أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

معركة فك الحصار عن حلب.. مفاهيم عسكرية جديدة أم تطوير لمبادئ الاستخدام القتالي؟

للمرة الأولى في التاريخ العسكري تنهزم فيها مجموعة جيوش تمتلك الجو، أمام مجموعات مقاومة- الصور من معركة حلب - زمان الوصل

ما قامت به فصائل المقاومة السورية في جنوب حلب لا يمكن اعتباره هجوما مباغتا ولا في غفلة من الزمان والمكان ولم يستخدم فيه سلاح فتاك يمكن أن يحسم المعركة، ولكن ما حصل في جنوب حلب، هجوم تم التحضير له قبل شهر وتم الإعلان عنه قبل شهر أيضاً على عدو مستنفر بنسبة 100% ويحتل كل النقاط والتلال الحاكمة في مسرح الأعمال القتالية ويتفوق بالعدة والعتاد مع غطاء جوي.

وخلال ساعات قليلة تنهار أقوى الخطوط الدفاعية للعدو المدافع المتفوق على طول خط الجبهة الذي يقدر بنحو 20 كم، وهذا هو الأمر الخارق للعلم العسكري الغربي والشرقي على حد سواء.

* قبل بدء المعركة
جرت معارك طاحنة بين قوات النظام والميليشيات الشيعية وقوات حزب الله من جهة وقوات المقاومة السورية من جهة ثانية شمالي حلب منطقة "الملاح" من أجل استعادة النظام طريق "الكاستيلو" وهو الشريان الوحيد لأكثر من 300 ألف نسمة داخل القسم الشرقي من حلب، وخلال شهر من القتال على المنطقة المتاخمة لمنطقة "الملاح" التي استعادها النظام تم قطع طريق "الكاستيلو"، وكانت قوات النظام والميليشيات بحالة من الاستنفار على باقي الجبهات خشية هجوم فصيل يستهدفها من الجهة الجنوبية لحلب التي شهدت قبل شهرين خسارة "خان طومان" وما حولها شرقا وجنوبا وصولا إلى "خلصة"، "برنة"، "زيتان"، و"العيس"، وحتى مشارف قرية "الحاضر" التي تعتبر معقل الميليشيات الشيعية بريف حلب الجنوبي.

ومن خلال هذا السرد القصير للمشهد العسكري نرى أن قوات النظام وحلفاءها كانوا في حالة هجوم شمال حلب وفي حالة دفاع محصن جنوبها من أجل إطباق الطوق على الجزء الشرقي من حلب.

في هذه الأثناء وفي ظل تصعيد من قبل الطيران الروسي وطيران النظام كان "جيش الفتح" وفصائل أخرى يعلنون بشكل شبه يومي أنهم سيقومون بعمل عسكري لفك الطوق عن حلب فيما لو تعرضت للحصار وهذا الإعلان حقيقة قد أفقد جوهر عامل المفاجأة لقوى الثورة والذي كان من المفروض أن تتنبه له قوات النظام وميليشيات إيران وحزب الله بالرغم من امتلاكهم كل وسائط الاستطلاع ومنها الطائرات المسيرة التي لم تغادر سماء المنطقة منذ عدة أشهر.


*موازين القوى قبل بدء المعركة
لا شك أن ميزان القوى له الدور الحاسم في تحقيق النصر، وإذا أردنا أن نقارن بين طرفي معركة حلب على جبهة طولها 20 كم نجد أن عدد عناصر النظام والميليشيات الموالية له عددهم 15 ألفا وهذا قوام فرقة مقابل 10 آلاف للمقاومة وهو بمثابة لواءين.

أما الدبابات فهي للنظام بقوام لواء، وللمقاومة قوام كتيبة، والعربات المدرعة كذلك، فضلا عن تفوق النظام في الجو وغيره من الاختصاصات مثل المدفعية.

وبالتالي القوات المدافعة، أي النظام، تتفوق على القوات المهاجمة بالعدد والعتاد مع غطاء جوي الجوي، وبالمقابل لا تمتلك القوات المهاجمة إلا المضادات الجوية المعروفة وهي مدافع م/ط عيار 14,5 بالإضافة إلى مضادات عيار 23 ملم وبعض المدافع ذات العيار 57.

*المفاجأة التكتيكية والعملياتية لمعركة فك الطوق
رغم أن إعلان شرعي "جيش الفتح" الشيخ "عبدالله المحيسني" بدء عمل عسكري قريب لفك الطوق عن حلب الشرقية قبل أيام من المعركة، وقبلها بشهر أعلن أن عملا عسكريا يحضر جنوب حلب، حيث نشرت "زمان الوصل" تقريرا مفصلا عن "ملحمة حلب الكبرى" 

، -رغم كل ذلك التمهيد- إلا أن قوات النظام وقوات الاحتلالين الإيراني والروسي، كانت مقتنعة بعدم استفادة الطرف المهاجم من مبدأ المفاجأة الذي يعتبر من أهم مبادئ الاستخدام القتالي.

وإذا أردنا أن ندرس هذه الحيثية لوحدها من خلال العلوم العسكرية في العقيدتين الشرقية والغربية على حد سواء نجد أن الطرف المدافع يتخذ الحيطة والحذر على كامل خط الجبهة، ولكن ومن خلال دراسة طبيعة الأرض يتوقع القائد العسكري للقوات المدافعة الاحتمال الأرجح لمنطقة الخرق التي يمكن أن يخرق منها العدو المهاجم والتي تقدر بقطاع عرضه 2 كم للواء وبنطاق عرضه 4-6 كم للفرقة المدرعة أو الميكانيكية في الجيوش الكلاسيكية، ومن خلال تقدير الموقف من قبل القائد المدافع يقوم ببناء جهاز التأثير الناري المركب على القوى المهاجمة (مدافع + دبابات+ صواريخ م/د+ طيران+ أسلحة الرمي المباشر)، إضافة للتجهيز الهندسي أمام قطاع دفاع اللواء أو نطاق دفاع الفرقة، وإذا علمنا أن خط الجبهة كان طوله أكثر من 20 كم وهذا ما يعني في العلم العسكري أن القوات التي تدافع على هذا الخط قوامها فرقة مختلطة /ميكا+ دبابات/ وعليه يمكن للقائد المهاجم أن يقدر العدو بشكل جيد، ما يعني أن حجم القوات المدافعة تنوف عن 15 ألف مقاتل بالمعنى الكلاسيكي للدفاع المنظم على عدة أنساق. 


وإذا علمنا أن هجوم فصائل المقاومة السورية كان على كامل نطاق دفاع قوات النظام وأنه تم خرق خطوطه الدفاعية والمناطق المحصنة على كامل نطاقه الدفاعي أي على نطاق 20 كم، نجد أن الطرف المهاجم قد حقق مفاجأة تكتيكية عملياتية من العيار الثقيل بخرق المنطقة الدفاعية للعدو على كامل خطه الدفاعي مخالفا بذلك كل النظريات العسكرية الغربية والشرقية، وأنه قد تم تحقيق النجاحات العسكرية والتقدم والتوغل على كامل عرض خط الجبهة، خاصة أن القوات المهاجمة لا تمتلك غطاء جويا يؤمّن لها الضربات الكبيرة والمؤثرة أثناء الهجوم ولا الحماية من ضربات الطيران المعادي من أجل تحقيق وتيرة هجوم معينة، كالتي رأيناها في المرحلة الأولى والثانية للمعركة، أما نسبة تأثير إشعال الإطارات المطاطية "الدواليب"، فنسبة تأثيرها على الطيران لا تزيد عن 10 إلى 15% ، وبالتالي فإن تمكن المقاومة من التقدم وتطويقها خلال فترة زمنية قصيرة لأكبر المعاقل العسكرية للنظام في حلب وهي التجمع العسكري الذي يضم "معهد التأهيل الجوي، كلية المدفعية، كلية التسليح"، يعد عملا خارقاً في علم الحرب مخالفا بذلك كل النظريات العسكرية الشرقية والغربية من جميع النواحي وأنه ربما سيخلّد التاريخ العسكري كيف أن مجموعات مسلحة صغير امتلكت أسلحتها غنيمة من قوات جيش منظم مدعوما بقوات أجنبية برية وجوية هزمت جيشا كاملا التجهيز بهذا الشكل المذل على الصعيد العسكري والنفسي وأن هذه المعركة لن تمر مرور الكرام على المؤرخين العسكريين وأنهم سوف يفردون لها مساحات كبيرة من الدراسات العسكرية مستقبلا.

*زمام المبادرة التكتيكية
لا شك أن طرق وأساليب امتلاك زمام المبادرة كثيرة في الحروب الكلاسيكية بين جيشين متماثلين بالتنظيم والعتاد، ولكن في مثل معركة حلب، أعتقد أن العربات المفخخة كان لها الأثر الكبير في إعطاء باقي المقاتلين جرعة زائدة من الإقدام والتضحية وبالوقت نفسه إدخال الخوف إلى قلوب العدو.

ويعتبر سلاح العربات المفخخة عاملا حاسما في المعارك الصعبة، إذ تستطيع أن تخيف بالموت من يقاتلك ولكن لا تستطيع أن تخيف بالموت من جاءك ليقتلك بجسده، بالإضافة إلى تفجير النفق تحت مراكز قيادة العدو حيث تتطاير اشلاء العدو أمام باقي القوات المعادية المدافعة وهذا ما يضفي على المقاتلين المدافعين روح الهزيمة.

وأعطت الجرأة والإقدام لمجموعات الاقتحام وهذا ما مكنهم من امتلاك زمام المبادرة التكتيكية والنارية على خطوط التماس المباشر مع العدو.

*حقائق للتاريخ في 6 أيام
-للمرة الأولى في التاريخ العسكري تنهزم فيها مجموعة جيوش متجانسة من حيث الأهداف والأماكن والأزمنة وتمتلك كل مقومات الحسم العسكري مع غطاء جوي، أمام مجموعات مقاومة مسلحة استمدت معظم سلاحها و قوتها العسكرية كغنائم.

-للمرة الأولى في التاريخ الحديث يسقط خط دفاعي منظم وتحتل كل التلال الحاكمة خلال ساعات قليلة جداً على كامل خط الجبهة الممتد إلى 20 كم بآن واحد.

- للمرة الأولى في التاريخ العسكري الحديث يتم خرق المنطقة المحصنة على كامل النطاق الدفاعي للقوات وهذا خرق للعلم العسكري لم يحصل من قبل، فضلا عن امتلاك الطرف المهزوم كل وسائط الاستطلاع وكل وسائط المناورة بالقوات والنيران وامتلاكهم لمروحيات الدعم الناري ومروحيات الإنزال، وأحدث الصواريخ المضادة للدروع.


*مبادئ الاستخدام القتالي
لم تتغير مبادئ الاستخدام القتالي منذ فجر التاريخ العسكري، ولطالما كان تطبيق هذه المبادئ أو قسم منها على الأقل من أهم عوامل النصر في الحروب سواء القديمة أو الحديثة، وخاصة أثناء الحرب بين طرفين يتماثلان في القوى والوسائط إلى حد ما، ولكن مع تطور العتاد العسكري عبر التاريخ كان لا بد من تطور مبادئ الاستخدام القتالي وابتكار طرق وأساليب قتالية تتماشى مع طبيعة تطور العتاد، إذ من يبتكر طرقا وأساليب جديدة في المعركة هو الطرف المنتصر عندما يتماثل الطرفان في العدة والعتاد كلاسيكياً.

أما في معركة حلب الأخيرة التي قلبت كل موازين علم فن الحرب لصالح القوات المهاجمة التي لا تتماثل مع الطرف المدافع ولا بنسبة 20 % من قوتها وعتادها فيمكن القول إن مبادئ الاستخدام القتالي لن تتغير، ولكن المؤكد أن ما حدث سيضيف إلى مبادئ الاستخدام القتالي مبادئ جديدة (كمبدأ قوة الحق واستمداد القوة منه وقوة الإرادة) وطرق وأساليب قتالية جديدة في بحر مبادئ الاستخدام القتالي التي طبقها ثوار حلب بمنتهى الدقة والحرفية، حيث كانت جاهزيتهم القتالية عالية ودائمة وحشدوا ما تيسر من قوى ووسائط وتعاونوا فيما بينهم وركزوا جهودهم وفاجؤوا العدو بأساليب قتالية جديدة أثناء الهجوم وناوروا بالقوى والوسائط واقتصدوا فيها حسب مجريات المعركة وأثروا على عدوهم بشكل فعال وبالوقت المناسب، وكان التوجيه المعنوي والاستفادة من الجوانب النفسية والمعنوية والدينية للمقاتلين قبل المعركة من قبل القادة على خير ما يرام وكانت قيادة المعركة حازمة ومستمرة وصارمة ودائمة فكان لا بد من النصر.

العقيد الركن الطيار اسماعيل عبد الرحمن أيوب - لــ"زمان الوصل" - خاص
(35)    هل أعجبتك المقالة (40)

عبد القادر السراج

2016-08-10

بسم الله الرحمن الرحيم ..إن كل الخطط الحربية والفنون القتالية والعلوم العسكرية التي يتلقاها المقاتلون قبل المعركة والتسليح الجيج والحديث ومواكبة أحدث التقنيات الحربية لها دور فاعل ومؤثر في مجريات المعركة ..لكن !! كل هذه المعارف والعلوم والتخطيط والتهيئة وحشد الجيوش ينقصها عامل مهم بل هو الأهم ألا وهو العقيدة القتالية للمحاربين ..فالفرق واسع وشاسع بين من يقاتل لهدف عظيم هو تحرير الأرض والعرض وبذل الروح وكل ما يملك من أجل تحقيق الهدف ولديه إيمان قوي بل عقيدة بأنه سينتصر ..وبين من يقاتل لمصلحة دنيوية حصول على مال أو منصب أو جاه ..فشتان بين المقاتلين ..فالأول عنده همة تطاول الجبال بعلو همتها والثاني همه أن يصيب من الرضى والمال مقابل قتاله ..وهذا هو سبب انتصار المقاتلين الحلبيين على أعدائهم المجوس والروس ومن قاتل معهم..


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي