أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

ضريبة المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني .... أ.د. محمد اسحق الريفي

مقالات وآراء | 2008-11-18 00:00:00

دفعت زيادة المعاناة القاسية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في الضفة المحتلة وغزة إلى تشكيك الكثيرين في جدوى المقاومة ومحاولة الخروج من نفق عملية أوسلو المظلم، ويتجسد ذلك في إشاعة أن القضية الفلسطينية تقهقرت إلى الوراء بعد دخول حركة حماس في المعترك السياسي، وأنه لا خلاص لشعبنا من المعاناة إلا باستسلامه للعدو الصهيوني!

وبإمعان النظر في حقيقة هذه الشائعات، نجد أنها تمثل جوهر الدعاية الصهيوأمريكية الموجهة للشعب الفلسطيني، وذلك في سياق الحرب النفسية الصهيوأمريكية ضد شعبنا، التي تهدف إلى النيل من إرادته، وتحطيم روحه المعنوية، وإحباطه، وثني حركة حماس عن مواصلة مسيرتها السياسية الهادفة إلى الإصلاح والتغيير، وإقناع شعبنا وقواه السياسية المجاهدة بأنه لا مفر أمامه من غول المعاناة البشعة إلا بتخليه عن ثوابته، وتفريطه بحقوقه، ورضوخه للإملاءات الصهيوأمريكية التي تتبناها اللجنة الرباعية الدولية.

وحتى ندرك خطأ هذه الشائعات وتناقضها، لنرجع قليلا إلى الوراء، ولنتذكر الانتفاضة الأولى المباركة. فبينما كان شعبنا يقدم التضحيات الجسيمة، ويضرب المثل في الصبر والثبات والتضحية، ويصر على مقاومة الاحتلال بما يتوفر لديه من أدوات بسيطة في مواجهة الآلة العسكرية الصهيونية المدعومة بالتكنولوجيا العسكرية الأمريكية، أخذ بعض الناس ينظرون إلى جهاد الشعب الفلسطيني من زاوية بائسة ومحبَطة، فراحوا يبثون الشائعات بأن الانتفاضة قد أضرت بالقضية الفلسطينية، وأنها أدت إلى تدمير الاقتصاد الوطني وإلحاق أضرار بالغة بالعملية التعليمية، إضافة إلى تفشي البطالة بين فئة العمال... وهكذا.

ومع الأسف الشديد، فإن هذه المعايير المتناقضة والمنسلخة عن قيم شعبنا الذي يقاوم الاحتلال هي المعايير ذاتها التي يبني عليها الناس اليوم إشاعاتهم حول تقهقر القضية الفلسطينية، وهم يرون في عملية أوسلو الفاشلة التي أوصلتنا إلى طريق مسدود، ولم تحقق الحد الأدنى من طموحات شعبنا إنجازاً كبيراً حققه الشعب الفلسطيني منذ بداية مسيرة جهاده. وكأن تكريس الاحتلال الصهيوني وإحكام سيطرته على المعابر والحدود والاقتصاد والأمن والطرق الرئيسة التي تربط المدن والقرى في الضفة المحتلة وفي غزة، وفقاً لاتفاقيات أوسلو الأمنية والاقتصادية والسياسية، وتسليط ثلة من الانتهازيين والعملاء والمتعاونين أمنياً مع العدو الصهيوني على شعبنا المجاهد هو إنجاز لم يحقق شعبنا له مثيل عبر تاريخ جهاده!

وهذا خطأ كبير، فانتفاضة الأقصى لم تندلع إلا بسبب رفض شعبنا لعملية أوسلو وما تبعها من اتفاقيات وتفاهمات أمنية. فقدم الشعب الفلسطيني عشرات آلاف الشهداء والمصابين والمعاقين والأسرى لدفع القضية الفلسطينية إلى الأمام، والقضاء على عملية أوسلو، والتحرر من الاحتلال. ولم يعبأ شعبنا من أجل ذلك بإجرام الاحتلال، الذي قام بهدم آلاف المنازل والمنشآت، وتجريف آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية، وضرب البنية التحتية، وإقامة الحواجز العسكرية في الضفة وغزة، واعتقال الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني المجاهد، واغتيال المئات من المقاومين والمجاهدين، وتمكين الفئة المشاركة للاحتلال في عملية أوسلو من الإفساد والمتاجرة بقضية شعبنا ومساومته على حقوقه وكرامته وثوابته...

ولذلك كان لا مفر لشعبنا من تحجيم هذه الفئة، والجهاد السياسي ضدها، وتعريتها وفضح ممارساتها، والطعن في شرعيتها السياسية الزائفة، وانتزاع المواقع القيادية منها. وهذا ما يحدث الآن في فلسطين المحتلة، إذا لا تملك تلك الفئة حق إجبار شعبنا على الاعتراف بما يسمى (إسرائيل). وصحيح أن الشعب يعاني كثيراً بسبب مواقفه الرافضة للاستسلام، ولكن هذه المعاناة هي الضريبة التي يدفعها كل شعب يسعى لنيل حقوقه وكرامته ويدافع عن عرضه وشرفه، وإلا فلماذا قام الشعب بالانتفاضتين وقدم التضحيات الكثيرة!

إن ما يسمى "المجتمع الدولي" لم يكن منصفاً لشعبنا قط، ولم يختلف موقف المجتمع الدولي من مقاومة شعبنا قبل دخول حماس في المعترك السياسي ولا بعده، ويعد المجتمع الدولي مسؤولاً عن كل ما جرته عملية أوسلو على شعبنا من ويلات، عبر إقامة كيان حكم ذاتي فلسطيني معدوم السيادة، في مقابل اعتراف م.ت.ف. بما يسمى (إسرائيل) وشطب حق شعبنا في مقاومة الاحتلال. وحتى يخدع المجتمع الدولي شعبنا قدم له الأموال، لتنهبها الفئة المتسلطة على شعبنا وتنقلها إلى البنوك الأوروبية والأمريكية. وبقي شعبنا فريسة للاحتلال وقيوده الأمنية والاقتصادية وممارساته الإجرامية، فلم تتوقف عمليات التهويد وضم الأراضي وملاحقة المقاومين واعتقالهم واغتيالهم وتقييد حركة المواطنين وتنقلاتهم.

ولم تقتصر المعاناة الفلسطينية على شعبنا في الضفة المحتلة وغزة، فشعبنا في الأراضي المحتلة سنة 1948 يعاني الأمرين من العنصرية الصهيونية ومحاولة تهجيرهم من أرضهم بقوة الإرهاب والإجرام الصهيوني، وشعبنا في اللجوء ومخيمات الشتات يعاني الأمرين من الظروف غير الإنسانية التي يعيشها، وشعبنا في العراق يتعرض على أيدي الطائفيين وعملاء الاحتلال الأنغلوأمريكي إلى تصفية عرقية بشعة...

إن المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني اليوم هي نتاج تراكمات عديدة لأخطاء وانحرافات في الممارسات السياسية، والنهج، والفكر، والرؤى لدى من احتكروا القرار الفلسطيني. ولا يزال الاحتلال قادراً على استغلال تلك الأخطاء والانحرافات لخدمة مخططاته. ورغم كل ذلك، فإن شعبنا بخير ما تحلى بالصبر والثبات، وما عليه إلا احتساب المعاناة عند الله عز وجل، والاستمرار في مقاومته وجهاده ضد الاحتلال وشركائه.

17/11/2008

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
بالرصاص.. الأسد يستعيد ذكريات التوحش ضد المتظاهرين في دير الزور      أمريكا تفرض عقوبات على البنك المركزي وصندوق الثروة الإيرانيين      هاميلتون يتفوق على فرستابن في تجارب سباق سنغافورة      درعا.. قوات الأسد تعدم 4 أشخاص بعد إصدارها للعفو المزعوم      الكويت تفتتح 3 مدارس للاجئين السوريين بتركيا      الائتلاف: الفيتو الروسي الصيني غطاء للمجرم ورخصة لمواصلة القتل      ترامب: أمريكا تحرز تقدما كبيرا مع الصين      طهران: الرد على واشنطن سيكون من "المتوسط" إلى "الهندي"