أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

فرمان من سالف الزمان ... نضال نعيسة

تحاول الكثير من الشخصيات "الاعتبارية" النادرة، وغير الطبيعية أحياناً، مقاومة عوامل التغيير، والوقوف في وجه المد العولمي الكاسح، الذي يجتاح العالم من أقصاه إلى أقصاه، ووضع العصي في عجلات الزمن المنطلقة، بلا هوادة، أو تلكؤ، نحو الأمام. وفي محاولة تبدو يائسة، وفاشلة، بآن، تحاول شخصية اعتبارية من "إياهم"، تمثل هذا الدور بعد أن انطلقت البشرية بعزم وتؤدة وثبات، نحو مسارات، ومجرات جديدة، أين منها هذه الشخصية الاعتبارية النارية صاحبة الفرمان.

إننا نتفهم الدوافع الحقيقية للفرمان الذي أصدرته هذه الشخصية الاعتبارية الموقرة، وهو المحاولة العبثية لاستمرار حقب التهليل، والتصفيق، والمدارة، والتعتيم على المقصرين، والفاسدين واللصوص المفسدين الكبار، الذين ألحقوا أضراراً كبيرة بسمعة الوطن، وأمنه، ولمّا يكتشف أمرهم، إلا بعد أن ضرب من ضرب، وهرب من هرب، بسبب نفس تلك السياسات الالتوائية التي تصر الشخصيات الاعتبارية على إعادة إنتاجها، وبعث الحياة فيها من جديد، والمزايدة على الناس بالوطنية، واحتكار الشرف والحقيقة والصواب. ولكم في ذلك درساً، وعبرة يا أولي "الاعتبارات".

كنا نتوقع من نفس تلك الشخصيات الاعتبارية اعتذرا رسمياً وعلنياً عن خدماتها المتواضعة بل والرديئة، وتحسين السرعات السلحفائية، التي تقدم لهذا المواطن المنكوب الذي أضحى في ذيل جميع القوائم، والإحصاءات التي تصدرها الهيئات والمنظمات المختصة عن الفقر، والحريات، والقمع، وتشفير الإنترنت، بفضل الشخصيات الاعتبارية ذاتها التي أتى الفرمان من أجل التعتيم والدفاع عنها بغية إطالة بقائها فوق رؤوس العباد. وكنا نتوقع توجيه رسالة شكر لبعض المواقع السورية التي تعمل بحرفية ومهنية وتستقطب الأصوات الوطنية التي تريد خيراً بالوطن وتعمل على إرساء قاعدة إعلامية وحوارية هادفة وصادقة تساهم في مسيرة البناء الوطني، وتواكب المسيرة العالمية في هذا الصدد وتكون أصواتاً سورية حقيقية تقف في مواجهة، ومقابل تلك الأصوات الحاقدة التي تنعق من كل حدب وصوب وتتجنى، وتفتري بما أنزل، وبما لم ينزل الله به من سلطان. وكنا نتوقع محاسبة الموظفين المقصرين الذين يرسلون صفحات بيضاء للمتصفح ولا تفتح إلا بطلوع الروح، وشق الأنفس، وتفسير سبب ذلك. ولماذا لا يفتح الإنترنت حتى بعد الدعوات والصلوات الخالصات الصالحات لرب العباد أن يوفق المتصفح بإرسال رسالة بسيطة لابنه، أو لحبيبته، أو لقضاء عمل ضروري يتوقف عليه مستقبله المهني ودراسته. وكنا نتوقع تخفيضات بنسب كبيرة وعالية تتلاءم وطبيعة هذه الخدمة التي تسوق مجاناً في الكثير من بلدان العالم التي فيها شخصيات اعتبارية حقيقية، ترفع لها القبعات، وليست مدعية وخلبية وتعيش في غابر الأزمان.

والسؤال لماذا لا تمتعض الشخصيات الاعتبارية من خدماتها البدائية الرديئة وما ألحقته بسمعة الوطن في مجال اختصاصها؟

ولماذا لا يحن قلبها، وتلين نفسها لفواتيرها الكاوية وأسعارها المحلقة عالياً في الفضاء، والتي تجلد وترهق ظهور العباد والفقراء؟ ومن هو القادر، أصلاً، على منع الناس من التفكير الحر والإبداع؟

ومن يضمن ألا تكتب تلك الأصوات بأسماء منتحلة في مواقع أخرى؟

ومن هو القادر فعلاً على التحكم بالإنترنت، وتدفق المعلومات، وحظر التعليقات، فمن لا يجد موقعاً سورياً يعلق به، سيتجه، ومن فوره إلى مواقع كثيرة، وغير بريئة أحياناًُ، تستقبله بالورود والأحضان؟ ولا أعتقد أن حتى النعامات، تفكر بهذه الطريقة في هذه الأيام. ولقد كان التاريخ البشري، عموماً، هو نفس هذا الصراع بين قوى القمع، والكبت والاستئصال الذي كان فيه الغلبة لقوى التحرر والإبداع والانطلاق، وما على قوى التشفير والحجب إلا أن تعترف بهزيمتها التاريخية وتكف عن المقاومة، وتلقي السلاح، لأنها ستجد نفسها، وحتماً، في معركة أخرى، وغير متكافئة، مع طواحين الهواء، والأشباح.

لقد وجد المواطن السوري المسكين، وبعد سنوات طويلة من الممارسات الإعلامية الرسمية البدائية والمخجلة، في الإنترنت متنفساً يستطيع من خلاله أن يوصل صوته المخنوق لقيادته، ووضعها بالتصور الصحيح لحقيقة ما يجري وطبيعة الأوضاع، وبما يفضي إلى قرارات جريئة وصائبة تنزل عليه وعلى وطنه برداً وسلاماً، وبعيداً عن نفاق ورياء وتطبيل وتزييف الشخصيات الاعتبارية إياها التي لم تسفر جهودها إلا على ما نحن عليه من تهافت، وفوضى، وتسيب، وخراب.

إن الفرمان الأخير والقاضي باللجوء للتهديد بالسجن والاعتقال للكتاب والمعلقين والتشفير والحجب والإغلاق ما هو سلاح الخائفين والضعفاء الذين لا يملكون الجرأة على مواجهة الواقع بأدوات علمية وصحيحة، ولا الحجة الدامغة للرد وتلافي الخلل والتقصير ورداءة الأحوال. ومن جانب آخر عدم امتلاك القدرة الحقيقية على التكيف مع متطلبات العصر المتسارعة، ومواكبة عوامل التغيير التي يبدو أنها فتحت على مصراعيها، ولا سبيل، ومع شديد الأسف والاعتذار، لإغلاقها، أو لعودتها، البتة، إلى الخلف والوراء.

للتذكير فقط، استخدمت منظومة القمع والاضطهاد السوفيتية السابقة كل أساليب التنكيل والترعيب والتعذيب وصنوف التغييب والاضطهاد المتطورة، وتحولت إمبراطورية الشر، كما سماها الممثل الرئيس رونالد ريغان، إلى سجن كبير من بابها لمحرابها، ولكن ذلك كله لم يمنع من انهيارها، ولم تكن فرماناتها القراقوشية سوى مسامير تدق الواحدة تلو الأخرى في نعش ذاك البنيان الهرم، ولم تساهم سوى في رحيل الجلادين، والقتلة، والسجانين، غير مأسوف عليهم، وبقاء طيور الحرية، وبلابل الانعتاق، وأصوات الحق تغرد عالياً في السماء.
نص الفرمان:
http://zaman-alwsl.net/index.php?item=view_article&id=628&PHPSESSID=61a01b2281ea9037cd45d217e33ae86f

كاتب سوري
(19)    هل أعجبتك المقالة (19)

محمد عرواتي

2007-07-31

فعلا عندما قرات نص الفرمتن ذهلت كنا نتوقع وكما اشرت اعتذارا من وزير الاتصالات المحترم وليس تهديدا بالحجب على كل اسمي موجود وان اراد رقم جوال اعطيه وسلام لكل الاقلام النظيفة.


المهندس غسّان النجار - ن

2007-07-31

اذا رأيت الأمة تهاب أن تقول للظالم : أنت ظالم فتودّع منها؛ اننا نعيش ببركة هؤلاء الكتّاب والمفكرين والناقدين ، ولن يموت حق وراءه مطالب ، فشدّوا الصفوف أيّها الأحرار ودكّوا معاقل المنافقين وسلام عليكم في الأولين والآخرين.


التعليقات (2)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي