أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الليلة ما قبل الأخيرة .... مرهف مينو

 

حط بالخرج ياشيخ ......

هكذا أنهى موفق الكلام ,رغم كل الألم ونوباته المفاجأة يرفض موفق الذهاب للمشفى والعلاج لم استطع وطوال ثلاث ساعات من الحسرة أن أقنعه ...

-         ربما يستطيع احدهم علاجك ؟

رشف ما تبقى من كأس الشاي , ونظر إلي واضعا أصابعه النحيلة الصفراء على يدي :

-         أنت تمزح ؟ ... صدقني العلاج الكيميائي يطيل عمر الألم ويتفنن في إبداع الوان جديدة منه .

كنت مدرك ان كلماته القليلة القادمة تستطيع إخراسي , أحببت ان التزم الصمت وأبقى صامتا للحظة الموت ...

-         أنت تطلب المستحيل موفق تريدنا ان نراك هكذا تذوب أمامنا , ولا نفعل أي شيء .

-         ومن قال لك هذا ؟

استغربت برودة أعصابه , رغم تلك الخلايا القاتلة التي احتلت دماغه والصداع الذي يستمر معه لساعات .

-         لا تخف فقدت الإحساس بالألم  " والله " .

اعرف انه يكابر او ربما توصل لإتفاق مع نوبات صداعه التي لا تنتهي , موفق لم يكن هكذا ..... لم يسيطر عليه اليأس أبدا ... حتى يوم توفي والده , كلمني ليلا وقال :

-         أتعلم .... لقد نسيته تماما

استغربت بادئ الأمر ما قال ... نسيته ؟؟؟

-         اليوم دفناه ونسيته    كيف ؟

-         أتعلم منذ ان خرجنا من المقبرة وانا أحاول ان أتذكر لون .. فشلت .. اتصدق ؟

هكذا موفق حين تظن بأنك تفهمه او اقتربت منه تكتشف انك ازددت ابتعادا ,مجموعة متناقضات غريبة , فكر غربي مستشرق خلطة من النادر ان تتعثر بمثلها , مرجعنا في الدين ,وأولنا في المعصية ....

كنا ما نزال نلتحف سواد مدينتنا وجوها الخانق المسيطر على الشوارع , ازداد الجو حرارة وارتفعت نسبة الرطوبة بعد ان مارست سيارات البلدية مهمة رش الماء .

-         هل تلاحظ ..... " والله ما بيفهموا لك رح يموتونا "

وضحك ...

-         ها أنت .. مثلنا اذا .. تخاف من الموت ؟

نظر الي وحبات العرق ترسم مسارا على وجهه الأسمر مسارات متشعبة كثيرة غير محددة الإتجاه , أخرجت منديلي ومسحت جبهته .

امسك يدي وضغط على جبهته بها .. اختنقت الكلمات في حلقه  وبكى ..

-         أتعلم ربما أنت الوحيد الذي سأفتقده هناك ..

لم اجب أحسست بأني موشك على البكاء وعيناي على وشك الانفجار أصبحت الغصة تملئ الحلق , والنفس ازداد اختناقا ....

-         كلما جلسنا مساء ... أظنها الأخيرة .

قالها وهو ينظر للأرض , ويتابع آثار قدميه على الإسفلت الرطب ...

-         أتعلم لقد قررت امراََ...

هززت رأسي لم أكن استطيع الكلام , انشغلت بعلبة سجائري الصفراء وقداحتي التي لاتعمل , كان من الصعب بالنسبة لي النظر اليه ...

-         والله " بخشت راسي انت وهالقداحة " أنت  لا تتعلم أبدا ... السجائر ستقتلك , خفف .

ابتسمت رغما عني ... فها انا امشي مع رجل ميت يحذرني من الموت .

ربتت على كتفه نظر الي مبتسما :

-         أعجبتك ها " السجائر ستقتلك "... اعلم ... لم تسألني ما قررت كعادتك ؟

-         ... ما قررت ؟؟

-         اليوم هي المرة الأخيرة التي سنلتقي بها ... لن استطيع رؤيتك بعد اليوم .

أدركت معنى الجملة بغته .. لم استطع تحليل كلماته اول الامر كان يتكلم بهمس وهو ما يزال ينظر للأسفل .. توقفت أمامه مباشرة , أمسكته من كتفيه ....

-         ولما ؟؟؟؟ ما السبب ؟؟؟؟

لم ينظر إلي أجاب وهو مطرق برأسه :

-         لم اعد استطيع ..... صدقني الأمر كل يوم يزداد صعوبة ...نوبات الصداع ورائحة مدينتي والشوارع المتآكلة .... وأنت , لم اعد أطيق سماع كلماتك عن الاشتراكية ونظرياتك الانقلابية التي لن اعيشها.... سأفتقد كلامك عن عبد الباسط الصوفي ولينين وزياد .... أتعلم ؟؟.... أنا لا أخاف الموت ... أخاف ان تشدني الحياة ولا أقوى على مفارقتكم ...

أرى الألم في وجوهكم كلما اجتمعنا ... لم اعد استطيع احتمال نظرات العطف والمواساة ,اشعربك عندما تنظر جانبا لاتريديني ان أراك وانت تمسك نفسك  .... تعبت

 

تركته وانسحبت الى كرسي الحديقة التي وصلنا اليها , رميت جسمي على المقعد ,شوارع المدينة خاوية الا من بعض سيارات الأجرة هنا وهناك .

-         لم تكن أبدا هكذا " لا اريد ان اراك مهزوما " منذ ان مرضت ورفضت العلاج وأنت هكذا مهزوم تجر خطواتك جرا

اقترب مني واضعا كفيه على راسي وقال :

-         اتذكر عندما حدثتني كيف ان الله ضحك ... من يومها وانا قوي كصخرة لست خائفا من الموت فمها كان ما فعلت سيئا , أنت قلت لي ان الله يضحك ... ظننتَ أني نسيتها ,

لا..... لم تغب عن راسي كلماتك تلك ... لا تعتقد ان القرار سهل بالنسبة لي ابدا .

كان يتكلم بهدوء ويبتسم تلك الابتسامة الخفيفة .... غاب وسط ظلام الحديقة يتبعه خفق أجنحة طيور الدوري التي استوطنت الحديقة .

(42)    هل أعجبتك المقالة (40)

عاصم

2007-08-02

كلما قرأتك عزيزي مرهف أشعر بجوع من نوع خاص للقراءة ....


هند

2007-08-02

تؤرجحني دائما انت بين ابتسامة السخرية ووجع القلب اظنك تقف على حد السكين دائما وترسم لنا من عليها اشهى الكلمات واجملها اخاف ان استيقظ صباحا لأجد نفسي داخل كلماتك او اتأرجح بين سطورك القصة جميلة وحزينة كالفترة الاخيرة التي تمر بها امتعتني عندما شربت معك سيكارة الحشيش ولكنك هذه المرة تفوقت على انتظاري الطويل بمادة فعلا ممتعة انتظران اشاهد اسمك على شاشة جوالي عندما تقرأ ما كتبت.


هيثم

2007-08-02

جميل ما كتبت وجميل ان اعلم انك بخير اذا ادخل زمان الوصل كل يوم من قلعتي في الحمرا عندما لا اراك اقلق واتصل وكالعادة لا ترد ولكني مطمئن الان موفق يا صديقي ساكن في الروح ايقظته ربما الان كلماتك من سباته الجسديى ومن سباته في ادمغتنا اتشوق ان تاتي باسرع ما يمكن لنجوب شوارع بيروت وناكل على الروشة كما تشتهي دائما.


إنانا

2007-08-02

مرهف....... لا اشك ان موفق كان اقوى منك في تلك اللحظة و لا اشك انه فكربك اكثر من نفسه رغم انه قد يفهم هروب او استسلام لشئ اتي هو الموت او هو رمي منسؤلية النفس عن النفس والتسليم لما قد يكون تحتيم وربما يرى البعض هالشي ضعف لكن انا اجده قوة وقمة القوة انك تواجه اللحظة بكل وجودها واوضح صورة الها برجع بقول انو تحرر من جاذبية الجسد يمكن ما عاد يكون تابع لاي جاذبية بس المهم انو مارح يعيش الشي اللي نسميه مجازا الموت لهيك اتمنالو الراحة واتمنالك البقاء يا مرهف .....الصديق.


زكوان

2007-08-04

ما كنت اتوقع ان يصل الانسان في اخر ايامه الى ان يقوم بمناظرة بين الواقع الاليم الذي نعيشة والواقع الذي ينتظرة الذي لايعرف عنه شياء ويفضلة بشغف ويسعى الية بكل ما اوتي من الام مشكور استاذ مرهف.


الياس جرجوس

2007-08-08

يبقى الموت عزيزي مرهف احد قدسيات خيبات حايتنا الأكثر صدقاوتطرفا..


التعليقات (6)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي