أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

من قصص الوجع.. بعد "عنزة" النظام وساعته، القائمون على الثورة يكرمون ذوي الشهداء بـ "وثيقة"

نهلة المصري تبرز وثيقة إستشهاد زوجها - زمان الوصل

لو كان يهدى إلى الإنسان قيمته /لكنت أهديتك الدنيا وما فيها، بيت شعر لطالما استخدمه الكثيرون لتبرير صغر حجم عطاياهم وهداياهم أمام علو مكانة المهدى إليه.

تبرير لم يكن ليعني لنظام الأسد كثيرا على ما يبدو، بل ولم يكن مدرجاً ضمن قواميسه الحزبية أصلاً بعدما تدرجت عطاياه لذوي قتلاه من الجنود الموغلين بسفك دماء السوريين من "عنزة" إلى "ساعة حائط" وليس آخراً "علبة دخان معسل".

"برتوكول المواساة" هذا، لم يبتعد عنه القائمون على الثورة كثيرا لحظة تكريم ذوي شهداءها والاحتفاء بهم ومواساتهم عرفاناً لهم بما قدم أبناءهم من تضحية وغيرية تجاه تراب بلادهم، وإن اختلفت "العنزة" و"ساعة الحائط" و"علبة المعسل" بين الطرفين، كما تقول "نهلة نهلة عبدالحليم المصري" اللاجئة السورية من بلدة القصير هنا في مخيمات عرسال على الحدود اللبنانية.

"نهلة" أرملة واحدة من أرامل شهداء الثورة اللاتي حالفهن الحظ كما تقول بالحصول على ذلك التكريم من "أولياء نعمة" ثورتها التي شاركت بها وعائلتها من يوم انطلاقتها الأول.

تقول "نهلة" إنها لجأت إلى لبنان وحيدة بدون زوج يساعدها على نصب أوتاد الخيمة وشد حبالها وتجهيز "الشوادر" فوقها... لم يأت الزوج، ليس لأن السيارة التي حملتني مع طفليّ علي ومحمد لم تعد تتسع لراكب جديد، بل لأن زوجي (خالد محمد المصري) قرر تغيير وجهة سفره في اللحظات الأخيرة من معركة القصير ضد ميليشيات حزب الله من صيف عام 2012 مؤكدا نيته أن يقضي شهيداً وجهته السماوات العلا دفاعاً عن شرفه وأرضه وأهله.


نهلة ابنة الـ33 عاما لم تتأخر في حصد (تكريمها الثوري) الأول كما تقول، إذا سرعان ما وجدت نفسها وطفليها علي ومحمد في العراء، عراء تمكن من أن يسلبها حصانتها الثورية بلمح البصر، ضارباً بجميع امتيازاتها كأرملة لشهيد وأم ليتيمين عرض الحائط.

واقع أجبرها وزوجة أخيها (سهيلة المصري، 35 عاما) أن تنصبا خيمة لهما اشترتاها من مالهما الخاص بعدما ضاقت بهما الأرض بما رحبت لتأمين خيمة داخل أحد المخيمات، رغم حضور جزء من قيادات ثورتها ونخبها الإغاثية على الأراضي اللبنانية.

تقول "نهلة" عن تكريمها الثاني والذي وصفته "بالمكرمة الثورية" إنه كان أشد "كرنفالية" وتشويقاً، بعد أن أصيبت بفشل كلوي منذ قرابة 4 سنوات، وباتت تقوم بعملية غسل الكلى مرتين في الأسبوع، ولكنها لم تجد من كل رفاق الخندق والثورة الذين خرجوا مع زوجها، من يسألها "من أنت" أو يساعدها ولو بثمن حبة دواء أو بأجرة طريق تدفعها لتصل إلى مشفاها الذي يكلفها ما يزيد عن 300 دولار في الشهر، عدا عن مصاريف التحليل الدوري وتكاليف المواصلات.

تقول زوجة أخيها سهيلة، وهي زوجة معتقل وأم لأربعة أطفال، وتقاسمها الخيمة ومهرجانات التكريم الثورية "الوهمية" إنهم يكادون يبيعون كل ما بين أيديهم من أجل القيام بعبء تكاليف نهلة العلاجية، معقبة: "الموت أشرف لي ولها".

وتسأل سهيلة مستغربة: أهكذا تعامل زوجة الشهيد؟ قبل أن تستدرك كاشفة المكرمة الكبرى التي قدمها المجلس المحلي لمدينة القصير، وهي عبارة عن ورقة ذيلت بـ"خاتم" و"توقيع" أنيقين وكتبت بخط الرقعة تسمى.. هي "وثيقة استشهاد" صادرة عن مكتب التوثيق في المجلس، ورقة لا رصيد لها ولا حضور إلا في سجلات الخالدين الذين ابتلعتهم الثورة، ورقة تذكرها بعنزة الأسد وساعة الحائط وعلبة المعسل، مع فارق بسيط هو تلك العبارة الموجودة فوق الخاتم الممهور على الوثيقة، عبارة تبدأ بـ"سوريا" وتنتهي بـ"حرة".

عبد الحفيظ الحولاني - زمان الوصل
(19)    هل أعجبتك المقالة (21)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي