أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

متنمرو السويداء، قاع المجتمع المقوّى بالسلطة*

مقالات وآراء | 2016-08-04 21:39:10
متنمرو السويداء، قاع المجتمع المقوّى بالسلطة*
   ماذا يحصل في السويداء - زمان الوصل
*د. مضر الدبس - كاتب سوري
تحوي أغلب المجتمعات، أفرادًا ميَّالين إلى فرض إرهابهم الشخصي على الآخرين، ويطلِق عليهم علماء الاجتماع اسم "المتنمرين" (bullies). هم ملوك قاع المجتمع، أبطال العالم السفلي؛ هم المتسلط، والقواد، ومهرب المخدرات، وتاجر الحرب، وحامي العاهرات، وملكٌ في ليل الشذوذ على مملكةٍ من دون أخلاق ونخوة وقيم.

 يشكل هؤلاء المتنمرون جيشًا خاصًا يضمن إثارة الذعر والسلبطة، ويشكلون قوة المجتمع السفلي الضامنة لاستمرار شره. عادةً يكون صدام هؤلاء المستمر والدائم مع سلطة القانون والدولة، إلا إذا كانت السلطة السياسية ذات بنية قمعية تسلطية مُتعسفة، عندئذ يصبح التنمر مقوّى بسلطة "الدولة" المسروقة. 

وكما يقول عبد الرحمن الكواكبي: "كلما كان المستبد حريصًا على العسف، احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له والمحافظين عليه، واحتاج إلى الدقة في اتخاذهم من أسفل السافلين الذين لا أثر عندهم لدين أو وجدان". 

هذه ظاهرة عامة، وتبدو أوضح في المجتمعات التي ترزح تحت وطأة الحكم التسلطي الجائر، وتبدو أكثر وضوحًا في زمن الحرب؛ الحرب التي نتوهم إذا اعتقدنا أنها محضُ خطإٍ بشري غير مقصود؛ بل هي "أداةُ حوارٍ" في منهجية الهمجية الطالحة. عانت السويداء بصمتٍ، خلال الثلاث سنوات الماضية، من تغولٍ كبير لقوى قاع المجتمع المقوّى بالسلطة، وفقدت الكثير من شبابها قتلًا، ناهيك عن الكثيرين الذين هُجروا عنوةً.  وكان الشاب المغدور ريان فرحان أبو فخر مثالًا أنموذجًا لتغول قاع المجتمع المقوّى بالسلطة على المجتمع والقيم. 

ريان طالب متفوق بيلغ من العمر تسعة عشر عامًا، يدرس الهندسة الميكانيكية، ويعمل في حديقة في مدينة السويداء. 

حاله كحال الشباب الذي يسعى لتأمين قوت يومه وتكاليف دراسته، في وطنٍ ما عاد يتسع له. قضى ريان طعنًا بسكاكين ثلاث شبان من المتنمرين المتعاملين مع الأمن العسكري في المحافظة لأنه، فقط، أدى عمله وطلب منهم عدم الجلوس في الأماكن المخصصة للعائلات. ومثل ريان حالات ضيمٍ وحيفٍ كثيرة. ولنا أن نتصور كيف يكون الحال عندما تأخذ مجموعة من القاع على عاتقها حماية البلد من "أعداء الداخل" قبل "أعداء الخارج" بتفويضٍ وتشجيع من السلطة على "خرق القانون" من أجل ذلك. ناهيك عن أن هؤلاء لا يستطيعون التمييز بين أداء الواجب (إذا سلمنا معهم جدلًا على أنه واجب) وبين التطاول على حياة الآخرين، وتحقيق المصلحة الشخصية والمآرب غير الأخلاقية، وغير المشروعة؛ كتهريب المحروقات، والتعامل مع "داعش"، وتسليم المعارضين، وبيع المخدرات، و"السلبطة"، والخطف، والقتل، والسرقة، والتحرش الجنسي، وتجارة السلاح، واستعراض الرعب..إلخ. نما لدى هؤلاء استعدادٌ للانسجام مع هذه الحالة النفعية اللاأخلاقية وتحقيق الفائدة الشخصية. 

ويتساوى ضمن هذه المجموعات اللص الذي يدعي تمثيل القانون، مع الدجال الذي يدعي تمثيل الدين، مع الطائفي الذي يدعي الليبرالية، مع العشائري الذي يدعي المدنية، مع الذليل الذي يدعي الممانعة والمقاومة، مع "الأزعر" الذي يدعي أنه يذود عن الأرض والعرض. ومن اسهل أساليب إشعال فتيل الحرب الأهلية هي إقناع كل طرف بأن الطرف الآخر، أو الأطراف الأخرى، تشكل خطرًا على الوطن أو على الدين. في العموم، يجب الاعتراف بأن هؤلاء المتنمرون لم يشكلوا استثناءً في انتمائهم لمجتمع الإنسان المقهور قبل الثورة، ولكن يبدو أنهم فئة لم تؤمن بالثورة كوسيلة لرد اعتبارهم الذاتي، بل آمنوا بالتماهي مع المعتدي كطريق يعيد لهم بعض الاعتبار لذواتهم، وهذا الطريق يكون أكثر انسجامًا مع خلفيتهم الثقافية السُفلى ومع نوعية تربيتهم؛ فهم يرون في القوانين والاحترام والأساليب الحضارية في الحياة انصياعًا وخوفًا يثيران الاحتقار، فتراهم لا يهتمون بالذوق الاجتماعي العام، ويستخدمون الشتائم في لغتهم أمام العامة، لا يحترمون إشارات المرور وقوانين السير، لا يقفون في طابور الفرن للحصول على الخبز كباقي الناس المحترمين، لا يأبهون لنظام عمل المؤسسات، لا يقيمون وزنًا للهدوء في المشافي، وإلى ما هنالك من سلوكيات يعرفها ويراها الجميع. ويقي القول أن عنف المتنمر يزداد مع زيادة الخوف عند الطرف الآخر. وكما يتم توليد الخوف باسم النظام، يتم ايضًا فهم النظام نفسه بفعل الخوف. وللخوف اسماءٌ أخرى مستعارة: الحياد، اللامبالاة، الخجل، السلمية المطلقة، السلم الأهلي المطلق، "الحيط بالحيط ويا رب السترة"، "ليست معركتنا"، "لا ناقة لنا ولا جمل"، "ضبط النفس"..إلخ. يشيد الخوف قلاعه، في الأغلب، على صخور الوهم ونقص المعرفة وافتقار القراءة العميقة السليمة. ومن الناس ما يبدد شجاعته كما بدد شهريار ألف يومٍ ويوم في انتظار ما ليس يأتي. ومن يخاف الخرابَ محقٌ كل الحق، ولكن ليتذكر مقولة ابن خلدون: "الظلم مؤذن بخراب العمران". فكيف بالظالم الآتي من خلفيات اجتماعية سفلى. وأخيرًا، ليست المسألة في معاقبة المتنمرين قتلة ريان أبو فخر فحسب، وليست المسألة صراع بين عبودية وحرية فحسب، بين ظالم ومظلوم فحسب؛ بل المسألة، في الواقع، صراعٌ بين القيم الإنسانية العليا والقيم السفلى نحو تكوين مجتمع الحرية والكرامة والقيم المقوّى بالدولة وسلطة القانون ضد التخلف والانحطاط الخلقي والقيمي، المسألة في إنهاء ظاهرة قاع المجتمع المقوّى بالتسلطية وبخطف الدولة، في أن تستقوي منظومة الأخلاق بالقانون، في تكوين سلطة سياسية أخلاقية على أنقاض شبكة تسلطية تستقوي بالحثالات وتقوّيهم.        

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
دورتموند يضم تورجان هازارد من مونشنجلادباخ      الذهب مستقر قرب أدنى مستوى في أسبوعين بفعل صعود الدولار      بكين تُدين عزم واشنطن فرض عقوبات على شركة صينية      قدم من تركيا عصرا وقضى بعد المغرب.. طيران العدوان الروسي الأسدي يقتل "أزمرلي"      استدعاء أجويرو لتشكيلة الأرجنتين في كوبا أمريكا      هواوي تطلق هواتف هونر جديدة دون الحديث عن نظام التشغيل أندرويد      بينهم سوريون.. السودان يعيد فحص الجنسيات الممنوحة للأجانب      يوم دامٍ في ريف إدلب.. الأسد يرتكب مجزرة في "معرة النعمان" حصيلتها الأولية 9 ضحايا