أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

خط نار ممتد - الثامن والأخير - رواية .... محمد محمد السنباطي

الطريق إلى السويس


وصل عبد المنصف وحسن بليح إلى القاهرة واتصلا من تليفون محل بقالة 0 طلب منهما الطرف الآخر أن ينتظراه أمام مبنى المحافظة
- أنا قادم حالا
أخذا سيارة أجرة وذهبا حيث حدد لهما إلى ان وصلت عربة حكومية ولمحا من يشير إليهما 0
دهش عبد المنصف من حرارة اللقاء بين حسن بليح والضابط
- أقدم لك ابن خالتي عبد المنصف الواعظ 0 مدرس لغة انجليزية 0 يريد أن يذهب إلى الجبهة
- ولماذا تريد الذهاب إلى هناك ؟ هل أنت من السويس أساسا يا أستاذ عبد المنصف ؟
كان في العربة اثنان آخران من البوليس ورجل في زي مدني
- أقدم لكم الدكتور فكري الجوهري مدرس في كلية الطب ويريد أن يؤدي دورا في الأحداث
تمنى عبد المنصف لو نهض وقبله في جبينه .
- أتجيد استخدام السلاح يا عبد المنصف ؟ لاأظن !
- البندقية النصف آلية والآلية والمدفع الرشاش تدربنا عليها في معسكرات الجامعة
لابد أن يدور الحديث حول معجزة العبور وانفجار القمقم وخروج المارد المصري 0 معارك الدبابات التي ليس لها مثيل في التاريخ 0 دارت بعض النكات عن السمك الذي كان يريد ديان أن يشويه في القناة 0
وصلوا إلى السويس فوجدوها مظلمة 0 منقبضة 0 طلقات ثقيلة ترج الفؤاد قبل المباني 0 لا يعرف مصدرها وهل هي معنا أم علينا أم الاثنان معاً ؟ أحس بالضيق ثم أخذ يتفحص المكان ويعتاده لحظة بعد أخرى 0 عند قسم بوليس الأربعين تعانق حسن بليح والضابط :
- أتمنى لكما كل التوفيق 0 يمكنكما الاتصال بي في أي وقت
لايدري عبد المنصف إلى أين سيتجهان بالتحديد 0 الليل والمباني التي صمد بعضها للطلقات ممتلئا بالثقوب تحجثكماعما أصابها .إلى أين سنذهب يا عم حسن ؟
سحابات ثقيلة تتحرك ببطء موحش
- برودة من نوع خاص تسري في عروقي وتتسلل إلى أوصالي 0 أريد أن أفعل شيئا لكي أحس بالدفء
- لا تتعجل الأمر . الصبر طيب .

كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد نصف الليل عندما استطاع التعرف على منزل صبري الشيمي الذي أخذهما في أحضانه وهو ينفض عن عينيه النوم ويصيح :
- عطر الأحباب أنتما 0 وكان ما يزال في ملابسه الميري
- أخارج أنت أم أتيت توا من الخارج ؟
- لو وصلتما قبل ربع ساعة ما وجدتماني 0
مصباح كيروسين مضاء - تتحرك الظلال كالأشباح 0 يبدو أن الكهرباء كثيرا ما تنقطع هنا 0
- نعزمك أولا على السحور 0 معنا طعام من الريف
- البيت بيتكما والعزومة مقبولة 0 سأوقظ الولد والبنت 0 يا عادل 0 يا سلمى ليتسحرا معنا0
نهضا يحدقان في الضيفين 0 قام حسن بإعداد مائدة نالت استحسان الجميع 0 الرجل يأكل بشهية مما جعل عبد المنصف يحس بالفرحة 0 الشهية تدل على عدم الضيق 0 هو إذن سعيد بوجودهما 0 يبدو أن هذه الفرحة انفرطت على من حوله فأحس الضيفان بابتهاج ودلفا إلى الشرفة فاستطاعا بصعوبة بالغة تميز ترعة صغيرة عليها جسر من جذوع النخل 0 ارتج السكون وتقلقل هدوء الليل لدوي هائل 0 انسحب حسن داخلا ليقول لعم صبري :
- كيف تعيشون هنا ؟ معنا شاي وقهوة وسحلب وسكر كثير
قال عادل سأصنع الشاي بنفسي وطلب من عبد المنصف أن يدخل 0
- أبو جاموس يهز السويس 0 هذه الضربات موجهة إلى الجبل على ما يبدو
- أين تعمل بالضبط يا عم صبري ؟

- في الشرطة الملحقة بمحطة الوابورات في ورشة السكة الحديد 0 ومنذ تعطلت القطارات أقوم وزملائي بحراسة المكان 0

- ونحن ماذا سنفعل بالضبط ؟
- حسن بليح سيخبرك ، ويمكنك الإتصال بقادة المقاومة الشعبية في مسجد الشهداء او في أماكن أخرى كثيرة 0 علينا أن ننام الآن لأنني في غاية الإعياء والإجهاد 0 و0 الصباح رباح

بعد أيام قال لهما إياكما وترديد الإشاعات 0 لا تتحدثا مع أحد في مواضع شائكة
- نحن نعرف ذلك يا عم صيري
- سمعت خبرا أزعجني 0 سمعت والله أعلم أن العدو استولى على النقطة القوية في " تل سلام " بعد أن اندحروا عنها في بداية الحرب 0 استعادوها وتوسعوا فاحتلوا نقطتين قويتين في الدفرسوار 0 سقط منهم الكثيرون أشلاء ممزقة ولكننا فقدنا الكثير أيضا 0 وسمعت أنهم يضربون الفرقة 16 مشاة ليزحزحوها إلى الشمال في اتجاه الاسماعيلية 0 وطبعا قواتنا تصد بكل قوة واستماتة 0
ازداد توتر الرجل وهو يجهش حتى احمرت أنفه :
- دبابات معادية عبرت إلى الغرب وجنود مظلات لكني واثق أن أرضنا ستكون مقبرة لهم 0
ربت حسن بليح على كتفه وقال : ما تعرفه نعرفه نحن أيضا 0 الحمد لله أنك فضفضت وحكيت لنا حتى لا يضغط الحزن عليك فتنفجر 0 هيا يا رجل قم للنوم إن لبدنك عليك حقا 0 لكن عبد المنصف الذي أحضر الترنزيستور معه ولا ينام إلا بعد أن يقلب الإذاعات قال لهما : لقد حصلت اسرائيل على صواريخ جو أرض جديدة من طراز تاو تنطلق من الهليوكبتر على دباباتنا من مسافات بعيدة 0 إننا نحارب أمريكا 0

عشرة أيام - أطول من عشر سنين - وحسن وعبد المنصف يساعدان بالبحث في أنقاض المنازل والمنشآت عن جثث القتلى أو عن مصابين ما يزالون أحياء 0 كما يخمادان من الحرائق ما استطاعا ويعودان قبل الغروب ينهكهما التعب ورؤية الدمار 0 يصلان إلى منزل عم صبري الشيمي القابع أمام الترعة ذات الجسر الصغير القديم والرجل قد يكون سبقهما أو تأخر عنهما بينما ينبعث صوت الشيخ محمد رفعت من الراديوهات خصوصا إن لم تكن الكهرباء مقطوعة 0 وإذا كان هناك متسع من الوقت وفضل من الماء للاستحمام وإزالة رماد الحرائق عن الجسم ودماء الجرحى التي تيبست على اليدين 0 هذه الدماء التي يجدون صعوبة في إزالتها عن الملابس التي صار منظرها غريبا00 وإن لم يكن فلا بأس من تناول الطعام الذي تكون سلمى قد أعدته بمساعدة شقيقها عادل 0 ثم بعد ذلك يبدأ أحدهم في تنظيف الملابس أو غسلها ونشرها 0 كل واحد يوم 0 بالدور
- لقد فعلنا شيئا
بدأ حسن يحن لأولاده وخصوصا أحمد 0 بدا ذلك جليا في إصراره على ملاطفة عادل ذي الأربعة عشر عاما وسلمى التي تصغره بثلاثة أعوام 0 رفضا مغادرة السويس وفضلا البقاء مع أبيهما 0 البنت تقول لعبد المنصف :
- لو سقطت قنبلة فوقنا سنصبح شهداء وندخل الجنة 0 أليس كذلك يا عمو ؟
- أعطاك الله العمر المديد لتعيشي حياتك وتفرحي 0
الموت لم يعد يخيف الأطفال 0 إنهما يعيشان معه لحظة بلحظة 0 تعودا عليه 0 أريد أن أرى أولادي لحظات ثم أعود 0 قيل له :
- أولادك هناك يأكلون الطعام الشهي ويجدون الماء الطازج 0 الماء الجميل فيشربون بلا حساب ويستحمون تحت الدش سعداء فلا تقلق عليهم
- هل تعتقد أنهم يستسيغون اللقمة في غيابي ؟ أريد أن أراهم وأعود
- أجل ذلك بضعة أيام أخرى 0 إنهم يتحدثون عن وقف لإطلاق النار
انقطعت الكهرباء 0 عم الظلام الدامس لحظات ثم ظهر بعض الضياء الشاحب عبر النافذة وقام صبري لإشعال المصباح
- وأين هو وقف إطلاق النار هذا ؟
- أخشى إن عدنا إلى البلد لا نستطيع الرجوع إلى هنا مرة أخرى
تراقصت الظلال وتكشفت موجودات الحجرة وقال صبري الشيمي لعبد المنصف
- أما حسن فهو سويسي الأصل 0 وما يحيرني حقا هو موقفك يا أستاذ عبده
- أيدهشك أمري حقا
- يدهشني طبعا 0 مدرس لغة انجليزية قد الدنيا تتحول فجأة إلى حانوتي تدفن الموتى وتجمع الأشلاء
وقام ليحضر علبة الشطرنج واللوحة وقال حسن لعادل:
- قرب المصباح إليهما حتى يستطيع والدك أن يرى الملك جيدا ويقتله !
وبدأ صبري يرص القطع وكذلك عبد المنصف
- ألم تحاول رؤية المنزل الذي عشت فيه طفولتك يا حسن؟
- وهل هذا معقول يا حاج صبري ؟ لقد ذهبت إليه منذ عشرة أيام ووجدته أنقاضا 0 جلست دقائق فوق حجارته أحدثها وتدمع عيناي ثم تماسكت وفتشت تحت الأكوام عن أشياء ثمينة أعني ذكريات غالية لم تفلح القنابل في إطفاء بسمتها
- قالت الطائرات لمنزلكم : كش ملك مات الملك
- السويس يا أولادي تعيش تحت جلدنا وفي نخاع عظمنا 0 يهدمونها لكنها تنتصب من جديد ويأخذون العار ويرحلون 0 ابنتي سلمى أقوى منهم فهي تشارك 0
الخيالات تتراقص على الجدران كلما هبت نسمة وتلمع العيون بالتصميم 0 الكل يشارك 0 حرك وزيرك وإلا سآكله بالفرس 0 ألم أقل لك 0 انتهى الدور سريعا فلا أحد يستطيع التركيز 0 هيا إلى النوم
فتحوا أعينهم صباح اليوم التالي على انفجارات وقصف يزلزل المدينة 0
منذ الثامنة صباح الرابع والعشرين من أكتوبر تقصف السويس ولمدة ثلاث ساعات متواصلة تحول بعدها إلى قصف رأس الكوبري ومحاولة تدمير المعابر من الحادية عشرة صباحا وحتى الخامسة مساءا 0 سبع ساعات والقاذفات تقصف الجسور 0 يحاول أبطالنا في كل مرة إعادة إصلاحها فيسقط الشهداء في مياه القناة وتقصف الكباري فيعيدها الأبطال وتستمر الغارات الجوية لكن الرقيب محمد السيد حسن بسيوني لا يعبأ 0 يقوم بتجميع المعدية وفك الأجزاء المدمرة منها وإحكام ربط الأجزاء الصالحة بعضها ببعض كما يقوم المهندس البارع مصطفى حمودة بتركيب معديتين من بقايا الكوبري المدمر 0 تسقط قنبلة ألف رطل فوق إحدى المعديتين وتصيبها إصابة مباشرة فيخفض الرجل حمولتها لكنها ما تلبث أن تصاب مرة ثانية فيجمع المعدية من بقايا الكوبري المدمر لتوصيل أطقم قنص الدبابات إلى الضفة الغربية 0 يجازف وتنجح المجازفة 0
في نفس الوقت كان العقيد أركان حرب علاء الدين عبد المجيد درويش يوجه نيران المدفعية الثقيلة ضد تجمعات العدو في الضفة الغربية ليعوق هجومها على السويس 0 ماذا سيفعل العدو بعد القصف الذي استمر من الثامنة صباحا وحتى الخامسة مساءا غير أن يبدأ الهجوم البري الشرس على المدينة التي يتحداه صمودها ؟ وكان الرائد على رضا من الفرقة 19 قد تولى قيادة قنص الدبابات وعليه أن يعبر برجاله إلى الغرب للدفاع عن السويس 0
ها هم على الضفة الشرقية والطيران يضرب المعابر والمعديات 0 الحديد يتفسخ وينبعج ليسقط في الماء بينما كتل من المياه الهائلة الضخمة ترتفع فجأة كحيوان هائج لكثرة الرماح الموجهة إلى جسده 0 القذف لا ينقطع 0 الجنود المشرفون على المعابر مختبئون في الحفر حتى تنتهي الغارات فلا طاقة لهم بمواجهة صواريخ الطائرات ولا قنابلها الضخمة 0 أخذ الرائد على رضا يصرخ فيهم : أين أنتم يا شاب مصر ؟ الموت أفضل من الانتظار 0 اخرجوا من الحفر 0 يا شباب مصر هيا 0 اجمعوا أمامي بسرعة 0
وكلمة مصر في هذه اللحظات لها مفعول السحر 0 ترتعش الروح طربا لدى سماع رنينها الذي لا يقاوم 0 إنها تنادي فهل يتردد أحد ؟ كان الرائد منبطحا على الأرض لأن الطائرات كانت تدك موقعا قريبا جدا 0
ثم ...
بدأت الرؤوس تظهر من الحفر 0 أطل الجنود ومازال صوته يكرر النداء :
- يا شباب مصر اجمعوا 0
خرج جندي من حفرة ومن أخرى خرج آخر... ثالث ورابع . بدأوا يتحركون في اتجاه الصوت المحفز ثم اختار لهم مكانا مستترا للتجمع سبقهم إليه وسألهم وهو واثق من الإجابة :
- أأنتم رجال بمعنى الكلمة ؟ إذن عاونوني ومن معي لنعبر إلى الغرب 0
تجرأ جندي مؤهلات عليا أشار بيده كأنما يهدد وسأل :
- يا سيادة الرائد الحرب هنا في الشرق 0 فلماذا تريد العبور إلى الغرب؟ 0
- الحرب هنا وهناك في نفس الوقت 0 أنا قائد قنص دبابات وهؤلاء رجالي وسنتولى صد الهجوم الذي سيقوم حتما به العدو على السويس بعد القصف الذي تراه 0
وهنا تراخت يد الجندي وأبدى اعتذاره ثم أشار إلى زملائه الذين كانوا يتابعون النقاش وصاح بهم : علينا تغطية هؤلاء الأبطال حتى يعبروا سالمين ولو أدى ذلك إلى مصرعنا نحن


القوات المعادية تتجه إلى السويس من طريق الجناين وطريق القاهرة السويس وطريق الزيتيات . سريتان من الدبابات وسرية مشاة ميكانيكي تندفع نحو مدخل بور توفيق لمحاصرة مبنى المحافظة ، وأخرى قادمة من طريق القاهرة السويس تهدف إلى محاصرة قسم بوليس الأربعين ،و ثالثة تهدف إلى احتلال شركات البترول في الزيتيات 0
رغم القصف المتواصل تمكن الرائد على رضا من الوصول إلى المدينة بقواته سالمين للعمل على إغلاق مداخلها ومحاورها واستبشر خيرا عندما وصلت الذخيرة المضادة للدبابات مع سرية يقودها المقدم حسن عمارة حيث برزوا فجأة أمام اللواء الاسرائيلي المدرع القادم من الشمال في اتجاه الشلوفة وأمطروه بالجحيم 0
أعطبت دبابة ، اثنتان ، ثلاث 00 أربع دبابات تشوهت والقوة المعادية تحاول النكوص فيتشجع رجالنا وقد ملأهم تقهقر العدو ثقة ويواصلون إطلاق النار فتسقط عشر دبابات أخرى وترتفع صيحة الله أكبر فتكاد تغطي دوي الإنفجارات 0 تسير الأمور من حسن إلى أحسن حتى تصاب عربة ذخيرتنا وتنفجر 0
يرمقها المقدم حسن عمارة ثم يضع كفيه على عينيه كي يمنع الدوار
- يا خسارة ! لو لم نفقد هذه العربة لأجهزنا على اللواء المعادي بأكمله 0
أثناء الليل اتجه هذا القائد إلى الشرق وعاد بكميات كبيرة من الذخيرة 0 صفق له جنوده 0 وتمركزوا في حي الأربعين


رتل من الشمال ورتل من الجنوب يزحفان وسيلتقيان عند الميناء .
دبابات ما أكثرها وعربات نصف مجنزرة ومصفحات يستقلها المظليون وأفراد الاستطلاع 0 الزحف الواثق من نفسه يتقدمون وهم مقتنعون بالنتيجة 0 لكن باب الجحيم ينفتح 0 يفرون ويختبئون في بيوت السويس ويصاب الكولونيل قائد العملية ويحس الجميع أنهم في ورطة 0 كيف سينقذون رجال المظلات الفارين ؟ والأربي جيه تصيب العربات نصف المجنزرة التي كان يجب نقل المظليبن إليها 0
دون جدوى تحاول الدبابات الاتصال بالمظليين لكن الشعب العنيد لا يعطيهم فرصة واحدة فالعربات تشتعل فيها النار والدبابات تتعطل ومن بها يقفزون محترقين 0
يسارع العدو بإرسال المروحيات 0 تتمركز خارج السويس في انتظار نقل قتلاهم وجرحاهم لكن دفاعاتنا بصاروخ ستريلا تسقط إحداها وكان على متنها الطبيب أوري فرند وبعض رجال الإسعاف أطلق هذا الصاروخ أحد جنودنا من على الكتف ومن يدري لو كان هذا المصري يعلم أن طبيبا وممرضين في الطائرة لتردد 0
الأهالي يشتبكون مع المظليين ومع الذين قفزوا من الدبابات المعطلة والعربات نصف المجنزرة التي تحترق 0 تمكنت مجموعات معادية أن تهرب من المدينة لكن مجموعة منهم تم التعامل معها 0
انطلق عبد المنصف تجاه قسم شرطة الأربعين ومعه بعض أبناء المدينة 0 شاهدوا كول دبابات معادية يتقدم تجاه ميدان الأربعين مطلقا القذائف على المباني والمنشآت 0 توقفت الدبابات إلا اثنتين اتجهتا 0 دلف عبد المنصف ومن معه إلى شارع جانبي حتى لا ينهار عليهم مبنى أو جدار 0 كانت الدبابتان تهدفان فيما يبدو إلى احتلال قسم الشرطة واتخاذه مقرا للقيادة العسكرية إن تمكنوا من البقاء 0
قفز بعض الجنود من عربة نصف جنزير ونزل قائد الدبابة فأحاطوه لحمايته وفي أيديهم الرشاشات يدورون بها فى كل اتجاه بينما راح مكبر صوت يلقي بتعليمات 0
تسلل عبد المنصف إلى موقع قريب وتعرف على ما يترجم بلهجة شامية :
إلى أهالي السويس قيادة جيش الدفاع الاسرائيلي تسيطر سيطرة تامة على غرب القناة 0 دباباتنا في طريقها إلى القاهرة 0 السويس استسلمت والاسماعيلية استسلمت 0 لا داعي للمقاومة حفاظا على أرواحكم 0 يا أهالي السويس نحن نريد السلام ولا نريد الحرب 0 لن نتعرض لكم بسوء ما لم تقاوموا 0
ويذاع البيان مرة أخرى ومرات 0 وبعد كل مرة تهدر الدبابات وكأنها تتوعد الأهالي الذين يعرفون أن العدو يكذب 0 كيف يقول إن السويس استسلمت بينما هي تقاتل ببسالة وضراوة ؟ كيف يقول الاسماعيلية استسلمت والجيش الثاني فعل بهم الأفاعيل هناك ؟ وما معنى قولهم إننا في الطريق إلى القاهرة ولو جاءت اسرائيل بكل من فيها لابتلعتهم القاهرة في جوفها ؟
اندفع الأهالي صوب الدبابات والقوة التي خرجت من الدبابات مسرعة باتجاه قسم الشرطة 0 سقط البعض منا ومنهم لكنهم تمكنوا من اقتحام المبنى واندفعوا كالسيل داخل المكاتب وتمكنوا من القبض على مأمور القسم وبعض الضباط واحتجزوهم في إحدى الحجرات وكلفوا قناصتهم بحراستهم 0
- أي واحد يتحرك منهم أطلقوا عليه النار 0
وأصبح الشعب أمام اختيارين : هل نضحي برجالنا الرهائن وندمرهم مع عدونا ؟ أم ننتظر حتى تتكشف الأحداث وفي هذا مخاطرة .
- لو انتظرنا سيحكم العدو قبضته على المكان 0
ظهر أحد ضباط الشرطة 0 تأمله عبد المنصف من بعيد وأرهف السمع لصوته القاطع حازم النبرات :
- سيادة المأمور لم يستسلم لهم أبدا بل هو يفضل الموت على الاستسلام 0 كل ما في الأمر أن الذخيرة نفدت لذلك إستطاع العدو الإمساك به وأنا أقول لكم نيابة عن سيادته : اهجموا 00 اهجموا ولكن بحذر 00 اقتلوهم وخلصوا الرهائن 00 وأنا أمامكم فصاحت الجموع : الله أكبر
انهالت نيران البازوكا على مبنى الشرطة فتطايرت أحجاره ، وضابط آخر يلقي قنبلة يدوية يندفع بعدها ومعه مجموعة مدربة 0 يلقون القنابل ويطلقون الرصاص 0 يقتحمون المبنى 0 معركة بالسلاح الأبيض نسمع صراخا عاليا وتكبيرات 0 أجساد كالذبائح ونافورات دم 0 استطاع أحد جنود الصاعقة أن يقتحم ويصل إلى حجرة الرهائن0 دارت معركة بينه وبين قوة الحراسة فقتل ثلاثة منهم وصاح : تحيا مصر
استقبل صدره العريض دفعة رصاصات فارتمى مضرجا بدمه 0 حلّ محله آخرون 0 سقط القتلى وارتفع الشهداء 0 تمكن الأهالي من فك أسر المحتجزين الذين هرعوا للخروج من الباب الخلفي للقسم 0 كانت هناك أسلحة من أجلهم تنظرهم فاستلموها وتعاهدوا على النصر أو الشهادة 0 شارك عبد المنصف في هذه العملية بأن قذف ، ولأول مرة في حياته ، ثلاث زجاجات حارقة على إحدى العربات وغمرته السعادة وهو يراها تشتعل 0 أما الأعمال الأخرى التي تعود عليها فكثيرة كإخلاء الجرحى ودفن الشهداء وغير ذلك من أعمال لم يخطر على باله في يوم من الأيام أن يفعل شيئا منها 0 عاد قبل المساء وبعده وصل العريف صبري الشيمي 0 سأل عن حسن إذ كان متعودا أن يجده في استقباله 0 لم يأت حتى الآن 0
تناولا الفطور وكذلك عادل وسلمى 0 مرت ساعة والقلق يدب في الصدور ثم رأى شبح حسن قادما يقضي عليه الإجهاد 0 ألقى بنفسه على الكنبة :
- أريد أن انام 0 تعبت كثيرا هذا اليوم 0 كيف استطعنا تجميع كل هذه الأشلاء من تحت الركام 0 أرجوكم لا توقظوني في الصباح 0 دعوني سأصحو من تلقاء نفسي 0
- لكن العدو قد يحاول غدا اقتحام المدينة بعد أن فشل اليوم 0
كما تقفل الريح شباكا مواربا دخل إلى مملكة النوم 0 أما عبد المنصف فإنه في هذه الليلة لا يريد أن ينام إلا بعد أن يستعرض بعض الصور 0 كيف لم تخطر له زينات على بال ؟ وسلوى التي حلت محلها ؟ سبحان مقلب القلوب ! كيف نسي هذا القلب الرهيف عبق الهوى في خضم هذا الدمار والأشلاء والحرائق ؟ ألا يحتاج الفؤاد لنسمة رطبة تهب عليه ؟ وحنان أمه وطيبتها ؟ ما له يحس كأنه ابنثق إلى الحياة في مجمرة السويس ! أهو هكذا يعيش يومه مهما كان ويقطع الأواصر التي تربطه بماضي الزمان ؟ عجيب أمرك أيها القلب ! كيف استطعت أن تتجاهل زينات بهذه السهولة وأجلست على عرشك غيرها ؟ إنك تحب صفات ولا تحب أشخاصا 0 كيف إذن تنسى سلوى أيضا ؟ أم إنك لم تنسها ؟ ألا تريدها لحظات يرطب غيثها أرضك المشققة ؟ ألا تتمنى صوتها وأوراق وردة شفتيها ؟ إن النوم يطرق بابك وملابسك في حاجة إلى تنظيف .العرق فوق العرق يستقر في القماش ، والتعب فوق التعب يتراكم في الأعصاب . وأهم من كل ذلك أنك لا تلوم نفسك على المجيء إلى هنا .


في اليوم التالي احتل العدو شركة تصنيع البترول أمسك أحدهم سلاحا وجهه إلى رأس مدير الشركة : ما اسم محافظكم ؟
- بدوي الخولي
- أعرف ذلك ! اتصل بالمحافظة وأبلغهم نبأ سقوط الشركة 0 هيا
اتصل بغرفة عمليات المحافظة وأبلغهم ما سأمليه عليك 0
العرق يتصبب من جبين المدير ويسيل على خده 0 يتقطر عند ذقنه بينما ينظر الأجنبي إلى صورة السادات : هذا هو الذي أمركم بمحاربتنا! أسقطوا هذه الصورة!...
لم يشعر مدير الشركة أنه يحب إنسانا كما أحب هو صاحب الصورة في تلك اللحظة.. بدا وجهه قاتما مغيظا عندما تحطم زجاج البرواز. كأنما غادر المكان بروحه. دوامات تكاد تحمل جسده البدين. قل ورؤائي... أولا.. على محافظ السويس... أتسمعني؟! انتبه جيداً.. أتسمعني؟!.. على محافظ السويس.. والمسئولين إعلان الاستسلام خلال نصف ساعة تنتهي في العاشرة والنصف صباحا ، وأن يحضر المحافظ وبقية المواطنين إلى الاستاد الرياضي.. ثانياً.. في حالة رفض الإنذار، وعدم الاستجابة له ستقوم القوالت الإسرائيلية بدك المدينة على من فيها بالطائرات والمدفعية. انتهى!

قام الرجل بإبلاغ الإنذار 0 وبعد عشر دقائق طلب منه تكراره مع تغير كلمة نصف ساعة إلى ثلث ساعة 0 وبعد عشر دقائق كرر الإنذار مع استبدال ثلث ساعة فأصبح بعد عشر دقائق 0
وفي كل مرة يجيء رد المحافظة أن المحافظ غير موجود وأننا نحاول الاتصال بالقاهرة 0 وفي الحقيقة لقد كان موجودا في غرفة الدفاع المدني هو ومدير الأمن وعلم بالإنذار وتفرغ للاتصال بالمواطنين وقيادات المقاومة 0 لم يكن الاستسلام بالأمر الوارد إطلاقا 0
في العاشرة والنصف إلا خمس دقائق أمكن الاتصال بالقاهرة 0 قام المحافظ بشرح الموقف بتفاصيله :
- وهم يدعوننا للتسليم ونحن نرفض ذلك فلا كرامة شعبنا تسمح ولا ديننا وحضارتنا يسمحان 0 هذا هو رأي رجل الشارع والضابط الكبير سواء بسواء
وجاء الرد من القاهرة من وزير الداخلية ممدوح سالم أن القائد الأعلى للقوات المسلحة يأمر برفض الإنذار رفضا باتا، والقتال حتى الرمق الأخير 0
في العاشرة والنصف تماما اتصل مدير شركة البترول ليقول : القائد الاسرائيلي معكم 0
انتظر المحافظ الصوت الذي سيجيء من الطرف الآخر للسلك ، كأنما سيسمع فحيح ثعبان . شالوم. هل وصلكم الإنذار؟ وما ردكم عليه؟ نأمل عدم التهور !

- لقد حكمنا العقل والعاطفة والدين والقيم والمبادئ ورفضنا الإنذار
- وتتحملون النتائج التي سيدفع شعبكم ثمنها
- الشعب صاحب القرار 0 ونحن نقبل التحدي 0

واعتادت السويس الويلات 0 وجهك جميل أيتها المدينة رغم التغضنات والتجاعيد 0 وجهك تشرق منه الحرائق وتتكحل عيونك برمادها 0 جميلة والله في كبريائك وفي رفضك للإنذار 0 طلبوا منك التسليم بينما يتخوفون وأسلحتهم بأيديهم 0
في منطقة المثلث كان المقدم عزت سامي موسى - ضابط ملاحظة مدفعية - يراقب تحركات العدو وتجمعاته ابتداء من 22/10 ولمدة ثلاثة أيام ويتابع ما يجري ، وفي مساء 24/10 أبلغ قيادة الفرقة 19 أن العدو يجمع لواءا ميكانيكيا في المثلث بهدف السويس 0
على الفور 0 وبدون تردد هدرت مدفعية الفرقة 19 وانهالت بقذائفها على هذه التجمعات وكلما انحرف الضرب يقوم المقدم عزت بتصحيحه 0 لم يكن العدو يعرف من أين يتم توجيه هذه النيران فتعرقل تقدم اللواء الميكانيكي فلا يتمكن من تحقيق أهدافه 0
جميل وجه أبنائك رغم ما طرأ عليه ! طال الشعر واستطالت اللحى ولم يعد الهندام نظيفا لكن شيئا من الجمال الغريب يتبدى 0 الجمال الوحشي 0 الرجولة التي تطل من العيون 00 التحدي !! انكمش الجوع في الجسوم لكن القوة واضحة المعالم 0
- مسجد الشهداء يوزع أسلحة
يتشظى زجاج المسجد ويتناثر حول المصلين الذين هم في شغل شاغل عن ذلك 0 إنهم يتصلون بالله الذي يمنحهم الثقة 0 الأهالي يحاولون إنقاذ أجولة الدقيق التي ضربت مخازنها 0 يطفئون النيران التي بدأت تلتهم فتجد الرجل ملطخا بالأبيض والأسود ، بالدقيق والدخان 0
ومن أين جاءت كل قنابل الملوتوف هذه ؟ لكأن الأهالي يصنعونها كما يعدون الشاي أو القهوة !
في مسجد الشهداء اجتمع بعض العسكريين مع بعض القياديين المدنيين لبحث احتياجات الأهالي من الغذاء والماء0 كان بالمسجد عدد كبير من الأهالي بعضهم يصلي وبعضهم يبتهل وبعضهم يسلم جراحاته إلى الشافي المعافي ، رن التليفون في الطابق الثاني للمسجد فرفع العميد عادل إسلام قائد الدفاع الشعبي السماعة وتلقى نبأ الإنذار 0 كان شيخ المسجد قريبا منه يصغي فصاح فجأة :
- الاستشهاد أحلى من الشهد على لساني !
أمسك الشيخ مكبر الصوت في عصبية وبدأ بالصلاة والسلام على النبي ثم هتف : يا أهالي السويس 000
طلب منه المستشار العسكري عدم ذكر الإنذار لكي لا يحدث بلبلة لا داعي لها لكن الشيخ لم يتوقف لحظة عن إطلاق التحديات والترغيب في الجنة ونعيمها الذي ينتظر الشهداء 0 نحن لا نرفع إلا راية الجهاد في سبيل الله والوطن


- كل عام وأنتم جميعا بخير
- وأنت بخير يا عم صبري
- كل سنة وأنت طيب يا عمو حسن
- وانت طيبة يا سلمى يا جميلة
وقبلها في جبينها وقبل أخاها عادل 0 وأخرج الرجال الثلاثة عيديات متواضعة قدموها للطفلين فقال عادل
- أنا لم أعد صغيرا على هذا
- بل أنت بطل صغير وستأخذ عيديتك 0 شجعه والده : خذ يا عادل
- أريد الذهاب معكم لصلاة العيد
- وأختك ؟ أنتركها وحدها ؟
- بل سأذهب معكم وسنحكم إغلاق المنزل عليها
صاحت سلمى : لا تخافواعلي 0 سأبقى هنا في البدروم 0 أغلقوا الأبواب بالمفاتيح حتى لو دخل لص فلن يراني 0 سأكون في الحجرة التحتانية 0
وأشارت ملوحة بيدها الصغيرة وبابتسامتها اللطيفة 0 دخلت الحجرة وأغلقتها واغلقوا المنزل بالأقفال والمفاتيح ، وتوجهوا إلى أقرب مسجد 0 الله أكبر كبيرا 0 والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا 0 كلمات اكتست بمعان لم يدركها القلب من قبل 0 كلمات تذوب في الدموع وتمتلئ بها المآقي وتسيل 00 وفجأة
استيقظ الطيران مبكرا هذا اليوم 0 الانفجارات عنيفة والشيخ بعد الصلاة يقول : لا تغادروا المسجد إلا بعد سماع الخطبتين 0 خرج بعض الناس لكن عبد المنصف وحسن سينتظران قليلا أما صبري الشيمي فهمس : هذا هو الجزء الثاني من الإنذار 0 إن لم نسلم المدينة لهم ونرفع الراية البيضاء سيدكون السويس على رؤوسنا 0
- الله أكبر يا رجل 0 اهدأ
جلس بعد أن كان يهم بالنهوض 0 وضع يده على كتف ابنه في حنان وسأل الله أن يمد في عمره حتى يراه رجلا 0
وما أن انتهت الخطبة الأولى حتى قال :
- يكفي 0 سأعود إلى المنزل لو كان عادل بقي مع أخته ما قلقت هكذا 0 سأسبقكما أنا وعادل 0 لا تتأخرا كثيرا 0
خرجا من المسجد تاركين عبد المنصف وحسن للخطبة الثانية 0 الشيخ يقول :
- انتظروا يا أحباب الله 0 سنوزع على حضراتكم نفحة بسيطة 0 كعك العيد 0 ستأخذون نصيبكم من كعك العيد وكل عام وأنت بخير 0 رددوا ورائي : اللهم انصرنا على أعدائنا 0 اللهم اجعل كيدهم في نحورهم واجعل الدائرة عليهم 0 اللهم ثبت قلوبنا على الإيمان بك وبوطننا يا أرحم الراحمين 0
أخذ عبد المنصف وحسن كمية كبيرة من الكعك والبسكويت لأن عددا كبيرا من المصلين كانوا قد غادروا بعد الخطبة الولى
- سإعطي هذه الكمية لسلمى وعادل
قبل أن يصلا إلى المنزل سمعا صياحا وعويلا 0 أصوات تقول : تهدم بيت فلان وأصوات تقول : فلان تحت الأنقاض . وغاص قلب حسن في قدميه وشهق : سلمى !
مازالت قذائف المدفعية الضخمة تنهال على هذا الجزء المنعزل من المدينة 0 احتميا بمكان توقعا صموده للضربات0 سلمى!0 استأنفا مسيرهما إلى المنزل وهالهما تهدم المنزل المجاور ، وكذلك نصف منزل صبري الشيمي والرجل وقع على الأرض في حالة سيئة بينما عادل يحاول زحزحة بعض الأحجار عن مكانها 0 هرع عبد المنصف إلى صبري يجس نبضه فأتاه صوته من خلف التعب : عليكم بسلمى !
ثم أعاد إغماض عينيه مستسلما للدوار 0
كومة من الأنقاض مصيبة لو تكون سلمى تحتها 0 هي في الحجرة التحتانية على اليمين من المدخل 0 هكذا قالت قبل أن يتركوها ويذهبوا إلى الصلاة 0 مذهولا شمر حسن أكمامه ورفع ذيل جلبابه وبدأ يعمل
- منذ أيام ونحن ننتشل الجثث وننقذ الجرحى من تحت الركام ولم نعلم أن الدور سيكون على سلمى
- اسكت! وهل سنترك الرجل ملقى على الأرض هكذا ؟
- دعه فلن يموت
نادى : يا سلمى ! فلم يأت أي رد0 أمسك حجرا ودق به على كتلة أسمنتية فسمع بعض الدقات 0 استبشر خيرا وهتف : إنها تحس بنا!
اندفع عادل نحو أبيه صائحا : انهض! سلمى بخير!
فتح الرجل عينبه 0 رأى الثلاثة يعملون وقد غمرتهم فرحة نجاة ابنته 0 دبت الحياة في اطرافه واعتدل جالسا
- ابنتك بخير 0 و تتجاوب معنا 0 الدقات تنادي الدقات 0 اسمع 0
الوجه المليء بالتجاعيد والغبار بدأ ينفرد ويمتلئ باللهفة وتطلع نحو السماء : يا رب بقوتك أنقذ ابنتي!
ويضع أذنه على الأرض يتسمع 0بدأ يعمل معهم 0 العرق يسيل والعطش يزداد 0 كل ذلك تم نسيانه بمجرد أن استطاع صوت الطفلة أن يتسلل من بين الأنقاض ويخرج إلى السطح 0 تجمع بعض الأهالي وعاونوا في نزع الكتل الكبيرة وعندما حاولوا زحزحة لوح خشبي ضخم قال عادل :
- هذا باب الحجرة التي بها أختي 0
نادى بأعلى صوته :يا سلمى !0 أحس بصونتها فامتقع وجهه وصاح: إنها تتكلم! هي تحت المنضدة!
رقص الجميع نشوة. يبدو أنها لم تصب بسوء. طفرت الدموع من المآقي. لم تمر عشرة دقائق حتى ظهر ذراعها النحيل المعفر. أزاحوا عنها كتلة خشبية كانت تحميها من حجر كاد يحطم رأسها الصغير. يريدون سماع صوتها الواهن. ظهر رأسها مكللا بالتراب. لا تجذبوها بقوة. حذار. لكن أبوها احتضنها فلم يستطيعوا تخليصها منه. كان حائرا أيبكي أم يرقص؟ ينفض التراب عن شعرها ودموعه تسح. يهزها كنخلة صغيرة ليتفرج على بلح الكلام.لمح ما يشبه الطين في فمها.. تفي يا سلمى.. وأصابعه تتخلل شعرعا والغبار يتطاير في الشمس.

- كدت أموت حزنا عليك يا سلمى 0 ولكن قولي لي كيف استطعت الدخول تحت المنضدة عندما سقط عليك السقف؟ 0 شديدة الإعياء كانت لكنها مع ذلك تكلمت :
- لقد كنت مختبئة تحتها قبل سقوط السقف يا أبي 0 أحسست كأن لصا يتسلل فخفت ودخلت تحتها لأهرب منه ثم حدث ما حدث
مازال يحاول إزاحة التراب العالق بها ما استطاع 0 وجهها مخطوف 0 ليمونة لها عينان حزينتان ، وفم ينطبق على طفولة تتساءل عن مجاهيل 0 تتطلع إلى وجه أبيها الذي مرت عليه السنون بأقدامها الغليظة لأول مرة ترى شاربه معفرا هكذا وملابسها هي تمزقت وتغبرت 0 اقترب منها أخوها في رجولة طفولية وحنان عجيب .
- ما بالك صامتة هكذا يا أختي؟
أمسكت بطرف قميصها كأنما تقول له: انظر!. وأشارت إلى فردة الحذاء الوحيدة العالقة في قدمها..تمتم أبوها: الفردة الضائعة؟! خذي كبدي مكانها!




أحمد عدوي

جلسوا جميعا أمام الأنقاض ليستريحوا قبل استئناف العمل لإخلاء الممر المؤدي إلى حجرة جانبية يمكن استخدامها للنوم 0 سينظرون في بقايا المكان وما إذا كان سيصلح لإيوائهم 0 مر بهم وهم يأكلون الكعك رجل في يده سلاح ورآهم فاشتهى الطعام 0 مد كل منهم يده إليه بقطعة من كعكة 0
- سمعت أن بعضهم احتلوا عمارة تقع على ترعة المغربي ، وأن أي مصري يمر فوق الجسر المصنوع من جذوع النخيل ستصرعه القناصة !
- نترك عم صبري مع أولاده ونذهب نحن لنقف على جلية الأمر 0
وصلا إلى المكان الذي حدده سامبو 0 وقف الثلاثة مختفين 0 بعد دقائق مر مواطن فوق الجسر . دوت طلقة واختفى الرجل في الترعة شبه الجافة تاركا صرخة مكتومة 0
الإشاعة صحيحة 0
- فلنحاول معرفة مصدر النيران . انظر . أحد الأهالي يهرع تجاه الرجل الساقط في الترعة .
دوت طلقة أخرى وسقط الرجل الثاني تلفت عبد المنصف حواليه فرأى بعض رجال المقاومة يمشون في حذر 0 يحاولون معرفة مكان المتسللين 0 أخيرا صاح أحدهم ويدعى أحمد عدوي :
- رأيت الأوغاد 0 اتبعوني
وبعد قليل كان إطلاق النار يهدر في المكان ، ولم تمض دقائق حتى كانت المجموعة الغاضبة من الأهالي قد أجهزت على بعض المتسللين وأشعلت النار في الشقة التي كانوا يحتلونها فألقى أحدهم بنفسه من النافذة لينجوا من الاختناق أو الاحتراق فتلقاه الأهالي وانقض عليه أحدهم وكان جزارا وضربه بالساطور فشج رأسه 0 صاح أحمد عدوي :
- عليكم بالسطح 0 يجب تطهيره قبل مغادرة المكان 0 انظروا 0 هذه الهليوكبتر تتابع الأحداث فاحذروها لأنها ستطلق النار عليكم 0 أصابت الرشاشات اثنين من الأهالي فسقطا واختفى الباقون . صعد أحمد عدوي إلى السطح فوجد أحد المتسللين رافعا يديه يقول بالعربية : خذني أسيرا 0 أرجوك لا تقتلني 0

نزل والأسير أمامه 0 وفجأة صدرت حركة التفاف خائنة ولمع السلاح الأبيض فبادره عدوي بإطلاق النار 0
يتبع عدوي الضابط حسن أسامة لكنه في أحيان كثيرة يتصرف من تلقاء نفسه 0
- وهل عندكم ماء للشرب ؟
- بدأنا نشرب من الترعة لكن سقوط القتلى فيها منعنا ، ثم إن العدو أوقف تدفق الماء إليها 0 عموما 0 البحث عن المياه عملية مستمرة 0 تم حفر بئر لكن مياهها كانت مالحة وشحيحة وعموما المياه المالحة لها استخدامها 0 واستمر أحمد عدوي يحكي عن ماسح أحذية يدعى الهلباوي له حانوت صغير بالقرب من مسجد سيدي الغريب كان يقول : سمعت من أبي عن بئر سأدلكم عليها 0 كان أجدادنا يشربون منها أيام زمان 0 هذه هي 0 هذا مكان غطائها 0 ورفعوا الغطاء عن البئر 0 انحنى أحدهم وتطلع داخلها 0 أصدر صوتا ضخمه جوفها :
- إنها شبه جافة
طمأنه الهلباوي : لا تنزعج 0 يمكن معالجة جفافها بقليل من السكر 0 كان أبي رحمه الله يقول إن البئر إذا صارت شحيحة فإنها تكون تواقة لقليل من السكر 0
كان أحمد عدوي يتحدث عن الهلباوي وهو يبتسم 0 ذقنه مدببة وابتسامته مرسومة بقلم رفيع السن 0 عيناه في لون العسل تشعرانك بالود والثقة 0
أحضر الأهالي كمية لا بأس بها من السكر وهو عزيز عليهم ، وألقوا بها في فم البئر 0 أشعلوا البخور وقال شيخ من مشايخ جامع الغريب : الفاتحة لحضرة النبي
وأطاح بالدلو والحبل في يده : وحدوا الله وصلوا على من سيشفع لكم
الماء غير قليل والدهشة كبيرة ، قال أحد الأهالي محذرا :
- لا تشربوا حتى يتم تكرير الماء لمعرفة إن كان صالحا للشرب
- أنقرأ عليه القرآن ونستنجد بالمصطفى العدنان وتأتي أنت لتشكك في صلاحيته ؟ انتظروا حتى أذان المغرب وسأكون أول الشاربين
وما أن انطلق صوت الآذان حتى وضع الشيخ رأسه في الدلو فابتلت عمامته وشرب كبعير عطشان 0 أقبل الناس على البئر من كل حدب وصوب وكلما أحسوا بها جفافا ألقموها السكر وبخروها 0 والآن تجدهم أمامها طوابير
توقفت عربة جيب أطل منها الضابط حسن أسامة عرفه عبد المنصف وصاح مندهشا : أهو أنت ؟
جاء حسن مهرولا لمصافحته فسلمه قنبلة يدوية بعد أن سأله :
- أنت طبعا تعرف كيف تستخدمها ؟
طلب منه واحدة أخرى لعبد المنصف 0 ركب أحمد عدوي بعد أن صافحهم وحكى للضابط عما حدث
سأل عبد المنصف صاحبه : إلى أين ؟
- إلى المنزل لنطمئن على عم صبري وعادل والبنت التي كادت تضيع منا هذا الصباح 0 صاح أحد الأهالي في محموعة من الجنود :
- في آخر هذا الشارع عربة محملة بأسلحة مضادة للدبابات 0 أسرعوا وخذوا منها ما تحتاجون إليه 0
لم ينتبه عبد المنصف إلى الهليوكبتر التي تطلق الرصاص لكنه أحس برعشة تسري في جسده فأعطى البندقية لحسن وتحسس ذراعه 0 عادت يده ملطخة بدمه 0 إذن فقد أصابته الرصاصة 0 أخذت قطعة من لحمه .
- امنع تدفق الدم ما استطعت
دق قلبه بعنف فحاول إزاحة الخوف والتوتر 0 دخلا شارعا جانبيا فوجدا اثنين من المصرين يسحبان اسرائيليا تمكنا أخيرا من إحكام ربط يديه كي لا يفلت منهما وجاء بعض الجنود فاستلموه 0 قال أحدهم لعبد المنصف :
- سآخذك معي إلى منزلي 0 ستقوم أختي بتمريضك 0
وكان الألم يتزايد في الجرح ويكاد ينتقل إلى الجسد والروح فهو ينضح في عروق كثيرة 0 سأله حسن بليح : آتي معكما ؟
- تعال معي لأضمد الجرح وآخذ بعض المضادات الحيوية ثم نذهب معا إلى عم صبري 0

بعد القصف الذي تعرضت له السويس منذ السابعة صباحا اقتحم العدو شركة البترول وجمعوا العاملين بها وأمروهم أن يركبوا سيارات الشركة فطلب أحد العاملين تفسيرا للأمر 0 لوح القائد بالرشاش الذي في يده :
- هذا هو التفسير الوحيد وليس عندي سواه 0 هيا اركبوا
لما رأى تردد الموظفين أطلق رصاصات في الهواء فآثروا السلامة .
- سنتحرك في كول مدرع وأنتم أمامنا مباشرة 0 مفهوم ؟ عليكم بإسدال الستائر
تحركت السيارات وبها الموظفون أمام الكول المدرع 0 إذا ضرب الأهالي عليهم ستصاب السيارات 0 تحاشى الأهالي مهاجمة المدرعات 0 في منطقة معينة تم نقل الموظفين سرا من السيارات إلى أماكن اخرى 0 لا أحد خلف الستائر المسدلة 0 السيارات فارغة إلا من السائقين تتقدم الكول 0 اكتشف أحد الأهالي الخدعة فصاح في الجموع السيارات فارغة ! فانهالت القذائف على المدرعات 0 ما أن انطلقت أول قذيفة حتى قفز سائقو السيارات وشاركوا الأهالي فانهالت الشعلات الحارقة بينما صوت المخادع كان يذيع :
- يا أهالي السويس المحافظ يناشدكم الهدوء لقد اتفق معنا على تسليم المدينة 0
لم يصدقهم أحد
حاول العدو مهاجمة السويس من طريق القاهرة السويس لكنه خسر الكثير عندما تصدت له سرية شمل المضادة للدبابات والتابعة للفرقة 19 وأجبرته على الارتداد إلى منطقة المثلث 0
عندما وصلت قوات الطوارئ الدولية وجد العدو الفرصة مهيأة له لدخول المدينة في جماعات تحتل بعض الأماكن لكن الأهالي قاوموا بضراوة 0 صارت المقاومة جزءا من كيانهم النفسي والجسدي فهل استطاع العدو السيطرة على أي جزء من أجزاء مدينة السويس ؟ لا 0 لقد بقيت المدينة المهدمة المحترقة تنظر إليهم ساخرة من خلل الدخان ، فلم يجد العدو ما يفعله سوى قصف مستشفى السويس بالصواريخ !
ازداد عدد الجرحى وانطلقت بالشهداء العربات 0 تم إعداد أماكن إيواء لرعاية الأهالي وجاء الشيخ حافظ سلامة بكميات هائلة من المأكولات والحلوى ووزعها على الجميع 0 همس أحد الجرحى لزميله وكأنما نسي ما به من آلام :
- من أين يأتي هذا الرجل المبارك بكل هذه الخيرات ؟
ألم تقل إنه رجل مبارك ؟ لا تسأل إذن !


 

لقطات بحرية



لم تستطع أزهار الفرحة أن تتفتح في قلوب المعتدين بعد إغارتهم على مطارات الدلتا 0 بل إن هذه الأزهار أصيبت بالذبول 0 ضاعفوا عدد طائراتهم المهاجمة 0 وضعوا مظلات جوية على طريق خروج الطائرات المهاجمة وذلك لتركيز الإعاقة الإلكترونية الكثيفة وأيضا للدخول في معارك مع طائراتنا في حين تنقض مقاتلاتهم لضرب مطاراتنا 0 لم يفلح كل ذلك 0
كما فشل العدو في محاولاته للاقتراب من الاسماعيلية ؛لأن الجيش الثاني كان صخرة منيعة ، أما السويس فقد رأينا صمودها ، فلماذا لا يفكر العدو في الانتقام من بور سعيد ؟ دفاعها الجوي ،أليس منعزلا عن حائط صواريخنا الجبار ؟ ثم إن طريق الإمداد إليها طويل جدا ويمكن ضربه في أي جزء من أجزائه الممتدة عبر المسافات الشسيعة 0 أليس قصف بور سعيد أسهل لامتداد المساحات المائية حواليها ؟0 في مثل هذه الحال يمكن للطيران المنخفض أن يفعل الأفاعيل0 قام العدو في أول يومين من الحرب بالالتفاف من الغرب لمهاجمة قواتنا التي عبرت إلى الشرق لكن أعين دفاعاتنا الجوية كانت مفتوحة 0
التقطت أجهزة راداراتنا مجموعة من الطائرات آتية على ارتفاعات غير منخفضة من جهة الشرق ثم بعد اقترابها انخفضت فأدرك قائد الدفاع الجوي هذه الخدعة ، الأمر الطبيعي أن يأتوا منخفضين ثم بعد ذلك يرتفعون للانقضاض لكن الذي يحدث عكس ذلك تماما 0 خدعة مكشوفة يهدفون منها إلى التمويه على ما سيأتي من ناحية الجنوب 0 وبالفعل 0 صدقت التوقعات 0 وما أن ظهرت تلك الطائرات الجنوبية حتى استقبلتها الصواريخ فاضطرت أن ترتفع لتتلقاها صواريخ أخرى .
وتستمر الغارات .
أربعة وتسعون طائرة معادية تضرب دفعة واحدة 0 فظيع ! أكبر كثيرا من عدد بطاريات صواريخنا ، ومع ذلك نجحنا في إسقاط اثنتي عشرة طائرة منها لكنهم والحق يقال ، تمكنوا من إسكات بطارياننا الأربع .
المعارك تستمر والبطاريات مغمضة العين والمحاولات لا تنقطع لإعادة الوعي إليها 0 الظلام يخيم ، المشاعل تضيء والغارات تتجدد 0 إنهم يهدمون المواقع بعد تدمير المعدات 0 في كل مكان يربض الموت 0 يستقبل أي شئ يتحرك على الأرض 0 الألغام والأشراك في انتظار المهندسين الذين يتحركون لإصلاح الأعطاب ، لكن رجالنا أقوى من الموت 0 ها هو صوت قادة العدو
- اقصفوا كل شئ 0 لا تتركوا أي شئ
- لم تعد أهداف تقصف يا سيدي
- اقصفوا حتى الحرائق والدخان والأنقاض
في صباح الحادي عشر من أكتوبر عادت الطائرات إلى سماء بور سعيد 0 واضحة كأنها تغني أغنية منتشية بالنصر0 لم تنخفض لأنها ما عادت تخشى أحدا 0 لم تعد ثمة صواريخ ترهبها ولا مدفعية تعوقها 0 لقد دمروا كل شئ 0
وكما يومض البرق فجأة 000
انطلقت صواريخ سام 2 وسام3 وأسقطت اثنتي عشرة طائرة معادية وزاغت الأربع الباقية فهل استيقظت بطارياتنا من سباتها وعاد إليها الوعي ؟ نعم
جن جنون العدو لأن المصريين أفلحوا في إعادة الخلق وفي استمرار التحدي 0 أشعلوا النار في براميل فارغة لكي تجذب الصواريخ الحرارية 0 أطلقوا ستائر الدخان حول المواقع لتجعل الصواريخ الموجهة بالتليفزيون تضل طريقها0 إن المصريين يفعلون المعجزات لكن عدوهم يمتلك من السلاح ما لا عدد له لذلك دمروا لنا ثلاث بطاريات ولم يبق لنا صالح للعمل إلا واحدة 0
فماذا فعل مهندسونا ؟
حافظوا على مصادر الإشعاع الكرومغناطيسي بكل موقع 00 الصواريخ ما زالت تنطلق وإن كانت غير موجهة 0 ثمة دخان كثيف يصعب معه التكهن بأي شيء 0
خسر العدو طائرات بلا عدد على الجبهة المصرية ، وعددا كبيرا من طياريها أما بور سعيد فسيظل وجهها يشرق ويبتسم للشمس وأعرف اثنين من أبناء قريتنا كانا في هذه المدينة الباسلة استشهد أحدهما وهو عبد العزيز موافي أما الذي كتبت له السلامة فهو صديقنا أحمد الرويني الذي أتى إليه عبد العزيز قبل أن يلقى ربه بيوم واحد ، وكان في موقع قريب جدا ، وقال له :
- هذه الأمانة أتركها معك لتسلمها إلى أمي
- ومن أدراك أنني سأعود قبلك أو بدونك يا أخي ؟
- أنا لا أخشى الموت لكني أحس أن أيامي قليلة ! سأصاب وأموت متأثرا بجراحي 0ولست نادما على ذلك
ما أكثر الأشياء التي لا تفسير لها 0 وأترك أحمد الرويني يتحدث 000


صوت أحمد الرويني

تخرجت في الكلية الفنية العسكرية مايو 71 ملازم اول تحت الاختبار والتوزيع على القوات البحرية 0 في 25/5 سافرت إلى بور سعيد للالتحاق بالوحدة التي تم التعيين بها - فوج المدفعية الساحلية - حيث استقبلني النقيب احتياط : ماهر نظيم ، ضابط الحرب الكيماوية بالوحدة 0 ثم قابلني الرائد مهندس حلمي عابدين الذي سوف أتسلم العمل منه ، والرائد يوسف محمد يوسف رئيس عمليات الوحدة 0 بدأت فترة من العمل المكثف الجاد كنوع من تحدي النفس لإثبات التفوق في مواجهة أعطال الأجهزة المستخدمة بالوحدة فبعضها قد دخل الخدمة عام62 0
أتت هذه المجهودات بثمارها سريعا ، وكانت المكافأة من الله سبحانه وتعالى أن انخفض معدل الأعطال بصورة مذهلة حتى إنه كانت تمر شهور بدون أي عطل رغم الاستخدام اليومي تقريبا 0 واستمر العمل والتدريبات ، وجاء سبتمبر 73 وأذكر أن الرئيس السادات عندما حضر إلى بور سعيد في ذكرى وفاة الرئيس عبد الناصر { 28سبتمبر} وأجاب على سؤال لأحد الجنود عما إذا كنا سنحارب 000 أجاب بقوله : سنحارب يا ابني وبأسرع مما تتصور ويتوقع الآخرون 0 وقد كان 0
كان مخططا أن أحضر إلى الاسكندرية في أول أكتوبر لأداء امتحان الترقي لرتبة الرائد 0 وفي نهاية سبتمبر وصلت إشارة بتأجيل الامتحان إلى 6أكتوبر ، وبالطبع لم نكن نعلم أن ذلك ضمن خطة الخداع لإخفاء نية الهجوم وموعد بدء الحرب 0
التاريخ : الخميس 4 أكتوبر 0 الموقع : نقطة ملاحظة المدفعية على الشاطئ الغربي للقناة في مواجهة النقطة القوية المعادية عند الكيلو 18 جنوب بور سعيد 0 التوقيت : الثالثة بعد الظهر حيث توجهت مع المقدم محمود صادق والنقيب محمود عبد المحسن والنقيب صبري أبو علم للمرور على النقطة ومناقشة الاحتياجات المطلوبة لها مع النقيب احتياط فايد عبد الستار من قوة السرية 0 مدفعية ساحلية 0 وكانت آخر مرة أرى فيها العلم الاسرائيلي على الشاطئ الشرقي لقناة السويس 0 عدنا من هذه المهمة مع أذان المغرب وصوت الشيخ رفعت كان يتابعنا في الطريق 0 تناولنا فطورنا وصلينا 0 الأمور تسير سيرا عاديا ، وليس ثمة دليل على أن شيئا هائلا أوشك أن يحدث 0 الجمعة الخامس من أكتوبر يوم آخر عادي ، ولكن بنهايته تكاد تشم رائحة الحرب في بور سعيد 0 الساعة العاشرة مساء أخطرت بحدوث عطل في جهاز الرادار في سرية المدفعية الساحلية ببور فؤاد 0 وعلى الفور توجهت إلى هناك وقابلني النقيب شامل صالح قائد موقع الرادار وأبلغني عن مظهر العطل ، وبدا الاصلاح وتم تحديد العطل حوالي الساعة الرابعة صباح اليوم التالي ، ولم تكن قطعة الغيار المطلوبة متوفرة في موقع بور فؤاد فتوجهت لإحضارها من بورسعيد وعدت إلى الموقع في السابعة صباحا 0 تم الاصلاح ورجعت إلى قيادة الوحدة بعد ساعة ، وكان طبيعيا أن أنام فورا 0
في الثانية عشرة ظهرا أيقظني زميلي النقيب محمود عبد المحسن ضابط الأمن وأبلغني أن ساعة الصفر تم تحديدها ، وأن قائد الوحدة قد عين الرائد صلاح الخضري رئيس الشئون الإدارية قائدا لمركز القيادة الخلفي للوحدة 0 سنحارب إذن بعد أقل من ساعتين 0
بدأ التمهيد النيراني 0 اشتركت فيه الوحدة بضرب مواقع العدو في الكيلو عشرة والكيلو 18 على قناة السويس جنوب بور سعيد وموقع شرق بورفؤاد 0 وفي الثالثة والثلث بدأنا نسمع أخبارا عن سقوط نقط العدو القوية والبعيدة في العمق 0 وبعد فترة استمرت قرابة ساعة أو أكثر قليلا 00 ظهرت طائرات العدو في سماء بورسعيد ، وبدأت معها قصة بطولة رجال الدفاع الجوي في هذا القطاع 0 تمكنوا من إسقاط جميع الطائرات المعادية المغيرة 0 أقول جميع وليس معظم لأن هذا ما حدث أمام عيني ، وكنت ترى سقوط الطائرات بالصواريخ والمدفعيات وهبوط الطيارين بالمظلات كما تراها في الأفلام ، وتكرر هذا السيناريو مرات ومرات 0 طائرات تظهر من اتجاه البحر أو من الجنوب ، الصاروخ يطاردها ، الطائرة تناور ، الصاروخ يلاحقها ويدمرها 0 ولنشات تبحر لتعود بالطيارين الأسرى 0 ومع كل مرة ترتفع المعنويات وتزداد الثقة 0 استمر الحال كذلك حتى عصر يوم 8أكتوبر حيث تمكن العدو من الإغارة بأعداد هائلة من الطائرات على مواقع دفاعنا الجوي وأحدث بها خسائر ، بل أبطل فاعليتها 0 وكان يوما 9و10 من أصعب الأيام حيث لم تكن أعمال قتال قوات دفاعنا الجوي على المستوى المرجو ، ولكن يوم 11 جاء وقد نشطت فاعليتنا حيث عاد مسلسل سقوط الطائرات متزامنا مع ما يصل إلينا من أنباء الانتصارات التي يحققها الزملاء الذين عبروا القناة 0 وكنا نسمع الإذاعة ونقرأ الصحف ونجد ما يذاع وينشر متطابقا مع ما يصل إلينا من بلاغات .
وفي إحدى الغارات نال عبد العزيز موافي ، من بلدنا ، إحدى الحسنيين . لقى ربه وكان تنبأ بذلك 0 وما زلت أذكر بسمته التي تفيض بالشجن وهو يكاد يقسم لي أنه يحس أنه سيلقى ربه قريبا رغم أننا كنا في قمة انتصاراتنا 0 وفي مكان أمين أحتفظ بظرف يحتوي على مرتب آخر شهر ورسالة إلى أمه تفيض بالحنان الجميل 0 كان قال لي بالحرف الواحد :
- سأتصدى للطائرات بمدفعي 0 لن أختبيء حتى تمر الغارة ، بل سأفتح صدري لنيرانهم 0
ثم وكأنه يتنبأ :
- سأصاب ثم أموت متأثرا بجراحي .. وقد كان .

جابر رجب

في السنة التي حصل فيها عبد المنصف على الثانوية العامة حصل جابر محمد رجب على الاعدادية وكانت بينهما صداقة فلا يفترقان إلا على موعد للقاء 0 يلعبان الكرة الشراب في فريق الجنينة 0 يجلسان على القهوة التي يديرها المعلم محمد رجب ، والده 0 يلعبان الشطرنج ويأتي لهما المعلم بالشاي أو السحلب ويقول لابنه : عرفت تختار الصديق المخلص
سيذهب عبد المنصف إلى الاسكندرية ويترك جابر في القرية .
- سأذهب أنا الآخر إلى الاسكندرية مثلك 0 سألتحق بالبحرية 0
يعترض المعلم على قول ابنه ويقول لعبد المنصف : ليس لي ولد غيره ، هل يلتحق بالجيش ويتركني ؟ أنا كبرت وهو عكازي
- سألتحق بالبحرية يا أبي
- لن يقبلوك بسبب الفلات فوت
- دعني أتقدم بأوراقي ، وأنا وحظي .
تركه يفعل على أمل أن يرفضوه لكنه وجد اسمه ضمن المقبولين .
وتمر الأعوام 0 نحن الآن في الثالث من اكتوبر 73 وجابر رجب رقيب متطوع يتبع اللواء الثاني لنشات صواريخ 0 اللنشات في حالة انتشار في ميناء الاسكندرية تجنبا لهجوم ضفادع بشرية معادية 0 كان تخصصه قاذف صواريخ 0 في الرابع من اكتوبر حدثت مشكلة بينه وبين الضابط حمدي همام وتم نقل جابر في نفس اليوم إلى منطقة البحر الأحمر على لنشات الصواريخ المرابطة في ميناء سفاجة 0 كان كئيبا وهو يترك الاسكندرية مودعا رفقاءه ، فكأنه يقطع من جسمه أجزاء ويتركها ويمضي إلى مكان آخر مجهول يتخيله مليئا بالظلام والضباب 0
مكان لا أعرف أحدا به 0 لمت نفسي على تهوري مع الضابط لكني كنت اعلل ذلك بأنه هو الذي يستفزني 0 كان كل شيء بداخلي يصرخ : لماذا لم يكن الجزاء خصم يوم أو حبس ليلة ؟ لماذا النقل إلى ذلك المجهول المخيف ؟
لقد كنت دائم الاعتراض على ذلك الضابط وكان هو يبادلني الجفاء وعدم الألفة 0 حدثت مشادة بيني وبينه تم نقلي على اثرها كنوع من التكدير 0 وصلت إلى سفاجة في الخامس من أكتوبر . استقبلني هناك ملازم أول طارق جمال 0 وكان هذا الضابط يعمل من قبل في الاسكندرية ، وكذلك قائد اللنش اسماعيل الدكر ، وسعدت بلقائهما سعادة بالغة ، فكأنما حولا الصحراء التي في داخلي إلى أحواض زهور مما جعلني أتصبر بهما على نقلي وعلى الظلم الذي حاق بي 0
فوجئت باجتماع قائد البحر الأحمر اللواء جمعة بأطقم زوارق الصواريخ يوم 6 أكتوبر الساعة الرابعة عصرا 0
في هذا الاجتماع زف إلينا البشرى التي زلزلتنا ، فالحرب قد بدأت بالفعل وقواتنا عبرت 0 لم أكن أعلم أن البركان قد أخذ يلقي حممه منذ ساعتين 0 تهت في كلماته واستيقظت من خيالاتي على قوله : جاء دوركم أنتم يا رجال 0 بعد ساعتين ستضربون منطقة شرم الشيخ ورأس محمد أي مؤخرة سيناء من الخلف ، ستخرجون قبل مدفع الافطار بقليل أي أن القوات البرية ستضرب من أمام وأنتم من الخلف لعمل إرباك في الجانب المعادي 0
قمنا بالتحرك 0 ورغم السماح لنا بالافطار خلال النهار فإنني لا أذكر أن أحدا قد أفطر 0 لم تقع عيني على واحد يأكل أو يشرب أو يدخن 0 كان الجميع صائمين وطلعنا العملية بعد أن صلى الجميع قبل الطلوع 0 وصلنا الساعة الواحدة صباحا إلى شرم الشيخ وكان الموج عاليا واللنشات صغيرة مثل علب الكبريت الطافية فوق تيار هائج 0 وكان التصميم على الوصول إلى المنطقة المحددة لتدميرها تصميما هائلا 0 صواريخنا بعيدة المدى يتم اطلاقها عن بعد وأتابع ذلك على الرادار 0 وبخط يدي أكتب على الصاروخ قبل اطلاقه " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " قمت بالضغط على زر الإطلاق فانطلق المارد من القمقم ،و على الرادار رأيت ما أثلج صدري حيث صارت المنطقة كانما هي شمس الظهيرة الملتهبة 0 وبعد إطلاق السرب بالكامل عدنا مسرعين لكننا فوجئنا بأسراب من الطيران الاسرائيلي تلقي بفوانيس مضيئة علينا وتطلق تجاهنا وابلا من الصواريخ وليس في حوزتنا سوى مدفع في كل لنش0 اعتمدنا على الساتر الدخاني من فوقنا ليحجب الرؤيا ،و حدث عطل مفاجئ في الضمان { عجلة القيادة } 0 صرخ القائد :
- الضمان تعطل يا رجال !
اقشعرت أبداننا لكن بعد دقيقة عاد الضمان إلى العمل لا ادري كيف 0 ربما بفضل دعواتنا المخلصة لله جل وعلا0 في تلك اللحظة سقط صاروخ فأصاب الونج أي جناح صغير يستخدم للوقوف عليه لتركيب كابلات الصواريخ ، أصيب الونج وكان الموج عاليا 0 كنا نواجه الأمواج والريح والعدو والصواريخ واستطعنا العودة إلى ميناء سفاجة سالمين 0 كان زملاؤنا هناك في انتظارنا ومنهم الضابط على طبق 0 كانوا يتسمعون على الرصيف لصوت المحركات للاطمئنان علينا 0 وعندما عدنا حوالي السادسة صباحا صدرت لي أنا شخصيا تعليمات بانتدابي إلى منطقة الغردقة لكي أنضم إلى سرب زوارق الصواريخ في المنطقة لأنه كان مكلفا بعد ساعات بالقيام بمهمة شبيهة بتلك التي انتهينا منها للتو فأدركت أنني نقلت إلى هناك بسبب الحاجة إلى تخصصي وليس بسبب مشكلة شخصية فتذكرت الضابط حمدي همام واستحضرت وجهه أمامي واعتذرت إليه لسوء الظن وارتفعت معنوياتي إلى السماء 0 وقمت بنفس المهمة انطلاقا من ميناء الغردقة 0 بعد ثلاث طلعات فوجئت بأحد الزملاء قد حضر من الاسكندرية لتصليح عطل بزوارق الصواريخ فقلت : رائحة الحبايب .
وذهبت إليه فوجدت أنه عبده الطياري بلدياتي وسألته عن المركب التي تركتها أنا قبل الحرب بيومين وعن أخبار من فيها ، فقال لي : تعيش أنت
استشهدوا في عملية البردويل وكان من بينهم صاحبك الشهيد أحمد المزين.
بكيت على أحمد 0 كنت أعرفه جيدا ، وأعرف خطيبته ووالده بائع البذور .



عودة الغائبين



بالقبلات والدموع ، بالفخر ،بالعواطف الجياشة 00 تستقبل القرية ابطالها 0 للهامات أن ترتفع إلى السماء ،و للقامات ألا تنحني إلا لبارئها لروح أكتوبر أن تحل في كل شيء 0 العبور العظيم يجب أن يستمر في تدفقه إلى الأبد 0 لم تكن الحرب قد انتهت عندما جاء محمد البريمي 0 ساعي البريد في أناقته المعهودة إلى منزل شعبان ونادى :
- الآنسة زينات شعبان 00 رسالة 00
كان والدها آتيا من المسجد بعد صلاة الظهر فوجد البريمي واقفا تحت ظل النخلة فداعبه بقوله : نريد خطابات من أبطالنا المحاربين0 لماذا لا تذهبون إلى هناك وتأتون إلينا برسائلهم ؟
- الرسائل تأتي من هناك 0 هل معك كبريت ؟
بل معي كبريت وسجائر 0 ألم تأخذوا أجازة بسبب الحرب ؟
- نحن لا نأخذ اجازات في الأعياد فهل يعقل أن يعطوها لنا في الحروب ؟ تفضل يا حاج هذه رسالة للآنسة زينات0
كانت تستمع إلى الحوار فلم تستطع أن تمنع شهقة فرح باغتتها وانطلقت من فمها 0 الحمد لله 0 مجاهد بخير
هز والدها رأسه مستفهما : من أرسل إليك هذا الخطاب ؟
انتبهت لاضطرابها فأطبقت على الورقة وتضرج وجهها 0 الدنيا كلها يجب أن تعرف أن مجاهد بخير 0 ويذكرها هي بالذات 0 بين الدم والنار تذكرها 0 دارت بخلده وهو يصوب 0 تذكرها وهو يتحاشى أن يصاب 0 ثم وهو يتقدم إلى القناة ليعبر 0 ثم وهو يقتحم الصعاب ووابل الطلقات 0 تذكرها وهو يغفو لحظات ليستأنف بعدها رحلة الآمال والمتاعب ويمحو العار ويكلل جبين أمته بالغار 0 ألا يكفي هذا لتقول إنها كانت هناك 00 معه ! فلما الخجل ؟
دخلت حجرتها فدلف خلفها 0
- أحدثك فلا أتلقى منك ردا ؟ ما بالك ؟ ماذا دهاك ؟
جلس على حافة السرير ونادى فجاءت أمها مسرعة 0
- اسألي بنتك من الذي أرسل إليها الخطاب الذي معها
كانت زينات في حيرة عجيبة 0 لم تكن تعرف بالضبط الوجهة التي عليها أن توجه إليها عواطفها 0 أتظهر كل هذه الكمية من الفرح لأمها أم تخفيها عنها ؟ أتتردد أم تعلن للجميع أنها أسعد من في الوجود
- المسألة بسيطة يا أمي 0 مجاهد ، زميلي الذي يحارب أرسل لي خطابا
- مجاهد ؟ اللهم لك الحمد 0 أتسمع يا سي شعبان ؟ زميلها
- اسأليها لماذا هي بالذات

- انتظر يا رجل ولا تفزع البنية هكذا 0 من أدراك ؟ قد يكون أرسل لكل معارفه
- قل يا أبي حمدا لله على سلامته هو ومن معه جميعا 0
طلبت الأم من زوجها أن يأخذ الجواب ويذهب إلى أبيه ليطمئنه:
- ستجد أنه لا ينام قلقا على ضناه 0 منذ وصل خبر استشهاد عبد العزيز وكل من له ابن أو أخ هناك يقتله القلق
- معك حق 0 هاتي الرسالة يا ابنتي لأن الرجل سيطلب أن يراها
- بل هي لي أنا ، ملكي ، لا أعطيها لأحد 0 قرأتها وسأقرأها 0
لا يعرف الرجل ماذا يفعل أمام هذا العناد الذي لم يتعود عليه 0 أمسكت الحاجة بيده وسحبته بلطف إلى خارج الحجرة وهي تهمس له : لا تحرج البنية أكثر من هذا 0 هيا 0 اذهب إلى والده
- سيسألني عن الخطاب فماذا أقول له ؟ ادخلي إليها وانظري في أمرها

- سأدخل 0 وعلى أي حال سبق لهذا الشاب أن طلب يدها
- لا أذكر
- لقد ذهب إلى القاهرة وتحدث في شأنها مع زوج أختها الأستاذ بدر 0
وقامت وحركت أكرة الباب فلم ينفتح 0 لقد أغلق بالمفتاح من الداخل 0 نادت مرتين ثلاثا حتى فتحت لها ابنتها 0
- أنا فرحانة يا أمي 0 لم أكن أعرف للنوم طعما طيلة الليالي السابقة . كنت أستلقي على ظهري وعيناي في السقف وأتخيل أشياء صعبة جدا .
- أنا لا أفهم شيئا

- ولا أنا
- ألهذا كنت ترفضين كل من تقدموا لطلب يدك ؟ عموما الواضح أنك تفضلين مجاهد على غيره
- هذا ما بدأت أتأكد منه 0 في الماضي كان عندي إحساس جميل بشيء مبهم كنت أقاومه وأتغافل عنه 0 ولكني الآن واثقة أن قلبي لم يدق إلا لشخص واحد 0 هذا الكلام لك أنت يا أمي وليس لغيرك
- ولكن هاتي الخطاب لأعطيه لوالدك
- صدقيني يا أمي إذا قلت لك إن هذه الورقة كأنها قطعة مني 0 كأنها خدي أو شعري أو يدي 0 كيف أعطيها لأحد


أخذ العم شعبان الخطاب وخرج وهو في حيرة لا يحسده أحد عليها 0 كيف سيفسر ذلك الموقف الغريب؟ 0 حاول أن يتراجع :
- الوقت غير مناسب 0 ربما يكون الرجل نائما 0 لكنه ، وهو يهم بالعودة ، لمح شقيق مجاهد فسار معه إلى البيت0
استقبله صاحب الدار :
- خطوة عزيزة يا حاج شعبان
جلس إلى جانبه 0 كان الباب الموصل إلى الصالة مواربا فقال الضيف : اقفل هذا الباب لو سمحت
- حاضر يا سيدي 0 العيد على الأبواب
- أعاده الله عليكم وعلينا وعلى الغائبين
- وضعت يدك على الجرح يا حاج شعبان
ترقرقت في عينه دمعة كبيرة همت أن تسقط لكنه مد اصبعه وتعجلها 0 هنا تأكد الرجل أن مضيفه لا يعرف شيئا عن ولده
- اطمئن 0 اطمئن
وابتسم وأخرج الخطاب من جيبه وهمس
- ابنك يا سيدي أرسل هذا الخطاب إلى بنتي 0 أرأيت ما يفعله الأولاد ؟
- متى ؟
- الآن 0 وصل هذا الخطاب إلينا فحملته إليك
خطف الرجل الظرف من يده ورأى خط ابنه في الرسالة فأمسك بضيفه يقبله ويصيح يا وجه الخير يا وجه السعد
وطلب منه الضيف أن يجعل هذا سرا بينهما ولكن كيف ؟ لن يستطيع أن يكتم الفرحة 0 إذن قل إنه أرسل إليك أنت الخطاب
- نحن وأنتم واحد 0 على أي حال لقد اختار ابنة الناس الطيبين 0 ليتنا نفرح بهما بمجرد عودته بإذن الله
- أنت تسبق الأحداث يا حاج
- ادع الله معي أن يعيده بالسلامة وأن يحقق آماله جميعا الفاتحة
- إنها فاتحة خير وبركة
وهم بوضع الخطاب في جيبه فاستحلفه بالله أن يعيده إليه
- بنتي ستزعل مني إذا عدت إليها بدونه
- اتركه لي حتى صلاة العشاء 0 سأعطيه إليك في المسجد
دخل عبد المنعم سلام والد مجاهد وغاب قليلا لأنه كان يحادث زوجته في الأمر ومنعها أن تزغرد
- أخشى أن تكون حولنا قلوب مجروحة 0
مع هذا فقد استقر الرأي على شيء هام 0 أن يذهب والد مجاهد ووالدته مساء هذه الليلة ليخطبوا البنت
- يجدر بنا أن ننتظر لنعرف رأي الفتاة
- رأيها واضح يا حاج
وعندما خرج عبد المنعم ليوصل شعبان رأى أمامه محمد البريمي وابتسامته العريضة تحت شاربه الكث
- جواب لك يا حاج عبد المنعم
خطف الخطاب من يده كانه يقبض على كنز 0

في المدرسة من جديد

استؤنفت الدراسة 0
كان أصعب شيء يواجه زينات وهي ذاهبة الى المدرسة كيفية مواجهة عبد المنصف 0 هي لم تعده بشيء لكنه كان يريدها 0 كانت تحس به تماما 0ورغم أنه كان أخبرها عن ارتباطه بإحدى قريباته فإنها لم تثق في قوله ،و هي الآن مرتبكة لا تدري أتحدثه بأمر مجاهد وخطابه وحضور اهله وقراءة الفاتحة أم تخفي عنه كل ذلك 0 حائرة لكن سعيدة ومجاهد رجلها الذي تهواه ولن تنكر ذلك بعد الان 0
تبادل المدرسون التهاني بالعبور وردد الأولاد في الطابور : تحيا جمهورية مصر العربية 0 بروح عالية جدا 0 وكان العلم يرفرف بشموخ حقيقي .. لكن ...
لماذا لم يظهر وجه عبد المنصف حتى الآن ؟ غائب ؟ وكيف يغيب في أول يوم بعد استناف الدراسة ؟ 0
لم تسأل عنه وقالت نترك الأمر إلى الغد ، وفي اليوم التالي لم يحضر أيضا 0 بدات تقلق سألها عنه الناظر فهو إذن لم يبلغ المدرسة بأسبابه 0
- لا اعلم شيئا عنه يا حضرة الناظر ولا أجد تفسيرا لغيابه
- إذا لم يحضر غدا سيكون منقطعا عن العمل وسنرسل إليه الإنذار 0 أفهميه ذلك

بعد الظهر ،و قبل ان تعود إلى بيتها قررت التوجه إلى منزل زميلها لتسأل عنه 0 دقت على الباب الخارجي فتعرفت عليها والدته 0
- من ؟ انت بنت الحاج شعبان 0 أذكرك جيدا
- نعم أنا يا خالة
شبت على أطراف قدميها ثم انخرطت في البكاء قبل أن تقبلها 0 دخلت سامية فوجدت جدتها تبكي واحتارت بينهما زينات 0 كانت تريد أن تفر من المكان لكن فتحية أخت عبد المنصف سألتها
- ألا تعلمين ؟ إنه في السويس !
- السويس ؟!
وكفكفت الأم دمعها بكم جلبابها الأسود :
- اخبرني أنه ذاهب في رحلة إلى مرسى مطروح لكنه ذهب إلى السويس هو وحسن بليح
- وماذا يفعلان هناك ؟ وهل ذهبا من تلقاء نفسهما
قالت فتحية لم يكتف عبد المنصف أن زوجي فؤاد خضر هناك فذهب وتركني وترك أمه أيضا 0
أم عبد المنصف أسلمت نفسها للبكاء 0 عيناها حمراوان في لون الدم 0
- هكذا الرجولة الحقيقية يا أمي 0 لاتحزني 0 سيأتي بإذن الله مرفوع الرأس إنه يرفع رؤوسنا جميعا


ووصلت رسالة من المستشفى 000
أرسلها محمود شاكر إلى خاله بسام البشراوي الذي هرع إلى القاهرة لزيارة ابن أخته المصاب 0 لم ينس الرجل أن يحمل معه كمية من الهدايا لبعض الجرحى والمصابين 0 بكى وهو جالس على حرف السرير الأبيض عندما تخيل ابنه إلهام يعاني مثل هذه الحروق 0
- أرواحنا ودمنا فداء للوطن يا خالي
- بارك الله فيك يا ابن أختي
- ألا توجد أخبار عن إلهام ؟
- لو كان جريحا لعرفنا ، ولو كان استشهد لأخبرونا 0 أنا مستعد للتنازل عن أملاكي 0 كاملة غير منقوصة 0 وأراه

لا يكاد يمر يوم إلا ويأتي حسن الواعظ بمفرده أو تأتي معه حفيدته لزيارة أم عبد المنصف وسامية 0
- بسلامته تركنا وذهب إلى خط النار برجليه 0 والأستاذ فؤاد خضر هناك منذ سنين ونحن هنا نضع اليد على الخد 0
- الصبر طيب
- العمدة بنفسه مر علينا أمس وسألنا إن كنا نحتاج أي شيء .
يأتي حسن الواعظ ومعه سلة بها اللحم والخضروات والفاكهة ويقول لأم عبد المنصف : هيا أعدي لنا الغداء 0 يستحي أن يجيء بمفرده ولذلك يطلب من سلوى أن تاتي في صحبته 0 وإذا حدث وامتنعت لسبب ما فإن الرجل لا يمكث إلا بضع دقائق يقدم فيها شيئا إلى أهل الدار ثم يغادر 0 وسلوى تحس أنها هنا في بيتها وأن هؤلاء الناس هم أهلها وأنها تحب هذا المكان الذي كأنما ولدت فبه 0
في المساء تذهب أم عبد المنصف تصحبها حفيدتها سامية إلى أم أحمد حسن التي لا تنقطع دموعها وتتبادل المرأتان حديث الشجون
- قال لي سأذهب في رحلة
- قال لي سأحضر قبل نهاية الأسبوع
ثم 000 عاد مجاهد 000
كل يوم تستقبل القرية بطلا من أبطالها ، قد تصدح الأفراح أو تؤجل إلى أن يعود بطل آخر 0 عاد مجاهد وطار من الفرح عندما علم بتأثير الخطاب الذي أرسله إلى زينات ، هذا الخطاب الذي فجر الينابيع0
- اسمح لي يا عمي أن أقترح اقتراحا.. لن نقدم الشبكة ولن نعقد القران إلا بعد عودة زميلي عبد المنصف 0
ووجد مدامعه تسيل ...
هذه الأيام مليئة بالمفاجآت 0 آخر شيء كنت اتخيله أن أعود من جبهة القتال فيقال لي إن عبد المنصف هناك 0
- ستكتمل الفرحة بعودته إن شاء الله 0
ومع هذا أصبح مجاهد شحنة من الفرح والسعادة 0 يسهر في بيت صهره يتسامر مع خطيبته وفي الصباح يوصلها إلى المحطة 0
- ستنتهي الاجازة وأعود إلى الوحدة لكني واثق أن المسألة مسألة وقت وأعود قريبا إلى حياتي المدنية 0
إنه لا ينسى عبد المنصف أبدا ، يتذكره في مواقف كثيرة وخاصة عندما يأوي إلى فراشه لينام 0 يتخيله أمامه وأنه يحكي له عن زينات 0 صدقي يا أخي لقد عدت من الجبهة فوجدت أهلي وأهلها متفقين ! كانت مفاجأة لي أيضا ! {ويبتسم}
كل صباح وكل مساء يمر على بيت زميله الغائب ليسلم على والدته ، الست الطيبة 0 يقبل يدها أحيانا ويطلب منها ان تجفف دمعها 0
وكان حسن الواعظ يشعر بالقلق لكنه لم يسمح لهذا القلق أن يتوحش بل كان دائم الترويض له 0 دق جرس التليفون وردت سلوى 0 كثيرا ما تهرع إلى الهاتف هذه الأيام تنتظر مكالمة من عبد المنصف 0 لماذا احس الواعظ أن أشياء عظيمة ستحدث اليوم ؟ المكالمة لها
أتاه صوت ليس بالغريب عنه ، صوت الواثق0 القوي 0 الصعب!
اندهش لكنه تماسك 0 الباشا يطلبه ! لماذا ؟ لا يكاد يصدق أذنه الملاصقة للسماعة 0
- كل خير يا حسن بك 0 أريد أن أسمع صوتك دائما يا رجل!
- وأين هو " صوتي " يا سعادة الباشا ؟

- سيكون لك صوت عال جدا يا حسن بك 0 ألم تعلم أن مدير المديرية سيحال للمعاش بعد شهر ؟ ألا يرضيك أن تحل محله ؟
- معقول يا باشا ؟
- لن نجد من هو أفضل منك 0 وأريد أن أقول لك شيئا لتصحح فكرتك عني
- معاذ الله 0 إن فكرتي عن سعادتك ..
- يا حسن بك 0 إن أهل الناحية لا يقصدونني إلى لمصالح شخصية لم يأتني أحد على الإطلاق ليطلب شيئا للبلد
- والكوبري الذي تم إلغاؤه ؟

- سأبوح لك بسر 0 لقد جاءني أيامها عائلات تتضرر من أن هذا المشروع المقترح سوف يؤذي أرضها ، وقالوا إن هذه الأرض الغالية ستنزع ملكيتها لإقامة الطرق التي سيتصل بها الكوبري ،وبكوا أمامي وهم يرجونني إلغاء ذلك المشروع الضار
- سبحان الله

- وعلى العموم نحن في عصر العبور وأعاهدك أن أفعل ما أستطيع لتحقيق هذا الحلم 0 إن كل مدينة على النيل من حقها إقامة كوبري يصلها بالضفة الأخرى
- هذا أمر بديهي يا افندم


- سأتصل بك في المديرية غدا لأهنك
- لم يكد يضع السماعة ويتنهد حتى رن التليفون مرة أخرى فرفع السماعة كأنما ليكمل الحديث الممتع 0 لكنه صرخ فجأة :

- يا سلوى عبد المنصف يتحدث 0 نعم أنا معك 0 نحن بخير وأنت ؟ من أين تتحدث ؟
حاولت سلوى أن تخطف السماعة لكن جدها كان يمسك بها في لهفة. وبانفعال شديد خطفتها منه
- لماذا تأخرت علينا كل هذه المدة ؟ ومتى سنراك
- غدا صباحا
- قبل شروق الشمس 0 أريد أن أراها وهي تشرق على جبينك 0

أفراح عبد المعين

منذ أسبوع ... عبد المنصف ومعه مجاهد وعبد الستار وغيرهم يقومون بإحضار أصص الأزهار إلى قطعة الأرض التي تذكرون أنه اشتراها العام الماضي 0 مستطيلة الشكل محاطة بالمباني من ثلاث جهات ، لها سور يحدها من جهة الشارع يتوسطه باب صغير 0 تعددت الاقتراحات والآراء ، وفي النهاية اتفقوا على انشاء قناة سويس ببحيراتها وحدد مكان بور سعيد والاسماعيلية والسويس بأصص متشابهة ، أما القناة والخليج والبحر فالأزهار القريبة من الأزرق هي الأنسب 0 وفي سيناء تم وضع زهريات متفرقة تحوي صبارا ونباتات شتى 0 وكذلك على امتداد القناة إلى الغرب وكل منهم يقترح نوعا من الزهور رمزا لشيء أو لفكرة معينة 0 وتم وضع قطع من الحديد الخردة على امتداد القناة مموهة بالرمال لتشير إلى خط برليف 0 وفي بعض النقط الحصينة من هذا الخط يتضح علم مصر المرفوع يخطف الأبصار والقلوب 0 رصت الكراسي ملاصقة للجدران والسور 0 أكثر من مئة كرسي وبعض الكنب العربي جاء به الأهالي 0
- هل الأماكن ستكفي ؟ لاحظ مثلا أننا سنكرم أهالي الشهداء والغائبين الذين لم يعودوا بعد0
- ستكون هذه تجربة 0 اما اللقاء الحقيقي فسيكون بعد أقل من عام 0 يوم 6أكتوبر 74 0
قالت زينات إن المسرح سيكون هو الوسيلة المثلى سواء في المدرسة أو في أي مكان آخر وعموما فقريتنا غنية بأبنائها الرائعين 0


مازال بسام البشراوي يذهب إلى المستشفى لزيارة ابن أخته 0 كل هذه الحروق وكل هذه الجراح في سبيل شيء واحد اسمه الوطن 0 ثمة ينبوع من الرحمة يتدفق في حناياه وهو يهم بالعودة إلى القرية 0 دلف إلى أول محل أقمشة صادفه واشترى خمس قطع 0 كل قطعة ثلاثة أمتار 0 ألوانها زاهية شبابية تليق بعروس 00 من أجل سمسمة 0 ثم دخل محل مجوهرات وبحث بعينيه عن حلق مناسب لفتاة ريفية فلم يجد 0 كل الموديلات تختلف تماما عما يراه مناسبا لسمسمة 0 سأله الصائغ عما يريد فأخبره 0
- طلبك عندنا ولا نعرضه في الفتارين 0 انظر 00 ما رأيك ؟
- جميل جدا 0 هذا ما أريده بالضبط 0
- وما رأيك في هذا الكردان ؟
- إنك تخفي كنوزك عنا 0
- هذه التحف نحتفظ بها إلى أن يأتي طالبها 0
يفكر بسام جديا في الاستقامة وترك الدجل ، ويقسم إن عاد ولده إلهام من الحرب سليما أن يصبح شخصا آخر 0
سيعود إلى القرية كالمنوم مغناطيسيا ! لا يدري ماذا يفعل 0 قوة خارقة تحركه لا يستطيع لها دفعا 0 وصل إلى موقف السيارات 0 عربة عمر عيسى عليها الدور يسوقها ابنه عيسى عمر 0 وعربة سامي أيوب لا تنتظر دورا بل تتحرك بصفة مستمرة وتأخذ ركابها من الطريق 0 لم يركب بسام هذه العربة ولا تلك وإنما سأل عن عبد المعين فوجده جالسا في مقهى المحطة يلعب دومينو مع أحد زملاء مهنته
-تعال يا عبد المعين 0 مشوار خصوصي 0
- خد لك تاكسي يا حاج بسام 0 أفضل من الكارتة
- قم فز يا تنبل !
- ألا توجد تاكسات يا ناس ؟!
- يا رجل انهض واترك الدمينو وابحث عن أكل عيشك
عبد المعين يتهرب منه ، وهذا واضح في إظهار اهتمامه المفاجئ بالدومينو وفي تحدثه إلى الرجل القابع في مواجهته باهتمام مصطنع 0 ركب بسام في الأمام ليكون قريبا منه ليحدثه على انفراد 0
وجه عبد المعين مكظوم ، ملبد 0 هوى بالسوط على ظهر الحصان الأعجف : نهارك اسود يا " بتاع " الكلب 0 مالي أراك متكاسلا هكذا ؟
- ألا تسألني عن إلهام ؟
- هل عاد ؟ وهوى بالكرباج ثانية في حنق أشد
- لا 0 أرجو أن تسامحه يا عبد المعين وبإذن الله كل شيء سيتصلح 0
- على أي شيء أسامحه يا حاج ؟ خرب الله بيتك أيها الحصان التالف
- ادع الله أن يعيده بالسلامة يا رجل
- وبعد أن يعود ؟ قلت لك أسرع يا تالف يا ابن التالف
- كيف تضربه بهذه القسوة ؟
- من غيظي

- ولما يشاء 0 ولن أعارض انا في شيء 0 لن أكون حجر عثرة في طريق أحد ذا أنت مغتاظ ؟ قلت لك ادع الله أن يعيده بالسلامة وعندها يفعل الله ما 0
- يبدو أنك تغيرت كثيرا يا حاج بسام

- ومن الذي لا يتغير يا أخي ؟ أنا مستعد للتنازل عن أملاكي كلها شبرا شبرا ،وطوبة طوبة ، وقرشا قرشا وأراه أمامي 0 أنا لا أنام 0 لا يغمض لي جفن 0 بإذن الله سيعود إلهام وتعم الأفراح 0 ماذا عندكم اليوم من طعام ؟
- عندنا الستر 0
- وأنا أحب الستر والستار ولذلك سأتعشى اليوم معكم
- يا حاج بسام : لقد أغلقنا فم البئر فلماذا تصر أن تنكأ الجراح ؟
- اعذرني 0 أنا أحاول إرجاع ابني بكافة الوسائل
- وأنا من هذه الوسائل ؟
دخلت الكارتة القرية ، وأمام محل اسماعيل الجزار نزل بسام وأشار إلى مكان في جسد الذبيحة
- ثلاثة كيلو من هذه
سال لعاب عبد المعين وسأل : ما حكاية هذا اللحم ؟
- لأتعشى عندكم
- الله أكبر !
حمل اللحم ووضعه في الكارتة ، وقال كأنما يطلب شيئا صعب المنال :
- نفسي في المكرونة يا حاج !
- خذ هات كل ما تريد
أسرع بالكارتة إلى منزله 0 شهقت سمسمة وفرت إلى الداخل 0 لمحها الرجل فتذكر طيش ابنه الغائب ، وبدت له وردة في خرابة 0
دخل والدها حاملا هذه الروائع ويقول لامرأته :
- هيا يا ولية ، أعدي لنا عشاء مفتخرا 0 الحاج سيتعشى عندنا الليلة 0 ووشوشها : هو الذي اشترى اللحم 0
سحبته بيدها الخشنة من طوق جلبابه ودخلت به إلى الحجرة الجوانية تسأله :
- ما الذي جاء به إلى هنا بعد أن عملوا عملتهم السوداء ؟
- يبدو أنهم سيصلحون غلطتهم يا بنت الكلب. لماذا تخنقينني؟ خذي!.. كمية لحم لا نراها حتى في عيد الأضحى نفسه.
- واللحم الحي الذي حملته بيدك ، ووضعته بجوار دوار العمدة، هل نسيته؟
- اخرسي يا بنت الكلب. فضحتينا!
- أنا التي أفضحك يا أقرع، يا ذا الرأسين؟. فرحان باللحم والمكرونة، وتنسى لحمك المرمي جنب السور؟
- يا عبد المعين؟
- حاضر يا حاج. أنا جاي!


- تعال أريدك 0 هل يمكن أن تخبر سمسمة أني أريد رؤيتها ؟
دخلت البنت كعاصفة وهي تسأل مستنكرة :
- هل بقي شيء يمكن أن يقال يا حاج ؟
لا يستطيع الفقر أن يكسف هذا القمر أبدا 0 لك بعض العذر يا الهام .
- تعالي يا سمسومة { يدللها } 0 إذا كانت دعوة المظلوم لا ترد ، وتنفتح لها أبواب السماء السابعة 00 ادعي الله أن يعيد الغائب بالسلامة .
كادت العبرات تفر من عينيه ، فأحست الفتاة أن هذا الرجل قريب جدا منها وأن الأمور يمكن أن تنصلح ، فارتمت عليه تقبل يده بل همت تقبيل قدميه .
- استر علي ستر الله عليك
- أستغفر الله 0 يا بنتي 0 كل شيء يمكن أن يتصلح
فتح لفة الملابس فاحتوتها العيون
- هذه هدية مني لسمسمة .
لم يتحرك أحد ظلوا جامدين 0 الأم والأب والبنت 0 فتح العلبة الحمراء ، القطيفة 0 أخرج الحلق والكردان فشهقت البنت وقفزت من جمودها لا تصدق 0 لكن أمها ، رغم أن لعابها سال ، قالت في حزم :
- سنقبلها بشرط أن تكون شبكة 0 أما إن كانت مجرد هدية تهديها لنا فلا حاجة لنا بها 0 صفعها زوجها على صدغها ووبخها :
- تتحدثين في كل شيء كأني طرطور يابنت القديمة
- لا تضربها ودعني أقنعها 0 يا أم سمسمة ، عندما يجيء إلهام بالسلامة سيقرر هو ما يجب عمله ، ويأتي إليها بالشبكة ، أما هذا الذهب فهو هدية مني إليها 0 هل عندكم اعتراض ؟
بكت المرأة فترجرج جسمها طيات طيات 00وقطعة اللحم التي رميناها جنب السور؟ كان يمكن أن يكون الآن طفلا عمره الآن أكثر من عامين.
- إنه في الملجأ 00 حي يرزق00 أتعتقدين أن الكلاب أكلته ؟ لا 00 إنه في الملجأ 00 سأعرف مكانه وأحضره ليعيش مع أهله 0 والآن دعواتكم أن يعود الغائب 0 واسمحوا لي أن أرجع إلى بيتي 0 لقد كنت في القاهرة لزيارة ابن أختي الذي أصيب في الحرب بحروق خطيرة ورصاصة في ساقه 0 عن إذنكم
- سنتعشى معا
- اسمح لي أن أعود إلى بيتي وادع الله أن يعود إلهام 0
أمسكت سمسمة بالهدايا وهي سعيدة 0 انفتحت في حجرتها المظلمة نافذة تدخل منها الشمس ، أما والدها فانتفض فجأة كالملسوع وخرج حافيا إلى الشارع ونادى : يا حاج بسام!..التفت خلفه مستعيذا بالله من الشيطان الرجيم فرأى عبد المعين يهرع ناحيته يدوس بقدميه الحافيتين في الأقذار ثم ملأت وجهه ابتسامة عريضة:
- يا عم بسام 0 نسيت أن تعطيني أجرة الكارته 0 أريد منك جنيها أجرة التوصيلة يا حاج 0
أخرج المحفظة وشد السوستة وهو يقول في نفسه :
- سأقبل مصاهرة هذا المعتوه إذا عاد إلهام سالما 0 أمري لله
أخذ عبد المعين الجنيه وقبله بفرح : هذا يوم مفترج 0 يوم عظيم 0
ولم يكد الحاج بسام يخطو بضع خطوات حتى سمع صوتا يناديه 00 صوت صابر الفلاح الطيب المرح يكرر النداء وهو يسرع الخطى ليلحق به : عندي لك خبر بمليون جنيه
- عن إلهام ؟
- عن إلهام!..لا يمكن أن تتساوى اللحظات ولا الأماكن ولا حتى الأشخاص 00 في هذه اللحظة صار صابر غير ذلك الشخص الذي يعرفه أهل القرية 00 بل أصبح ذا قيمة كبرى 00 في إمكانه أن يأتي بالسعادة في كلمات ينطقها فإذا ببسام هو الأسعد.. رأيته؟
- وسلمت عليه!
قلبه يدق بعنف وهو يرمح ويكلم نفسه بصوت مسموع :
- أحمدك يار ب 00 أحمدك يار ب00 لعنة الله عليك ياعبد المعين يا تمثال القذارة ! أيمكن أن تصبح صهري في يوم من الأيام ؟ إذن ستقوم القيامة قريبا !

احتفال بسيط

اليوم موعد الاحتفال 0تبدى المكان رائعا بكل هذه الألوان من الأزهار والنباتات 0 قامت زينات وسلوى بوضع اللمسات الأخيرة كما شارك الأهالي في رص الكراسي ونثر الرمال في أرض الشارع المؤدي إلى الموقع 0 أرسل العمدة شيخ الخفر ليقوم بما يلزم للحفاظ على الأمن وقال إنه سيحضر ليشارك بنفسه في هذا الحفل 0
بدأ توافد الضيوف . يحمل النسيم أغنيات تترنم بالعبور والنصر. وقف أهالي القرية يقدمون القهوة وغيرها من المشروبات لكل من يجيء . سالت دموع أرملة أحد الشهداء قام عشرون بالتخفيف عنها وتسريتها . همست سلوى :
- يبدو أن المكان سيضيق بالمدعوين 0
علم مصر يرفرف سعيدا 0 نسمة باردة تهز المشاعر 0 وصل عاطف النحراوي من قرية ظهر التمساح وقال : يا أهالينا الكرام .. باسم الشهيدين محمد شاكر مشالي ومحمد السيد مشالي وباسم الشهيد عزت النمر 0 باسم كل الشهداء أحيكم لأنكم أتحتم للوجوه أن تتقابل ، وجوه الأبطال ووجوه الرجال
وطلب يوسف الحاج خضر الحديث دقيقتين
- كنت أثناء الحرب قائدا لفصيلة سام 6 { الكوبرا } وهذا الصاروخ يحمل على الكتف وهو مضاد للطائرات يتتبع الطائرة حتى يسقطها 0 بمجرد أن يلتقط الطائرة في مجاله يعطي رنينا متصلا وضوءا يتوهج 0 وعندما يتم إطلاقه يتتبعها حتى يرتطم بمحركها ويفجرها 0 منذ بداية المعركة كنا نعسكر على مشارف الاسماعيلية عند التقاء الزراعي بالصحراوي ، معاونين لكتيبة مدفعية ثقيلة وتصدت فصيلتنا لطائرات العدو ، وكثيرا ما أجبرتها على الفرار .
لكن .. عندما تم إبلاغنا بوقف إطلاق النار ، وجاءت أوامر القيادة ببقاء الخط الأول للصاروخ وتخزين الخطين الثاني والثالث .. وكان أفراد الفصيلة لم يخلعوا ملابسهم العسكرية منذ بدء القتال .. وكان النوم عليهم حراما في معظم الأحيان ، ما إن سمعنا بتوقف القتال حتى استراح الجميع 00 اللهم إلا ثلاثة أفراد كانوا يتناوبون الخدمة على الصاروخ 00 ونمنا في تلك الليلة نوما هادئا .. قمت لصلاة الصبح قبل بزوغ الشمس بقليل 00 وأثناء أدائي للصلاة جاءت إشارة بأن هدفين معاديين في اتجاه الفصيلة 0 قطعت الصلاة 0 ودون أن أ{جع إلى قائد كتيبة المشاة - المدفعية الثقيلة - أعطيت أمرا بالاستعداد وحمل ثلاثة صواريخ والتعامل مع الطائرتين 0 وبالفعل 0 أسقطنا طائرة فانتوم 0 لكن القلق ساورني فهذا الموقع مهم ، وثمت كول من عربات كبيرة محملة بالمؤن والذخيرة إلى الجيش الثالث 00 هل أخطأت بإعطاء الأمر بضرب الطائرتين وتعريض المكان للخطر أم إن المكان سيتعرض للخطر سواء ضربنا على الطائرتين أو لم نضرب ؟ اعتقدت أنني سأحاكم وسلمت الأمر لله ولم يوجه أحد اللوم إلينا .. بل تلقينا مكافأة خمسممائة جنيه 00 وهاجم العدو الموقع بضراوة وكان معنا عريف يدعى خالد من أوسيم محافظة الجيزة لا أستطيع أن أنساه حيث ألقت الطائرات بالقنابل العنقودية فأطاحت شظية برأسه على الرمال ولكن أصابعه المتشنجة ظلت تضغط على الزيناد وهو بدون رأس 0 وقد ذهبنا إلى أهله في قرية أوسيم ومعنا ظرف به الخمسمائة جنيه تنازلنا عنها لأهله الذين رفضوا أخذها لكني تركت الظرف الذي به المبلغ تحت الكرسي الذي كنت أجلس عليه 0 سيجدونه بعد أن نختفي عن عيونهم 0 انصرفنا وهم يودعوننا بالدموع الصامتة 0 ونحن أيضا.
بالفعل0 ضاق المكان فاقترح عبد المنصف الخروج إلى الحقول الرحبة 0 تحرك الحشد الكبير 0 ومن على أسطح المنازل انطلقت الزغاريد وفي هذه اللحظة وصل وحيد محمد عبد الجواد ومعه قطعة من جسم إحدى الطائرتين اللتين أسقطتا بنيران مدفعية المطار وفي مكان فسيح تظلله الأشجار وتتخلله قنوات رفيعة تنساب مياهها 00 أخذت كل مجموعة موقعا 00 وجاء طابور الفلاحات وعلى رؤوسهن صواني الطعام مغطاة بالفوط
وكان محمود ماهر الدفراوي مشغولا بما سيحكيه ، يتساءل بينه وبين نفسه إن كان الوقت الأنسب لذلك قبل أو بعد الوليمة 0 الصواني على رؤوس الفلاحات تفوح منها الروائح المحفزة وكان هو فرد إشارة بمركز عمليات الكتيبة 308 مدفعية ميدان وفي السادس من أكتوبر شاهد الطائرات في عبورها إلى الشرق 0 وقعت الفأس في الرأس 0 صدرت الأوامر للمدفعية بالضرب 0 ومن شدة المفاجأة كان بعض قادة السرايا من الضباط يعيدون التأكد من هذه الأوامر : ضرب فعلي ؟
- ضرب فعلي يا أفندم
هكذا مكثنا أسبوعا في منطقة الزيتيات ثم تحركنا إلى منطقة الجبانة المواجهة لقرية عامر ومنها إلى داخل سيناء يوم 12 وعبرنا الساعة 3 بعد نصف الليل والمدفعية تضرب على المعابر لكن العناية الإلهية كانت تتدخل وتطيش الطلقات شمال ويمين المعبر 0
كنت على سيارة جيب قديمة موتورها غير سليم 0 كان بها رئيس العمليات والسائق وأربعة أفراد منهم أنا 0 نظرت إلى الساتر غير مصدق أن مثل هذه العربة ستتمكن من اجتيازه 0 كان يشبه الزاوية القائمة وأرضه موحلة من فعل مياه التجريف0 وجدتني أشهق : يا ساتر !!
لكن العربة تصعد بقدرة قادر ولا تتخاذل وها هي تعلو فوق الساتر ثم تهبط الناحية الأخرى لكنها غرزت في الرمل 0
نزلنا ودفعناها حتى عملت من جديد 0
وكانت وحدتنا كتيبة يد في الجيش الثالث أي إنها تحت أمر قائد الجيش لأي موقع يتعرض لضغط العدو 0 لذلك لم نتناول إفطارنا في مغرب أي يوم ونحن جالسون بل متحركون من موقع إلى موقع 0 كنا نتأمد على كتيبة للتعين ويحدث أن نتحرك قبل صرف التعين ونتأمد على كتيبة أخرى . وهكذا .
حتى جاء يوم 19 أكتوبر
صدر لنا الأمر بالعودة إلى الضفة الغربية للقناة وكان اللواء الثالث مدرع بعد تعرضه لضربات شديدة قد صدرت الأوامر لمؤخرته بالعودة إلى الضفة الغربية فعاد معنا مساء 19/10 على نفس المعسكر 0 وفي الكيلو 109 مصر - السويس صدر لنا الأمر بإقامة معسكر على طريق جنيفة انتظارا قدوم أية قوات معادية 0 لم نكن نعلم شيئا عن الثغرة بدليل أننا أقمنا المعسكر هادئين مطمئنين ونمنا ليلة هادئة على اعتبار أننا بعيدون عن مناطق القتال 0
في صباح اليوم التالي كنا جالسين على إحدى التباب فوجدنا دبابات تتحرك أمامنا فطلب قائد الكتيبة نظارة ميدان ، وبعد التأكد أبلغنا المدفعية فجاء ردها : اضربوها
هدرت المدفعية تتعامل مع الدبابات ضربا مباشرا حتى انسحبت وأعطب بعضها 0وجاء الفانتومفتصدت له طائراتنا المقاتلة
وجاء يوم 25 وكان فظيعا
نفدت الذخيرة أو كادت 0تعطلت المدافع رغم أن دبابات العدو أمامنا 0 وكان علينا أن ندبر حالنا 0 وعلى هذا تحتم إعادة تجميعنا عند الكيلو 85 وسبقني الزملاء لأن جسمي الضخم كان سببا في بطء حركتي 0 قابلت عددا من الجرحى فمشيت معهم منذ الخامسة مساءا وتركوني وأقلتهم عربة لكني واصلت وحتى الخامسة صباحا في بطن جبل عتاقة حتى المواقع الجديدة 0 ولكني أريد أن أقول
في 67 لم نكن نعرف أي شئ عن سيناء أما في 73 فكل ضابط وكل جندي يعرف طريقه وعمله والمطلوب منه بكل دقه 0 في ليلة من الليالي وكنا ما نزال داخل سيناء قابلتنا دوريات استطلاع مصرية وشرطة عسكرية وقامت هذه الدوريات بتحذير القائد لأننا على بعد أمتار من العدو 0 إنه الرائد أحمد عبدالله الجيزاوي رئيس عمليات الوحدة 0 لكنه رد عليهم :
- أنتم تحذروننا مما نريده !
كان واثقا كل الثقة من نفسه ومن جنوده وبالفعل تم احتلال ذلك الموقع ليلا بدون إضاءة 0 لم يشعر العدو بنا إلا بعد احتلالنا المكان وفتحنا النار عليهم 0 طوال المدة التي مكثناها في سيناء وبالرغم من تحركنا يوميا لاحتلال مواقع جديدة لم يستشهد من الوحدة إلا جندي واحد عند الاستعداد للعودة حيث أصيب بتفريغ هواء ناتج عن طلقة معادية 0
أما في منطقة الثغرة وكان العدو كعادته لا يحترم وقف إطلاق النار فقد أصيبت معدات كثيرة لنا وعدد من الأفراد . مع هذا فإن العدو أصيب أيضا إصابات موجعة في الثغرة لكن إصاباته في سيناء كانت أفدح 0
أقول : فضل الجرحى ركوب إحدى العربات العسكرية على طريق مصر السويس لكني قلت لهم : العربات قد تتعرض لغارات جوية
فضلت عبور الطريق إلى بطن جبل عتاقة حيث إن الأرض منخفضة أو قل ميتة وهي لذلك آمنة 0 ساعدني حلول الظلام أكثر 0 كنت وحدي فالجميع سبقوني 0 نزلت بطن الجبل في أحد الأودية . وإلى جانبي كلب أسود صغير ظهر فجأة 0 كان يؤنس وحشتي وكنت أونس وحشته0 كلما سمعت طلقا ناريا تحسست جسدي لأرى ما إذا كنت قد أصابني شيء 0 حتى وصلت إلى نقطة الكيلو 85 حوالي الساعة الخامسة صباح 26 وبمجرد وصولي بحثت بسرعة عن شيء من الطعام قدمته للكلب الأسود الصغير وتركته والتقيت بمؤخرات الوحدات التي كانت تتشكل بسرعة لإعادة التنظيم 0
كل ذلك التعب لم يمسح حرفا واحدا من كلمات ملاحم ديوان العبور .

- الطعام يناديكم
لكن العريف عبدالعاطي خليل 0 كتيبة280 مدفعية كان مشغولا هو الآخر بما يجب أن يقول 0 عيناه على الصواني القادمة والمدفعية كما تعرفون تضرب من خلف السواتر 00 وثمة مركز ملاحظة يعطي بيانات عن الهدف المعادي ويقوم بالتوجيه لربط هذه البيانات على المدفع ورسمها على تختة إدارة النيران وحساب بيانات الجراف00 أي تأثير الهواء
والحرارة على سير الدانة 0 تبلغ هذه البيانات ليتم ضبط زاوية الضرب بعد ذلك 0 تمت الإفادة أن هدفا سيصل خلال 13 دقيقة والمفروض أن نضرب قبل مرور هذه ال13 دقيقة 0 هذا ما حدده العقيد رجائي هدايت رئيس عمليات اللواء 51مدفعية وهو في نفس الوقت رئيس مركز الملاحظة 0 تم تحديد المسافة والهدف 0
اكتشفت الكتيبة وكذلك باقي الكتائب أن هذه البيانات هي نفس المسافة بيننا وبين مركز الملاحظة . وكيف يكون ذلك ؟! وهل الهدف هو مركز الملاحظة الخاص بنا نحن فوق التبة أم الكول المعادي ؟
- نخشى أن نصيبك أنت يا افندم
- نفذ الأوامر
وصل الكول المعادي إلى بطن التبة التي فوقها مركز الملاحظة
- لا تترددوا 00 نحن في سبيلنا إلى ترك الموقع 0 اضرب .
وهكذا أخذنا أوامر الضرب ونحن في حيرة وبدأت مدافعنا تهدر 0 تم إصابة مؤخرة الكول الذي أخذ يتحرك بالمقدمة 0 تم شن هجوم على كل ما يتحرك من مدرعات العدو الذي شل تماما فلا يدري اتجاه ومسافة الضرب 0 لا يعلم من أين تنهال عليه الدانات 0 ترك قائدهم دبابته وقفز إلى الأرض وهو يمشي بطريقة الإوزة 0
وكان ضباط المشاة المساعدين للواء 51 مدفعية يحاصرون المكان ففوجئوا بذلك الذي يتحرك ويمشي كالإوزة فقام ضابط منهم بأسره 0 استسلم بسهولة 0 إنه عساف ياجوري 0 استسلم بسهولة غير متوقعة 0 أما رئيس عمليات اللواء { رجائي هدايت } فقد نال شرف الشهادة في تبادل شرس لإطلاق النار 0 ولم يستطع الفرار من جحيم الضرب سوى ثلاث دبابات معادية فقط.

- الطعام يناديكم يا أصحاب البطولات!. تتحدثون عن الحرب وكأنها ما تزال تدور. ألم تنتهِ الحرب؟
هلل الجميع لحسن الواعظ وعانقه عبد الستار حجازي الذي قال :
- انتهت الحرب ولكن خط النار ممتد!. والآن سندخل حالا إلى معركة الطحن . الطعام ينادينا جميعا لكني أحب أن أقول لكم قبل ذلك مباشرة إن اللواء 112 دخل الحرب تحت اسم لواء النصر وكان له قسم رددناه زمنا وما زال صداه يرن في صدورنا . إنه قسم قتال لواء النصر0 والحمد لله حققنا كل ما فيه كلمة كلمة . رددوه خلفي واجعلوا الآفاق تدوي به :
" نحن جنــود لواء النصر من الفرقة 16 نقسم بالله العظيم ، نقسم بالله العظيم ، نقسم بالله العظيم أن نقتحم القناة وأن نعيد لمصر سيناءها وأن نشعلها نارا تحرر أرضنا وتدمر عدونا وتشرف أولادنا وتضيء حياتنا 0 نحو سلام الأحرار الأبطال 0 مؤمنين بالله والوطن وقادتنا وسلاحنا وأنفسنا 0 وشعارنا : عبور جسور.. تحرير 0 والله على ما نقول شهيد "





 

(18)    هل أعجبتك المقالة (19)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي