداعية إلا في سن متأخرة ، قدم ساراماجو روايته الأولي " مانويل بالرسوم والكتابة" وصدرت في العام 1973م لتفرش الطريق أمامه نحو عالم الشهرة وامتازت تلك الرواية بثراء أسلوبها الشاعري في الكتابة عبر فيه الكاتب عن رؤيته الجمالية تعبيراً جيداً ,
ساراماجو حصل علي جائزة نوبل في الآداب عام 1998 ، ولد في مدينة أزينهاجا البرتغالية عام 1922 م عمل بمهنة الصحافة حتي عامه الثامن والخمسين في العديد من الصحف والمجلات البرتغالية ، له من الروايات :
ـ مرفوع عن الأرض 1980م .
ـ الطوف الحجري 1986 م " نال عنها نوبل"
ـ تاريخ حصار لشبونة 1989م .
ـ إنجيل يسوع 1991 م.
ـ عام وفاة ريكاردوريس 1998 م.
أصدر ساراماجو مؤخراً رواية جديدة تحكي عن طفولته ، وعن قصة تعميده ، كما يورد فيها من أين جاء اسم ساراماجو الذي يرجع الفضل فيه إلي موظف السجل المدني " السكير".
تري كيف يكتب هذا الرجل ؟
يقول جوزيه ساراماجو :
ـ لا يمكن أن تكون هناك كتابة بدون ذاكرة ، دائماً يتغذي الكتاب بما يتذكرونه ، في الحقيقة ، الجميع هكذا ، الذاكرة هي لغتنا الفعلية الحقيقية ،إنها مخزون ثرواتنا ، منجم الذهب ، أو منجم الماس ، ونحتاج إلي أن نبقيه نشطاً ومفتوحاً ، للإحتفاظ فيه بأحداث وتجارب الطفولة المهمة التي ستتحكم بطريقة ما في حياتنا وشخصياتنا كبالغين ، ما الذي سيحدث للشخص الذي نسي تلك التجارب ، لو لم يكن لدينا ذاكرة ، فنحن لا أحد ، ولا شئ يمكن لنا ان نعمله .
ـ ما ساعدني في " الكتابة " هو أنني أبدأ بفكرة واضحة نوعاً ما عما أريد قوله ، من أوضاع أو مواقف معينة ، لدي علاقة صداقة بكتابتي وربما يكون هذا استثنائياً وغير شائع ، وهو ماأقارنه بنمو الشجرة التي تم غرسها ونمت وطرحت بطريقة تبدو في آن واحد متوقعة وغير متوقعة .
إنها متوقعة ، لأننا إذا غرسنا مجرد شجرة زيتون فنحن نعرف ما هي النتيجة ، من السهل التعرف علي شجرة الزيتون ، لكن هناك درجة كبيرة من عدم التنبؤ ، إذ ليست هناك شجرتا زيتون متشابهتين ، بالمثل الكاتب يتجذر وينمو وفق منطقه الخاص .
ليس بإمكاني كتابة أربعين صفحة والعودة لتحويلها إلي ثمانين ، لا يمكنني صياغة مائة وعشرين صفحة إلي مائتين .
لا أبدأ بخطوط عريضة مفصلة ، اعداد قصة سلفاًُ بشكل مفصل جداً هو إجبارها علي الوجود قبل أن تأتي إلي الوجود ، لا ، كل كتبي بدأت كأفكار كتب ثم توسعت بفعل الكتابة إلي أن وصلت إلي نهاياتها .
ـ طريقتي في الكتابة ليست عشوائية ، تعطي كتبي للقارئ انطباعاً بالصلابة ، بهيكل حقيقي ، لكن هذا ليس نتيجة التخلص من المقاطع السيئة أو ما نسميه ضعفاً ، والعمل علي تقويته . إنه نتيجة لأن الكتاب بدأ من تلقاء نفسه وأنا قمت بقيادته إلي النماء بشكل صلب كمؤلف ، وأنا ممسك بالزمام ، بالطبع هناك شئ أقوله وهو أن كتابة الرواية مثل عملية تشكيل كرسي ، يجب أن يكون الفرد قادراً علي الجلوس عليه ، وأن يكون متوازناً فوقه ، إذا كنت قادراً علي انتاج كرسي كبير ، أو جيد ، فإنه قبل كل شئ يجب أن تتأكد أن له أربعة أرجل ثابتة فلا يهدد بحدوث ما لا تحمد عقباه ، كرسي بأرجل ثلاثة لن يبقي .
الكتابة هي المنتهي ، إنها العمل الذي أقوم به ، هي ما أشيده ، أنا لا أؤمن بالإلهام حتي أنني لا أعرف ما هو ، ما أعرفه هو أنه علي أن أقرر الجلوس إلي مكتبي ، والإلهام لا يدفعني لأجلس ، الشرط الأول للكتابة هو الجلوس ، ثم الكتابة .
( تلك هي الطريقة التي يكتب بها هذا الرجل العبقري جوزيه ساراماجو لعل فيها الدرس والعظة لنا نحن الكتاب .. ولكل شيخ طريقة ...)

محمد عبده العباسي
(19)    هل أعجبتك المقالة (19)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي