أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"أفغنة سوريا" ووهم الحل السياسي.. فاضل الحمصي

أرشيف

مما لاشك فيه، أن أي حرب لا تنتهي إلا بقرار سياسي، ومع تحوّل الثورة السورية إلى حرب شعواء، بات لزاماً على كل الأطراف المشاركة فيها أن تضع أوراقها على الطاولة للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، وينهي ما تحمله معها من مآسٍ ومعاناة للشعب السوري. 

لكن، هل مازال الحل السياسي ممكناً في ظل التشعّب الكبير والتعقيد الذي وصلت إليه الأوضاع على الأرض؟

منذ بداية الثورة السورية، أكد الكثير من قادة العالم أن الحل الوحيد المتاح في سوريا هو الحل السياسي، وأن لا حلاً عسكرياً في سوريا، وبناءً على ذلك تم عقد الكثير من الاجتماعات والمؤتمرات، وتم التوصل لوضع مجموعة من القواعد والمسلّمات، وكان معظمها عبارة عن خطوط عريضة، كالحفاظ على وحدة سوريا والنظام العلماني فيها، وبعضها كان غامضاَ ويحتمل الكثير من التأويلات، كحال اتفاق جنيف1، ولم يكلّ العالم ولم يمل، حتى الآن، من عقد المؤتمرات، على الرغم من انتفاء قيمتها، وعدم قابلية أي حل سياسي للتطبيق على الأرض في ظل فوضى السلاح العارمة التي تجتاح الأراضي السورية.

بالعودة إلى التاريخ القريب، نلاحظ تشابهاً كبيراً بين الحالة السورية والحالة الأفغانية، بل إننا نلاحظ أن العالم يدفع باتجاه تكرار التجربة الأفغانية على الأرض السورية، أو أنه، إن أحسنا الظن، يفشل في إيجاد حلول فعالة، وهو ما أدى لتحوّل الثورة السورية تدريجياً لتصبح مشابهة للحالة الأفغانية.

في أفغانستان، ومع نهاية السبعينات، اندلعت ثورة مسلحة بمطالب محقة ضد نظام الحكم الاستبدادي، وتم تجاهلها من قبل دول العالم أجمع، ولم يتم تقديم أي مساعدة للثوار الأفغان في بداية الأمر، ونتيجة لذلك، تحوّلت الثورة رويداً رويداً إلى التطرّف. بعدها بأربع سنوات، وفي ظل الحرب الباردة، وبهدف إلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفييتي الذي أدخل جيشه للقتال إلى جانب النظام الأفغاني الحاكم، بدأت الولايات المتحدة بتقديم "مساعدات غير فتاكة" لـ"المجاهدين" الأفغان، والذين تحوّلت مطالبهم من المناداة بالعدالة الاجتماعية، إلى إقامة الدولة الإسلامية، وبعد مضي سبع سنوات على اندلاع الثورة، قدّمت الولايات المتحدة للمجاهدين الأفغان أسلحة استراتيجية، منها الصواريخ المضادة للطائرات، والتي كان لها الكلمة الفصل في هزيمة الاتحاد السوفييتي وخروجه مهزوماً من أفغانستان.

في العام 1988، وقبل خروج الجيش السوفييتي بسنة واحدة، اجتمعت الدول المعنية بالمسألة الأفغانية (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ودول الجوار) لإنهاء الحرب وإيجاد حل سياسي، ولم تضم الاجتماعات فصائل أفغانية فاعلة على الأرض.

وفعلاً، تم التوصل خلال الاجتماعات، التي عقدت في جنيف، إلى تشكيل حكومة ائتلافية تضم جميع الأطراف، وأجريت بعض التعديلات التجميلية على السلطة الحاكمة، وتم إدخال بعض "المعارضين" إليها.

وما جرى حينها أن معظم الفصائل العسكرية المعارضة رفضت تلك القرارات، واستمرت الحرب لأربع سنوات أخرى، وانتهت بسيطرة حركة طالبان على الحكم في العام 1992.

في الحالة السورية، عقد مؤخراً اجتماع في فيينا، بهدف الوصول إلى صيغة مقبولة من الجميع، وعلى ما يبدو، أن العالم يسعى لتكرار التجربة الأفغانية، حيث يسعى لإيجاد "حل سياسي" يرضي جميع الأطراف، باستثناء الأطراف الفاعلة على الأرض، والتي لم يتم دعوة أي منها للمشاركة في الاجتماعات! ويعتقد كثير من المراقبين أن احتفاظ بعض الدول بمصادر الدعم والتمويل، وقطعها عند التوصل إلى اتفاق، كفيل بإنهاء الحرب في اللحظة التي يتم فيها اتخاذ القرار من قبل الدول "المعنيّة"، وبالتالي لا أهمية تذكر لدعوة الفصائل السورية، وهذا الأمر منافٍ للواقع تماماً، فالفصائل التي استطاعت الصمود لخمس سنوات، تستطيع بكل تأكيد إيجاد مصادر بديلة، ليس أقلها التركيز على ضرب القطع العسكرية واغتنام ما يبقيها في حالة حرب، حتى لو ظل الأمر بدون حسم.

وربما يكون قطع مصادر الدعم سبباً لتقوية الفصائل المتطرفة، وإنهاء الفصائل المعتدلة، ويكون بذلك تكراراً للحالة الأفغانية.

الواقع على الأرض يشير إلى فوضى عارمة، فجيش النظام تحوّل إلى ميليشيا مقاتلة لا تحمل عقيدة الانتماء للوطن، وتنظيم الدولة يسيطر على أراضٍ شاسعة، ويسعى لضم ما تبقى من سوريا إلى "دولة الخلافة"، وجبهة النصرة وبعض الفصائل الأخرى تسعى لإقامة دولتها الإسلامية الخاصة، أما كتائب الجيش الحر المتناثرة هنا وهناك، فلا تمتلك أي مشروع سوى إسقاط النظام بكافة أركانه، ولن تتخلى عن مطلب إسقاطه مهما كلفها الأمر.

أما على الصعيد الإقليمي فالسعودية وقطر تريدان التخلص من نظام موالٍ للنظام الإيراني، وتشاركهما الهدف تركيا الخائفة على أمنها القومي من دعوات الانفصال الكردية.

وفي المقابل، روسيا وإيران لن تسمحا بإسقاط نظام الأسد، والذي استثمرتا فيه الكثير المال، وأحياناً الدم. 

في ظل هذا الواقع، يبدو أنه لا يمكن إنهاء الحرب السوريّة إلا بمزيدٍ من الحرب، ودعم الجيش الحر وتطبيق حل عسكري شامل ضد نظام الأسد والفصائل المتطرفة يبدو الوحيد الكفيل بوضع حد لهذه الحرب، أما الإصرار على حل سياسي يقضي بضم مقاتلي الجيش الحر إلى جيش النظام لمحاربة التطرف فهو مجرد إضاعة للوقت، أو أنه طبخة مسمومة تهدف إلى إنهاء أي وجود للجيش الحر وإجبار عناصره، الذين سيرفضون حتماً الانصهار في جيش النظام، سيجبرهم إما على ترك السلاح واعتزال القتال، أو على الانضمام للفصائل المتطرفة.

فاضل الحمصي - مشاركة لـ "زمان الوصل"
(74)    هل أعجبتك المقالة (73)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي