أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"زمان الوصل" تميط اللثام عن وقائع وتفاصيل الصفعة الموجعة التي تلقتها موسكو فوق مياه المتوسط

صورتان كوزنتسوف في مرحليتن من رحلتها إلى الشواطئ السورية - جيتي

**هناك شيء أكبر وأخطر بكثير تحطم يوم تحطمت "ميج 29"
**"كوزنتسوف" خرجت من ورشة تعمير مكثفة للتو، وفقدت مهمتها الرئيسة أمام السواحل السورية
**كابرت موسكو بالكلام فدفعت فاتورة المكابرة باهظة ومضاعفة
**تحاشى الروس تحطم "ميج" فوق حاملتهم فشاهدوا تحطمها في السماء

خسرت موسكو ورقة رهان كبيرة كانت تلعبها في سبيل تسويق وتعظيم قدرة السلاح والعتاد الروسي، انطلاقا من تجربته في "الميدان السوري"، وجاءت الخسارة الباهظة جراء سقوط واحدة من أحدث الطائرات الحربية، في واقعة تم التركيز على مدلولاتها الخطيرة من الناحية العسكرية، رغم أنها حمل مؤشرات أكثر كارثية تدل على "تخلف" روسيا وسلاحها وتأخرهما عن ملاحقة ركب الدول الكبرى.
وفي هذا التقرير الخاص تحاول "زمان الوصل" أن تسلط الضوء على النتائج المخيبة للآمال التي جنتها موسكو من رحلة 10 آلاف كيلومتر تقريبا قطعتها حاملة الطائرات اليتيمة إلى الشواطئ السورية، محملة بأحدث نماذج الطائرات الحربية؛ من أجل استعراض "هيبة" و"سطوة" السلاح الروسي.. غير أن السحر انقلب على الكرملين.

*"القيصر الصغير" يناطح الكبار
ففي 13 تشرين الثاني/ نوفمبر لم تتحطم طائرة "ميج" كما أقرت موسكو مرغمة، بل تحطمت كثير من مشروعات روسيا وخططها للقيام بحملة إعلان "عملي" و"واقعي"، يعزز قناعة زبائن السلاح الروسي بما يشترونه، ويخفف تردد الزبائن المحتملين ليقدموا على عقد صفقات ضخمة، ويصدّق دعاية "بوتين" حول عودة روسيا بقوة إلى مسرح القوة العالمي، واستئنافها -تحت قيادة "القيصر الصغير"- مناطحة الكبار.

فمنذ تدخلها العسكري المباشر في سوريا لصالح النظام، عكفت موسكو مرارا على التلميح أو التصريح بأن الأرض السورية تشكل ميدانا مناسبا بل وربما مثاليا؛ لتجربة الأسلحة والذخائر، وإثبات قوتها وفعاليتها، وإعلاء شأن المنتجات الحربية لـ"روسيا بوتين" في عيون الزبائن، القدامى منهم والجدد.

وعلى هذا الأساس، تم الإيعاز لحاملة الطائرات اليتيمة بالإبحار رغم طول مسافة الرحلة (نحو 10 آلاف كيلومترات، ورغم كل صعوبات الدعم والتزود بالوقود (حيث رفضت إسبانيا ومالطا هذا الطلب)، ولم يكن هذا الإبحار من أجل أن تشارك الحاملة في قصف وتدمير حلب فقط، بل من أجل أن تهيئ لموسكو -التي تشتكي أمراضا اقتصادية لا نهاية لها-، مناخا ملائما لإنضاج صفقات مليارية، إما من باب القناعة الفعلية بالسلاح الروسي أو تحت ضغط عودة "البلطجي" الذي لا سبيل لاتقاء شره أفضل توقيع العقود معه ودس النقود في جيبه.

تقول الوقائع التي ستسوقها "زمان الوصل" أدناه، إن حادثة طائرة ميغ 29 كانت صفعة أشد من موجعة، ولها أكثر من بُعد، فقد جاءت الحادثة على متن الحاملة اليتيمة (كوزنتسوف)، وأصابت واحدة من أحدث طرازات المقاتلات الروسية، على يد واحد من أمهر الطيارين الحربيين الروس وأشدهم احترافية.


وستستعين "زمان الوصل" في كشف بعض الوقائع بتقرير انفردت بترجمته، نشرته صحيفة "جازيتا" الروسية، وجاء فيه أن السبب الحقيقي لتحطم مقاتلة "ميج 29KR"، قبل نحو 10 أيام، يعود إلى توقف محركيها كليا، وتحولها إلى قطعة حديد جامدة، لو بقي فيها طيارها ثواني معدودة لكان لقي مصرعه.

أما تفاصيل الحادثة، فتعود إلى اللحظة التي أقلعت فيها 3 طائرات "ميج 29KR " من سطح حاملة الطائرات "كوزنتسوف"، لتنفيذ "مهمة" فوق السماء السورية، ثم ما لبثت المقاتلات أن عادت من أجل الهبوط من حيث انطلقت.

هبطت الطائرة الأولى بدون أي صعوبات، وجاء دور الطائرة الثانية فانقطع كبل التوقيف الثاني (الموجود على متن الحاملة) عندما محاولة ربطه بالخطاف الموجود في مؤخرة الطائرة، ولم يكن أمام الطيار إلا استخدام الكبل الثالث، لكنه كان مشتبكا مع الكبل الثاني، فلم يبق للطائرة وهي تسابق الثواني قبل أن تخرج من المهبط.. لم يكن أمامها سوى الكبل الرابع والأخير، ونجح الطيار ومعه طاقم الحاملة في إيقاف الطائرة وتأمين هبوطها.. ولكن ماذا عن الطائرة الثالثة؟.. وكيف ستهبط.


*هربوا من التحطم فلحقهم
لم يجد الطاقم المسؤول عن "كوزنتسوف" إلا حلا وحيدا، وهو إعطاء الأوامر لقائد الطائرة الثالثة بالتحليق لفترة في الجو، ريثما يتم إصلاح الكبلات اللازمة لتأمين الهبوط، حيث لم يتبق من كبل يمكن به إيقاف الطائرة إذا ما هبطت، وحيث الهبوط هنا يعني تحطما حتميا.. ولكن الخيار الكارثي الذي هرب منه الروس، لحق بهم متأخرا بعد برهة قصيرة.

ولتوضيح الصورة أكثر، فإن أي طائرة مخصصة للهبوط على متن حاملة طائرات، لابد أن تكون مزودة بخطاف في مؤخرتها، يتم وصله –لدى الهبوط- بإحدى الكابلات الموجودة على سطح الحاملة، ضمانا لتقليل سرعة الطائرة إلى الحد الأقصى وتأمين هبوطها داخل نطاق المدرج، وعدم سقوطها في البحر.

والحاملة "كوزنتسوف" مزودة بـ4 كابلات، الأول عديم الفائدة عمليا، لأنه يقع على مسافة قصيرة من بداية المهبط، ويشكل استخدامه خطرا قد ينجم عنه اصطدام الطائرة الموشكة على الهبوط بسطح الحاملة، وبناء على ذلك يبقى أمام الطيار 3 كابلات، من المفضل -ومما يدل عل حرفيته- أن يعلق طائرته بالثاني من هذه الكبلات، وإن لم يكن فبالكبل الثالث، وإلا فإنه سيكون مضطرا لآخر الدواء، وهو الكبل الرابع الذي يعد بمثابة كبل طوارئ، لايستخدم إلا في الحالات الحرجة، ولا يلجأ إليه إلا الطيارون قليلو الخبرة.


ولأن الطائرة الثانية قضت على كل الخيارات، فقطعت الكبل الثاني وشبكته مع الكبل الثالث، واستهلكت الكبل الرابع، لم يكن أمام قائد طائرة "ميج" الثالثة إلا أن يقوم بـ"لفة" أخرى في الجو ريثما يتم إيجاد حل، لأن هبوطه مستحيل بكل المقاييس.

حاذر الروس تحطم الطائرة وهي تهبط على مدرج الحاملة، ولكنهم ما لبثوا أن ذهلوا وهم يرونها تتحطم في الجو بعد قليل، وتهوي في البحر كتلة واحدة، قبل أن يقذف قائدها نفسه إلى الخارج.
*عراضة

تبّين المعطيات الأولية –حسب "جازيتا"- أن تحطم الطائرة كان بسبب انهيار محركيها كليا بعد توقف تدفق الوقود إليهما (لم يتم الكشف عما إذا كان التوقف بسبب نفاد الوقود، أو لخلل فني)، ومع انهيار المحركين تحولت الطائرة إلى خردة حديدية، ضررها أكبر من نفعها، هذا إن بقي لها نفع.

وبنظرة سريعة على التفاصيل المكتشفة حتى الآن، يمكننا أن نستعرض الأخطاء القاتلة وسوء الإدارة المفجع الذي ينخر جسد المؤسسة العسكرية الروسية، سواء على مستوى المعدات أو الطاقم البشري.

ومن أول الأخطاء القاتلة أن تكون حاملة الطائرات الروسية الوحيدة والتي تمت "زفتها" إلى الشواطئ السورية بـ"عراضة" إعلامية ضخمة.. أن تكون على هذا المستوى من التقادم، إلى درجة أن كابلاتها الأربعة تعطلت أو خرجت عن الخدمة دفعة واحدة.

ويمكننا أن نقول وبكل ثقة إن هذا الخطأ يرقى إلى مستوى الخطيئة بل والجريمة في الدلو التي يحكمها القانون، خاصة إذا ما علمنا أن "كوزنتسوف" خضعت قبل توجهها إلى الشواطئ السورية لورشة ترميم وإعادة تأهيل مكثفة دامت 40 يوما، حيث خرجت الحاملة قبل أسبوعين فقط من رحلتها (انتهى تعمير الحاملة في 1 تشرين الأول/أكتوبر، وانطلقت نحو سوريا في 15 منه).

أما العورة الأخرى التي كشفت عنها الحادثة، فهي تتعلق بـ"ميج 29KR " التي تحطمت، وهذه المقاتلة تعد -في عيون روسيا- أسطورة تستحق الدعاية لها بشتى السبل، فهي الطائرة التي انتظرتها البحرية الروسية طويلا، لإحلالها مكان سوخوي 33.


ففي عام 2012 تم الإعلان عن البدء بإحلال طائرات "ميج 29KR" مكان القاذفة "سوخوي 33"، وكان ذلك مدعاة "فخر" لموسكو و"بوتين"، ولأسطول الشمال والحاملة "كوزنتسوف" على وجوه الخصوص، لأنها ستشكل المطار المتنقل لهذه القاذفات المتطورة.

وأبعد من ذلك، وفي آب/أغسطس 2016، أي قبل نحو 3 أشهر فقط، أعلنت روسيا على الملأ "نجاح" أول هبوط لمقاتلة "ميج 29KR" على متن "كوزنتسوف"، في رسالة موجهة مفادها أن قدرات روسيا العسكرية بدأت تستعيد زخم أيام "السوفييت" الخوالي.

وفي المحصلة لايمكن تجاهل الصفعة الأكبر التي تلقتها موسكو، باعتبار أن سقوط "ميج 29KR" جاء بينما تزال في مرحلة اختبار القدرات، وهي المرحلة الأشد حرجا في التسويق لأي طائرة ينتظر لها أن تسلب عقول جيوش العالم وتثير شهيتهم لاقتنائها. 

*مشروعات خردة
هذا فيما يخص السلاح والعتاد الروسي في ذروته، ممثلا بـ"كوزنستوف" و"ميج 29KR"، أما فيما يخص الكادر البشري فتبدو الطامة أكبر، فمن أصل 3 طائرات هبطت واحدة بنجاح، وأخرى بشق الأنفاس وباستهلاك كل الخيارات، وثالثة تحطمت، ما يكشف فقرا خطيرا في تأهيل العاملين ضمن سلاحي الجو والبحرية الروسيين، أقلها من أجل أن يكونوا على مستوى دولة تدعي العظمة وتروج لتفوقها في المضمار العسكري خصوصا.

ولكن كيف سيكون الحال، إذا ما علمنا أن الطيار الروسي الذي تحطمت طائرته وهوت في البحر، يعد من بين أكثر طياري موسكو الحربيين احترافا، وأنه يشغل منصب "رئيس قسم أمن الطيران في أسطول البحر الأسود"، ولديه سجل طويل في الطيران، ضمنه أكثر من 200 عملية هبوط على سطح "كوزنتسوف".

ويعج من يتم اختيارهم للإقلاع والهبوط من على متن الحاملات، من نخبة النخبة في سلاح الطيران، لما يتطلبه عملهم من دقة ورابطة جأش، وقدرة على تحمل ضغوط جسدية ونفسية وعصبية هائلة (يمكن الرجوع إلى مقال مهم للعقيد الطيار إسماعيل أيوب ).

وحتى دون معرفة هوية الطيار وقدراته، يبدو من الطبيعي والبديهي، أن لا تغامر روسيا بإسناد مهمة قيادة طائرة متطورة مثل "ميج 29KR" وباهظة (كلفة الطائرة الواحدة تقارب 35 مليون دولار) إلى طيار مبتدئ أو متوسط الخبرة، فكيف إذا كانت مهمته الإقلاع والهبوط من مدرج بالغ القصر، كما هو في "كوزنتسوف".

وإذا كان الطيار الذي تحطمت طائرته وقذف بنفسه خارجها، هو على هذا المستوى "الاحترافي" فلا شك إن زميله الطيار الآخر (قائد الطائرة الثانية)، الذي كان السبب في كشف عورات "كوزنتسوف" وعورات روسيا العسكرية، لايقل خبرة عنه إن لم يكن أكثر.

ولعل هذا الانكشاف الفاقع والفشل الذريع، هو الذي جعل "كوزنتسوف" تتحول إلى قطعة خردة حديدية مركونة أمام سواحل سوريا، حيث لم تذهب نفقات الإبحار بها من أقاصي الشمال والدعاية لها هباءً وحسب، بل انقلب ذلك كله وبالا، وجاء بنتائج عكسية وضعت روسيا في حجمها الطبيعي كمنتج سلاح يمثل مشروع خردة لا يضاهى، آخذين بعين الاعتبار أن "كوزنتسوف" المتوقفة الآن عن العمل كحاملة طائرات، و"ميج 29" التي استحالت حطاما، كلاهما سلاحان معدان للاستخدام الروسي، أي إنهما يمثلان النسخ الكاملة والأكثر تطورا، وليس النسخ المنقوصة المواصفات التي يتم تصديرها للدول الأخرى، كما درجت العادة!

*ها نحن
أما بخصوص الدليل الذي يثبت توقف "كوزنتسوف" عن العمل كحاملة طائرات، فيورده تقرير مفصل نشرته دورية "جينز" العسكرية ذائعة الصيت، واطلعت "زمان الوصل" على جزء منه، وقد ورد فيه تأكيد –عبر صور الأقمار وتحليل البيانات- أن الطائرات الروسية التي كانت على متن الحاملة، باتت جاثمة على أرض مطار "حميميم" في ريف اللاذقية، ولم تعد تنطلق من على متن الحافلة أو تحط عليها.

لقد كابرت روسيا كثيرا، عندما تحدثت بعض التقارير عن تهالك "كوزنتسوف" وإطلاقها دخانا أسود أثناء رحلتها، وحاجتها إلى طراد لقطرها (جرها) بعد تعطلها في إحدى مراحل الإبحار نحو سوريا.. كابرت موسكو كثيرا إلى درجة أن كبير مستشاري وزارة الدفاع الروسية، نفى أن يكون الدخان الأسود دليلا على خلل تعانيه الحاملة، وادعى أن إطلاق هذا الدخان مجرد "عُرف" في البحرية يقصد به القول "ها نحن نمر بمحاذاتكم"!.. في تفسير لم تكن لتجرؤ على تقديمه قناة من وزن "قناة الدنيا" أو تروجه مذيعة من طراز "مذيعة المطر" التي فسرت خروج الناس أول الثورة السورية للاحتجاج على النظام، زاعمة أنه تجمع "لشكر الله على نعمة المطر"، وربما يكون تفسير المستشار العسكري الروسي "الرفيع" أقرب إلى تفسيرات من ادعوا يوما أن النازحين من قصف النظام في إدلب ذهبوا ليزوروا أقاربهم في تركيا وسيعودون، أو قول "بثينة شعبان" إن الأطفال الذي قتلهم كيماوي النظام في مجزرة الغوطة هم أطفال خطفتهم "الجماعات المسلحة" من الساحل، وقتلتهم في غوطة دمشق!

تقريران باللغة للمراجعة



زمان الوصل-خاص
(7)    هل أعجبتك المقالة (7)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي