أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

"تبييض القتل".. ميخائيل سعد*

ميخائيل سعد | 2016-05-24 12:10:03
"تبييض القتل".. ميخائيل سعد*
   الكاتب: قدم النظام السوري كل ما يملك من خبرات لتشويه صورة ثورة الشعب السوري - أرشيف

 
*من كتاب "زمان الوصل"
في الأزمنة الغابرة، كان يكفي أن يعلن الثري الجديد عن عثوره على كنز في منطقة ما، كانت مأهولة، كالصحراء الافريقية الكبرى مثلا، أو ممرا لقوافل كطريق الحرير الذي كان يربط الصين بالبحر الأبيض المتوسط، أو مدينة قديمة كانت إحدى عواصم الدنيا، قبل أن تندثر بفعل الطائرات "المحلية والغريبة"، كدمشق وبغداد، ولم يكن أمام الناس مفرا من تصديقه. 

في موروثنا الثقافي مئات القصص عن بشر عثروا على كنوزهم بالمصادفة، لذلك كان سهلا تصديق ما يتناقله السويون عن أن فلانا من الناس نام على الحصير واستيقظ في اليوم التالي ليجد نفسه مليونيرا، كما حدث مع السوريين الذين سارعوا لتقديم طلبات تأسيس شركة بعد صدور قانون الاستثمار رقم ١٠، فبعد مرور أقل من ثلاثة أشهر على تقديمهم طلب الترخيص، باع بعضهم تلك الورقة التي تحمل عدة طوابع مالية، إلى آخرين بمبلغ خمسة ملايين ليرة سورية عام 1991.

كما روى لي بعض السوريين الذين رافقوا قادة الفروع الأمنية الأسدية، أو الذين شاهدوا "قادة الفصائل العسكرية الثورية"، إثر تقاسمهم المناطق "المفتوحة" بعد تحريرها من سلطة زملائهم الأمنيين، كيف كانت الملايين تأتي إلى جيوبهم وتخرج منها كما لو أن جنيّا هو من يفعل ذلك.

وكان بعض "الأثرياء الجدد" يقولون، في تفسيرهم لثرائهم المفاجىء، إنهم رأوا، في أحلامهم، أنهم عثروا على كنز، فيسارعون إلى المفسرين لعلهم يجدون خيطا أو بصيصا من نور يقودهم إلى حيث كنزهم المطمور.

وهذا ما يفسر انتقال "الثوار" إلى مؤيدين، وانتقال "المؤيدين" إلى ثوار أو إلى أمراء حرب دون مقدمات أو إنذارات.

فسر ابن سيرين حلم رؤيا الكنز بأنه: "يدل على حمل المرأة لأن الذهب غلمان والفضة جواري وربما دل على مال بكثرة أو علم للعالم ورزق للتاجر وولاية لأهلها في عدل، وقد قيل إن الكنز يدل على الاستشهاد والكنوز أعمال ينالها الإنسان في بلاد كثيرة وقيل من رأى كأنه وجد كنزاً فيه مال فيدل على شدة تصيبه". 

وربما هذا ما يفسر جزئيا عدم البحث عن مصدر الثروة او صحة قصة العثور على كنز في حياتنا الماضية أو حاضرنا. 

كانت كل تلك الروايات مقبلولة، بالنسبة لي، إلى أن قادني القدر إلى اسطنبول، حيث ذهبت، بناء على دعوة صديق، إلى محاضرة البروفيسور غسان الحاج "عن دار الحرب والرأسمالية والكولونيالية" التي نظمها "هامش"، فعرفت بعدها أن تفاسير ابن سيرين قد تكون مفيدة لبشر لا يريدون "تكسير رؤوسهم" ومعرفة كيفية "تببيض الأموال"، وخاصة تلك التي يكون ثمنها دم شخص أو دم شعب كامل.

كما عرفت أن وراء "الكنوز" الكبرى في بنوك العالم قصصا كثيرة وإبادات لأقوام وشعوب كاملة، تحت شعارات جميلة مثل التحضر والتحضير والعولمة ونشر القيم الديمقراطية والدفاع عن النساء والأطفال ومقاومة الإرهاب واجتثاث الاستبداد.

قال المحاضر إن نوعية حياة الرفاهية والحياة السعيدة التي يعيشها الغرب يجري تحصيلها على حساب حياة الآخرين. كما أن سياسة الحياة في الغرب معتمدة على سياسة الموت في أماكن أخرى في العالم.

وإذا كانت وثائق بنما قد كشفت عن علميات "خرافية" لتبييض الأموال والتهرب من الضرائب، وخاصة نهب أموال فقراء العالم، فإن حروب الشرق الأوسط، وخاصة في سوريا والعراق، قد كشفت عن وسائل لا تملك أي قيمة أخلاقية يمكن تلخيصها بـ"تبييض القتل". 

في سوريا، قدم النظام السوري كل ما يملك من خبرات لتشويه صورة ثورة الشعب السوري، وإظهار ما يجري على أنه "أعمال إرهابية"، لا تهدف فقط نظامه، وإنما النظام العالمي برمته، وخاصة الغربي منه، وإن على هذا الغرب أن يدعمه ويساعده في محاربة "الإرهاب" الإسلامي، وإلا فإنه سيدفع الثمن باهظا.

وقد أثبت الواقع اليومي أن الغرب لم يكن ينتظر نصائح النظام السوري كي ينخرط في محاربة "الإرهاب"، فقد قام بإنشاء التحالف الدولي للقضاء على "داعش"، متناسيا أن أسباب الإرهاب الحقيقية هي في استبداد النظام الأسدي، وأنه هو ذاته من هيأ المناخ النفسي والاجتماعي والثقافي لانتشار الحلم "الإسلامي" بكل تلويناته. 

إن سلوك الغرب هذا، ما هو في جذره، إلا محاولة منه لتبييض ثمن دماء السوريين، أمام شعوبه، قبل إعادة تأهيل نظام الأسد أو ما يعادله من نظام يمكنه أن يستمر في تقديم خدماته للغرب، وأن كلامه عن الديمقراطية هو نوع من ذر الرماد في العيون ليس إلا.

إن الغربي لا يعنيه معاناة الولد الباكستاني الذي يعمل كل يومه في أحد معامل الثياب من أجل رغيف خبز، ما يعنيه حقيقة هو شراء قميص رخيص الثمن بجودة عالية، وهذا ما كنت أعنيه عندما كتبت عن تبييض الدم السوري. 

إن الغربي ليس مع قتل السوري المسكين بواسطة طائرات بلده، ولكنه، حقيقة، ما يهمه أكثر من معرفة أن ذلك السوري المسكين قد لا يكون إرهابيا، هو أن يشرب فنجان قهوته بسعادة ودون أن يكون مهددا بإمكانية انفجار قنبلة بقربه، أو في قطاره أو مسرحه أو جريدته التي تضحكه من نقاط ضعف الآخرين المختلفين.
إنه، حسب هذا الاستنتاج، مع "تبييض" الدم السوري عبر دعمه لفكرة "محاربة الإرهاب الإسلامي"، شاء ذلك أم تظاهر بعدم الموافقة.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
وزارة الإعلام تتهم القائمين على "دقيقة صمت" بــ"السرقة والإحتيال والتهريب"      عفواً سامي الخيمي..ثمة غالب ومغلوب... عدنان عبدالرزاق*      بلنسية ينتزع لقب كأس ملك إسبانيا من برشلونة      خسائر "كفرنبودة" الزراعية.. إحصاء، دون قدرة على التعويض      ياسترمسكا تهزم جارسيا وتحرز لقب بطولة ستراسبورج للتنس      10 آلاف دولار.. غرامة لمن يقطف زهرة نادرة بتركيا      ارتفاع في أسعار الجنيه الإسترليني مع استقالة ماي      10 جرحى في إطلاق نار خارج حانة بنيوجيرسي الأمريكية