أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

النزوح الأرثوذكسي نحو "الغرب".. ميخائيل سعد*

ميخائيل سعد | 2016-05-03 12:09:04
النزوح الأرثوذكسي نحو "الغرب".. ميخائيل سعد*
   أرشيف

 
لست متأكدا من قدرتي على تحديد سبب مغادرتي مونتريال "الغربية" يوم "الجمعة العظيمة" الشرقية باتجاه عاصمة المسيحية الشرقية المتحولة إلى "الإسلام" لاحقا، بعد دخول "الفاتح" إليها عام 1453، فتصبح عاصمة العثمانيين.

غادرت مونتريال يوم "الجمعة الحزينة"، التي زادها حزنا دماء السوريين النازفة في حلب، ووصلت اسطنبول "القسطنطينية" يوم "سبت النور"، ونمت فيها لأستيقظ فيها على وقع قصف حلب من قبل الطائرات "الشرقية" الروسية والأسدية، وليس على وقع أصوات أجراس الكنائس السورية معلنة قيام المسيح من بين الأموات، وعلى انتشار الشرطة التركية في حي "طارلاباشي" الاسطنبولي، تحسبا من شغب محتمل يوم عيد العمال، الذي تصادف هذا العام مع عيد الفصح الشرقي، هذا الحي المسكون، ربما، بالمصادفة أيضا بغالبية كردية واضحة، تتحرك على وقع ما يجري في سوريا من جهة، والجنوب التركي من جهة أخرى.

لم يكن تاريخ مغادرتي وتاريخ وصولي مخططا كي يتوافق مع تلك المفارقات التي ذكرتها، كما أنني لا أستطيع الجزم "بحسن نواياي" في تحركي.

المهم أن من ذكرني بالفصح الشرقي هو أحد الأصدقاء المسلمين، الذي أرسل لي تهنئة بحلول عيد الفصح الشرقي، فأحرج أرثوذكسيتي "الراكدة"، وأخرجني من سرير نومي الممتع والوثير في "الغرب"، وتذكرت أنني الأرثوذكسي الذي هاجر إلى الغرب بحماس المبشرين المسيحيين الأوائل، والعائد إلى الشرق بفعل المصادفة، ليكتشف أن مزود "المسيح" فقد معنى وجوده في بيت لحم، التي لم تعد فلسطينية، ولم يبقَ أمام المسيحي الشرقي والمسلم العربي إلا صعود "درب الآلام"، وهكذا نرى، منذ أسبوعين، كيف يجري صلب المسيح السوري في حلب يوميا، بينما "الأمم" تصفق للقاتل "الأممي".

في العودة إلى البدء، لا أريد التخفيف من العوامل المحلية التي أدت إلى هجرة المسيحيين إلى الغرب، ولا الادّعاء بأنه لم يضايقهم أحد، ويدفعهم من أجل الرحيل عن أوطانهم في فلسطين وسوريا والعراق ولبنان، لأسباب مختلفة؛ قومية ودينية واقتصادية واجتماعية، فقد كانت موجودة، فوق كل ما سبق، رغبتهم في الهجرة إلى الغرب المسيحي، الديمقراطي، المستقر والغني، من بين الدوافع الهامة، بل ربما كان من أوائل الدوافع لهجرتهم وهجرة غيرهم من بقايا الأقوام التاريخية الشرقية إلى الغرب.

قبل ما يقارب العشرين عاما، كنت في محاضرة عربية في مونتريال استمع إلى "هرطقات" بعض المسيحيين الذين يبررون سبب هجرتهم إلى الغرب، وينسبونها إلى "الاضطهاد الديني"، وخاصة في مصر، فطرحتُ على شابة سورية شديدة الحماس لأفكار المحاضر، وكانت بجانبي، سؤالا عن ضعف تمسك المسيحي بالبقاء في وطنه مقارنة مع المسلم، فجنّ جنونها واتهمتني بشتى الاتهامات.

ولم أحاول الدفاع عن نفسي، فأنا أيضا موجود في الغرب، ولكنني سألتها أن تفسر لي سبب سلوك "عديلي" المسلم، الذي كان يعاني الأمرّين بسبب زواجه من مسيحية، دون أن يطلب منها تغيير دينها، فقد قلت له إنه سيكون مرحبا به في دوائر اللجوء إلى الغرب عامة، وكندا خاصة، إذا أراد الانتقال إلى هنا.

وقد أغريته بأنني بحاجة إلى إخوته ووجوده بجانبي في مونتريال، ورغم كل إنسانيته، ومحبتنا لبعضنا، فقد قال: لا أستطيع يا صديقي، ولا أريد أن أترك سوريا، فكل معنى وجودي وحياتي مرتبط ببقائي على هذه الأرض.

قلت للصبية المثقفة: كيف تفسرين موقف الرجل مقارنة مع مواقف كل من هو موجود في هذه القاعة، وغالبيتهم من المسيحيين الشرقيين؟

في الواقع، لم أسأل كي أتلقى جوابا، وإنما من أجل تحريك المياه الراكدة في مستنقع القناعات الخادعة، ولكي أقول إن هجرة المسيحيين ليست بسبب "داعش"، ولأنه خطف بعض الآشوريين، ثم أطلق سراح أغلبهم بعد أن تلقى فدية سرية، دفعها طرف خفي له، ولا بسبب الإسلام الجهادي في مصر، أو الحرب الأهلية في لبنان، أو الحرب "السنية-الشيعية" في سوريا والعراق، لا شك بأهمية هذه العوامل، ولكن يجب أن لا نغمض العينين عن أن هجرة الغالبية العظمى من المسيحيين الشرقيين قد جرت في السنوات السابقة لعصر التعصب "الداعشي"، وإنما في عصر الحكومات "القومية والاشتراكية"، وقبل ظهور نظرية "حماية الأقليات"، التي اخترعها النظام الأسدي كي يحصل على دعم الغرب له، في المقتلة السورية الكبرى، بحق الشعب الرافض للاستبداد، والثائر من أجل حريته وكرامته، ويجب أن نراها ضمن "الحلم" الثقافي الذي انتشر في الشرق عن أوروبا، والذي ساهمت ببنائه ونشره الثقافة الاستشراقية نفسها، التي كانت تريد الهيمنة على ثقافات الشعوب غير الأوروبية.

لقد هاجر الأرثوذكسي الشرقي إلى الغرب وفي رأسه حلم "ألف ليلة وليلة" الغربي، وليس الشرقي!
هل كان قرار عودتي المؤقت إلى الشرق يحمل أبعادا أخرى أوسع وأشمل من حلم ذاتي لرجل واحد؟ 
لا أعتقد بوجود حظوظ لحلم أوسع من الأحلام الفردية، ولا أستطيع إلا أن أستمر في حلم أن لا يفرغ الشرق من الأديان الأخرى والأقوام العريقة، ففي استمرار ذلك استمرار جمالية التنوع الشرقي الذي حافظ عليه آلاف السنين.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
ثلاثة مشاهد للطيب تيزيني*      الذهب يتراجع في ظل مكاسب الدولار      مارادونا يطالب بمقاطعة فيلمه الجديد      "صراع العروش" يسجل رقما قياسيا لعدد المشاهدين      النفط يرتفع بفعل تصاعد التوترات بين أمريكا وإيران      بعد يومين من الكيماوي.. الأسد يستخدم المواد الحارقة في ريف اللاذقية      روحاني: ظروف اليوم ليست مواتية للتفاوض مع الولايات المتحدة      مصدر: قوات روسية تطرد ميليشيات إيران من مطار حلب الدولي