أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

الخروج من الجلد.. ميخائيل سعد*

ميخائيل سعد | 2015-11-24 11:47:13
الخروج من الجلد.. ميخائيل سعد*
   صورة تعبيرية
ميخائيل سعد
  "خيمة الفضائح"
*من كتاب "زمان الوصل"
خالتي أم عبدو امرأة سبعينية، ظروف حياتها الريفية لم تسمح لها بالتعلم فبقيت أمية رغم تزويجها من شرطي عمره ضعف عمرها، هو والدي. تحررت من أثقال الحياة العائلية، بعد أن اكتمل ريش الأولاد وغادروا العش، وبقيت وحيدة بعد وفاة والدي، استدعاها أخي الصغير لتعيش معه في سويسرا، فمن غير اللائق أن تبقى امرأة بهذا العمر وحيدة في بيتها الحمصي بينما أولادها ينتشرون في ثلاث قارات.

اعتادت أن تخرج من شقة ابنها في الأيام الجميلة، فتذهب وحيدة، يساعدها عكازها، إلى حديقة عامة قريبة. في الأيام الأولى، كانت تعود سريعا، بعد أن تمشي نصف ساعة، وتجلس قليلا لتستريح على أحد المقاعد. 

في الأسابيع التالية أصبح مشوارها يستغرق ساعتين أو أكثر، وعندما يسألها أخي عما كانت تفعله في هذا الوقت الطويل، كانت تجلس لتروي له الأحاديث التي تجري بينها وبين الجارات السويسريات في الحديقة.

كانت تحكي لأخي عن الطبخات السويسرية، وعن الثياب التي ترتديها صديقتها، وعن زيارات الصديقة لقبر زوجها، وعن البسكويت الطيب الذي تحضره تلك المرأة الى الحديقة.

كانت تحكي له عن رياضة المشي التي تمارسها مع صديقتها السويسرية. وتبدي استغرابها من ترفع النساء هنا عن النميمة أو التبعية للزوج.

كانت تصف لأخي كل ما يزعج أو يفرح هذه السيدة الشقراء النحيلة، وكأنها تعيش معها منذ أن ولدتها امها حتى الآن.

كانت خالتي أمية، لا تعرف القراءة ولا الكتابة، ولا تعرف أي كلمة فرنسية أو إنكليزية أو ألمانية، ولكنها مع ذلك، لم تكن تتوقف عن الحوار مع صديقتها السويسرية بلغة العيون واليدين وتعابير الوجه وبموسيقا الصوت.

قالت لها: إنها سورية، وإنها تعيش عند ابنها هنا، وإنها تحب هذا البلد، ولكنها تشتاق كثيرا إلى بلدها سوريا، فهناك ولدت وعاشت وأنجبت أولادها.

وهناك قبر أبيها وأمها وزوجها.
هناك ذكرياتها كلها، ورغم ذلك هي هنا مرتاحة وسعيدة مع ابنها وأحفادها. وقالت لابنها إن صديقتها السويسرية سعيدة بالتعرف عليها كما هي، وإنها ليست مـضطرة للخروج «من جلدها» كي تعيش هنا وتجد أصدقاء.

بعد مذبحة باريس، والتي أُريد لها أن تكون تهمة جديدة للعرب والمسلمين، وخاصة لمن يعيش منهم في الغرب، هبّت رياح الخوف لتقتلع الأمان من قلوبهم، فبدأ السباق بينهم «للخروج من جلودهم».

كثيرون قالوا إنهم ليسوا عربا؛ فهم فينيقيون أو أمازيغ أو أكراد أو سريان أو أي شيء غير عربي، وبدأ التسابق على القفز من المركب المثقوب.

وبعضهم دعا إلى إغلاق الجوامع إذا كانت ستجلب «لنا» الخراب، كما قال أحد السوريين المسلمين، الذي كان شديد الحرص على الذهاب إلى الجامع.

أما بعض غير المسلمين فكانوا شامتين بالإسلام والمسلمين، وقد سمعت ذلك من إذاعة ناطقة بالعربية في مونتريال.

إلى ما قبل الثالث عشر من تشرين الثاني، وهو تاريخ المذبحة الفرنسية، مارس السوريون كل أنواع «الخروج»؛ الخروج من البيت المقصوف، ومن الحي المهدم فوق رؤوس ساكنيه، ومن المدن التي رفضت البقاء تحت سلطة الاستبداد، ومن المناطق التي وقعت تحت استبداد السلاح «الثوري»، أو تلك التي وقعت تحت استبداد «الإسلام الجهادي».

وكان «الخروج السوري الكبير» هو الخروج إلى «برّ أوروبا»، على طريقة خروج موسى مع العبرانيين من مصر، هربا من المذبحة الأسدية اليومية. 

بعد المذبحة التي أخرجت أرواح 129 فرنسيا من أجسادهم، أصبح للخروج السوري معنى آخر، هو الخروج من «الجلد».

وربما أصبح المطلوب من السوري في الغرب، الذي بالكاد أنقذ روحه من بين براثن «الأسد»، أن يخرج من جلده ويعلن تبرؤه من دينه ومن قوميته قبل إسقاط تهمة «الإرهاب» عنه.

قد نجد مبررا للاجىء الذي وصل حديثا إلى "برّ حقوق الإنسان" الأوروبي، وخوفه من خسران هذا «النعيم»، بعد أن رفض الذهاب إلى «جنة» داعش، فأعلن بعضهم تنكره لدينه أو قوميته، فكيف سنجد مبررا للمواطن الغربي المسلم أو من أصول عربية الذي يفعل نفس الشيء؟!

كان من المنتظر أن يمارس المسلم الغربي، بغض النظر عن أصله، حقوقه ودوره كمواطن غربي، يعيش في أوروبا أو امريكا أو كندا، ويطالب بتطبيق قوانين حقوق الإنسان في كل الحالات وعلى الجميع دون استثناء، لأن في هذا مصلحته ومصلحة البلد الذي يعيش فيه.

وبما أن ممارسة طقوس العبادة هي حق لغير المسلم، فيجب أن تكون حقا للمسلم أيضا.

وبما أن العنف ممنوع ومدان من قبل المجتمع، فعليه كمواطن له دينه المختلف، أن يدين العنف أو «الإرهاب» أيا كان مصدره ومسببه.

بالمختصر المفيد أن يمارس حقه كمواطن ويقوم بواجبه أيضا دون زيادة أو نقصان.

أخيرا، أرى أن التأقلم مع المجتمع الجديد لا يعني أن تكون «تحته» أو «فوقه»، يعني أن تكون مساوياً للآخرين فيه، لك ما لهم، وعليك ما عليهم.

وهنا لا أستطيع إلا تذكر خالتي أم عبدو، «الأمّية»، واعتزازها بأصلها السوري والعربي أمام صديقتها السويسرية، التي احترمت هذا الانتماء، وأن المحبة والاحترام لا يحتاجان إلى لغة كي يصلا للطرف الآخر.
محمد علي
2015-11-25
بالهجة الحمصية من حمصي لحمصي مشتاق لبستان الديوان " يا اخي حاجي تدافع عن المسلمين الارهابيين هلاء بخملوك داعشي " ،،، طبعا الشكر موصول لمخائيل سعد ،،، مقال جميل
التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
صور... الضرائب والحرائق تشعل لبنان بالمظاهرات      واشنطن تعلن وقف العملية العسكرية التركية في سوريا      ترامب "يغرد" شاكرا أردوغان: الأخبار عظيمة قادمة من تركيا      أبناء الاغتصاب في البوسنة يستخدمون الفن لرفع صوتهم      عشرات الآلاف يشاركون في ماراثون بنيودلهي إحدى أكثر مدن العالم تلوثا      سامسونج تعد بحل مشكلة التعرف على البصمة في Galaxy S 10      "الوطني" يتقدم في "رأس العين" ووضع "قسد" هو الأسوأ      مقتل 6 عناصر من "الجيش الوطني" وجرح آخرين في هجوم لـ"قسد" شمالي حلب