أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

محاولة لفهم عنف تنظيم "داعش".. فاضل الحمصي

عرض عسكري لعناصر التنظيم في مدينة الرقة - وكالات

من المعروف حالياً أن تنظيم داعش من أكثر التنظيمات تطرفاً وعنفاً على مستوى العالم، وبات يتفنن في أساليب القتل والذبح، متجاوزاً تاريخ الجماعات الإرهابية جميعها، ومتجاوزاً تنظيم القاعدة الذي ولد هو نفسه من رحمه. فمن أين أتى التنظيم بكل هذه القسوة؟ وما سبب اختياره للحلول الأعنف دائماً؟ وما سبب عدم ميله إلى المهادنة أو إظهار الرحمة؟

للجواب عن هذه التساؤلات لابد أولاً من فهم طبيعة تركيبة هذا التنظيم من جهة، وطريقة تفكيره من جهة أخرى. 

من ناحية التركيبة، يتألف تنظيم داعش من خليط عجيب يحتوي على "مجاهدين" ومنتفعين وموتورين وغلاة وعملاء مخابرات، وغيرهم من النماذج التي لا يمكن السيطرة عليها إلا بالقوة، وعند إبداء أي تراخٍ أو رحمة سيشهد هذا التنظيم بكل تأكيد هزات عنيفة وانقلابات متكررة تؤدي إلى تفتته وانهيار قيادته المركزية.

يَحكم قادة داعش التنظيم الآن بطريقة المخابرات، وعملوا خلال السنوات الماضية على بناء جهاز أمني يماثل تماماً الأجهزة الموجودة في الدول الديكتاتورية، وبات التنظيم محكوماً بأجهزة بوليسية تزرع الرعب أولاً في صفوف عناصر التنظيم، وقد سمعنا مؤخراً عن عدد من حالات الإعدام لقادة أو مجموعات تابعة للتنظيم كانت تفكر بالانقلاب والسيطرة على مفاصل صنع القرار، وأتى إحباط محاولاتها من الجهاز المذكور آنفاً. 

وعليه، فإن تنظيم داعش، مثله مثل الأنظمة الديكتاتورية، تمثل القوة والعنف وأجهزة الأمن الرئة التي يتنفس منها، وإذا ما اختلت سقط التنظيم بين عشية وضحاها.

أما فهم طريقة تفكير التنظيم فهو أمر بالغ الصعوبة، ويعرض كتاب "إدارة التوحش" جزءاً هاماً من طريقة التفكير تلك، حيث ينبه مؤلف الكتاب إلى ضرورة زرع المهابة في نفوس قاطني مناطق سيطرة المجموعات المتطرفة، تمهيداً لتجهيزهم لإقامة الدولة، ولا يجب إظهار الرحمة إلا في مرحلة "التمكين وإقامة الدولة"، ولذلك لا يتوانى تنظيم داعش عن استخدام الشدة والعنف ليزرع المهابة ويمسح فكرة التمرد من نفوس عناصره والسكان المقيمين في مناطقه في آن واحد.

يُرجع البعض طريقة عمل التنظيم إلى الفكر السلفي الذي يحمله، وهذا ليس بصحيح كما يقول الكثير من علماء السلفية، والذين يصفون التنظيم بـ"الخوارج"، آخذين عليه مآخذ كثيرة أبزها: اغتصاب حق الأمة في الشورى، ومصادرة حق الشعب في من يحكمه ويوجهه، وإعمال السيف في رقاب السكان والثوار والمجاهدين، واستخدامه التكفير، الذي هو حكم من أحكام الشريعة التي يختص بها القضاء الشرعي المعين من قبل السلطة الشرعية، ووضعه بيد الجنود والسرايا لتكفر وتقتل من تشاء بدم بارد ودون محاسبة.

وبالنظر إلى الواقع في سوريا، نلاحظ عدداً من الكتائب التي تحمل الفكر السلفي الجهادي ذاته، وتشترك مع التنظيم في الهدف النهائي، وهو "إقامة دولة إسلامية تقيم شرع الله"، مثل جيش الإسلام وحركة أحرار الشام، لكنها رغم ذلك تخالف التنظيم في طريقة عمله، وتعتمد في ذلك مبدأ "السياسة الشرعية"، التي لا يعترف بها التنظيم، ويميل إلى تنفيذ الأحكام كما وردت تماماً. 

وقد أعلنت هذه الكتائب الحرب على التنظيم ودارت لها معه عدة معارك، لذلك لا يمكن اعتبار الفكر السلفي وحده سبباً لتبرير طريقة عمل التنظيم بأي حال من الأحوال.

إذا ما اعتبرنا، تجاوزاً، أن تنظيم داعش "نظام حكم"، فهو كجميع الأنظمة الشمولية، ستأتي لحظة فارقة في حياته تؤدي إلى تفككه وتشرذمه وتحوله إلى مجموعات صغيرة تنفذ عمليات محدودة، ودوام الحال على ما هو عليه أمر مستحيل في ظل الاستنزاف الحاصل في صفوفه بسبب حرب التحالف ضده من جانب، والحرب غير المدروسة التي أعلنها التنظيم حرباً توسعية في جميع الجهات من جانب آخر. هذه اللحظة قد لا تكون قريبة، وقد تحتاج لشهور أو سنوات، لكنها آتية لا محالة.

فاضل الحمصي.. مساهمة لـ"زمان الوصل"
(23)    هل أعجبتك المقالة (22)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي